تأخذك إلى أعماق الفكر

ريال مدريد وباريس.. لأن إيمري لا يفكر كالعاديين مطلقًا

يقولون أنّ الغبي هو من يري أخطاءه ولا يتعلم منها، أما الذكي فهو من يتعلم من أخطائه فلا يكررها، والأذكى منه هو ذلك الذي يرى أخطاء غيره فلا يقع فيها؛ وإن كان للثلاثة رابع فـ”أوناي إيمري” هو ذلك الرجل بالطبع؛ فلم يكن يصلح لمن هو مثله إلا أن يكون رجاله من أولئك الحمقى الذين لا يقرأون التاريخ فيعيد نفسه أمامهم ولا يتكبّد عناء الابتكار أو التجديد، والعيب ليس عليه بطبيعة الحال فالحمقى وحدهم يتحملون عاقبة حماقتهم.

ربمَّا تؤدي المقدمات إلى النتائج وربَّما يُستدلّ على النهايات ببداياتها، وربَّما لا يصلح هذا كلّه في حالةٍ كتلك التي كانت في سانتياجو بيرنابيو قبل يومين، لا تكاد تصلح التكهنات غالبًا في مباريات كتلك لكنها إن اعتمدت على المنطق والمقدّمات المتاحة قبل اللقاء، وتبيّن مستوى كلا الفريقين من بداية الموسم، فإنها تحمل في طياتها قدرًا كبيرًا من الصلاحية يُمكِنه أن يتحوّل لحقيقة إذا ما قدّم كلا الفريقين “ريال مدريد وباريس” المتوقّع منهما لا أكثر ولا أقل.

على غير المتوقّع، دخل زيدان اللقاء بخطّته التي يفضّلها دومًا؛ 442 daiomond، والتي اكتسح بها الجميع نهاية الموسم الماضي، ناتشو يقف لينتظر نيمار وفقط، ويعاونه مودريتش في ذلك، إيسكو لاعب إضافي في الوسط أملًا في كسب معركته الحاسمه ورغبةً في المزيد من الاستحواذ على الكرة حتى لو أضرّ ذلك بتحوّلات الفريق هجوميًا، وثنائيّ في المقدمة يسعى أحدهما جاهدًا لإثبات أنه ما زال قادرًا على حمل الفريق، وآخر ينام في سبات عميق لا يستيقظ منه إلا فيما ندر.

على الجانب الآخر يدخل إيمري بالـ 433 التي لم يغيّرها منذ وطأت قدمه أرض الباريسيين، وهي ليست خطّته التي عانق معها المجد رفقة إشبيليه، لكن شيئًا خفيًا يجعله مُصرًا عليها حتى لو غاب تياجو موتا ولم يجد في قائمته سوى “لو سيلسو” من أجل إقحامه في مركز الارتكاز، وهو الذى نشأ بين الجناح وصانع اللعب، لكن الإسباني لم يجد في ذلك مشكله، أقحم كيمبيبي في مركز تياجو سيلفا فقط ولم يفكر في ما هو أعلى من هذا، وقرر أن يتكفل ثلاثي المقدمة بعناء المواجهه، فهم قد فعلوا ذلك من قبل أمام ديجون ونيس وتولوز ولن يكون غريبًا لو فعلوه مجددًا.

تشكيل الفريقين وتقييم اللاعبين- هوسكورد

لكنّ أزمة إيمري الحقيقية كانت تكمن هنا بالتحديد، فحامل لقب البطولة ليس كمونيليه، ولاعبوه ليسوا في مستوى لاعبي ديجون بطبيعة الحال؛ زيدان قرّر أن يحرم الباريسيين من أهم نقاط قوتهم على الإطلاق، الضغط العالي المنظم سيمنع لاعبي باريس من الخروج بالكرة وسيحرمهم كذلك من الاستحواذ الذي اعتادوا عليه في معاقلهم، وحينها لن يتسلّم نيمار الكرة بنفس القدر الذي تعوّد الاستلام به ولن تصل الكرة إلى مبابي في مناطقه المفضلة إلا في مرات معدودة، هذا لو أحسن ريال مدريد الضغط وهو ما يعَدّ ميزته الأولى حين يشارك بتلك الخطة.

إعلان

لم يعتَدْ أوناي إيمري ولا لاعبوه ذلك مطلقًا؛ انتقال الكرة من أريولا إلى الدفاع ومنه إلى لاعبي الوسط لم تكن أكثر من عملية روتينية يؤديها لاعبو باريس حتى تنتقل الكرة إلى أحد الثلاثي الأمامي وحينها يبدأ العمل، عملًا فرديًا خالصًا في الغالب أو محاولة بين الفينة والأخرى لإنتاج عمل جماعي ليجاور المهارات التي يمتلئ بها اليوتيوب لا أكثر ولا أقل، ولعل “بارني روني”؛ محرّر الجارديان، لم يكن مخطئًا في حديثه بعد لقاء باريس وديجون والذي انتهى بثمانية أهداف كاملة لصالح رفاق نيمار وتساؤله حينها “هل يقدّم باريس كرة قدم حقيقية أم مجرّد استعراض ممتع لا أكثر؟”

هنا وجد إيمري نفسه في موقف لم يألفه ولم يفكر يومًا في اختبار قدرته على التعامل مع مثله، وهو أمرٌ لا يسأل فيه وحده بالتأكيد؛ فهذه ضريبة متوقعة حين يشارك فريق كباريس في دوريٍّ مثل الدوري الفرنسي وهو ما لا يمكن وصفه بالتنافسية مطلقًا، ومِن آفات ذلك أنه لا يُمكّنك من اختبار قدراتك بشكل صحيح ولا تكاد تعرف أقصى إمكانياتك وما يمكنك الوصول إليه لأنّ لا أحد يجبرك على إخراج أقصى مستوياتك، وتستسلم أنت لذلك مع الوقت وتظنّ أنك أفضل من الجميع فقط لأنك لم تواجه من يمكنك قياس قوتك بشكل صحيح أمامه.

قضى باريس أغلب وقت الشوط الأول في استيعاب تلك الأمور الطارئة ولم ينقذه منها إلا كرة نادرة تصل إلى مبابي فيقرر أن يتعامل معها كلاعبي كرة القدم العاديين ويوجّهها نحو كافاني والذي يتركها بدوره إلى فتى الفريق المدلّل والذي رأى لوهلة أنّ بإمكان زملائه ممارسة كرة القدم مثله تمامًا، فهيّأ الكرة لرابيو وتكفّل هو بإيداعها الشباك معاقبًا مودريتش وإيسكو على تكاسلهما في مراقبته، وبدت 1/0 نتيجة مثالية يمكن أن تتضاعف لأكثر من ذلك؛ خصوصًا في حالة مماثله لحالة الريال الضعيفة في ليلة كتلك.

لم يكن عاديًا بالطبع تماسك ريال مدريد عقب الهدف، لكنّ تماسكه وحده لم يكن كافيًا للتعادل لولا تدخّل “سيلسو” الساذج ، لم تكن مباراة سيلسو كارثية بالطبع حتى قرر بكامل إرادته أن يفعل فِعلته تلك والتي ربَّما فعلها للمزايدة على رعونة زميله البرازيلي في الأمام حتى لا يستأثر بغضب الجمهور وحده، أو ربَّما فعلها ليعطي مبررًا إضافيًا لمدرّبه إرفاقًا لمبرراته الأخرى الحاضرة دائمًا، وربَّما لم تكن هذه ولا تلك وكانت انتصارًا للمنطق فحسب باعتبار أنّ الأرجنتيني ليس لاعب ارتكاز من الأصل ولا يصلح أمثاله لدور كهذا مع تواجد لاسانا ديارا يشاهد المباراة على مقاعد البدلاء.

علي أية حال، حصل ريال مدريد على التعادل الذي يتمناه، وعثر كرستيانو معه على فرصة مواتية لإطلاق احتفالاته الصاخبه في وجه الجميع، وأعطى لأنصاره ما يأملوه تمامًا. هدف في دوري الأبطال هي مناسبة عظيمه بالتأكيد لإثبات أنّ الدون لم ينتهِ بعد، ولينتظر كارهوه سيلًا من الاتهامات؛ فهم لم يفهموا كرة القدم قبل هذا ولا يعرفون ما يعرفه غيرهم عن تلك الأداور المجهوله والتي تتيح لصاحبها إضاعة فرص مؤكَّدة في مباراة هامة كتلك دون أن تطوله سهام الانتقادات والتي لو أضاع غيره مثلها لتلقّى السباب على إثرها لأعوام مقبلة، ولكن لا بأس فضربات الجزاء تحتاج إلى مهارات استنثائية لتسجيلها وليس ذنبه بالتأكيد أنه بارع في إحرازها، وإن أنكرت ذلك فهذا لأنك كاره للدون وحاقد عليه ليس أكثر.

انتهي نصف المباراة الأول بهدف لمثله وهي نتيجة لم تكن لتحدث لو أن أحداً كان قد أخبر نيمار قبل اللقاء أنه سيخوض مباراة رسمية في دوري أبطال أوروبا أو حتي ذكره بأنه ما ترك تلك الدولة التي يلعب فيها الآن إلا لأجل مباراة كهذه يتوقف عليها مشروع فريقه بأكمله، لكنه ولسوء الحظ لم يخبره أحد بذلك فقرر هو أن يتعامل بتلقائيه شديده، أن يستدعي عاداته لا أكثر، أخبر نفسه ببساطه عن نواياه، لن نفعل شيئاً عسيراً، سنراوغ كما تعودنا سنراوغ الأول فالذي يليه سنراوغ الجميع أياً كان موقعنا، سنراوغ كل شئ وأي شئ ،وفما يخص ما نفعله بعد ذلك، فهو أننا سنراوغ أيضاً لا شك في ذلك، لا يعلم نيمار أي شئ أبعد من هذا ولا يري في أقرانه أهليةً كامله لمشاركته كرة القدم فهم أقل من ذلك بالتأكيد.

بدأ شوط المباراة الثاني على نحو مغاير لما بدأ عليه الأول، باريس يمتلك زمام اللقاء ويأخذ هو بالمبادرة، وكاد يعاود التقدم لولا يقظة نافاس وخطّ دفاعه على غير العادة، لم يتدخل زيدان في مجريات اللقاء وأغلب الظن أنه لم يكن يدري كيف يُخرج فريقه من الضغط ولا كيف يستعيد المبادرة في مواجهة أمواج باريس المتوالية، وأقصى ما أمكنه فعله هو التراجع في انتظار شيء لم يكن يعلم ماهيته حتى أتاه به أوناي إيمري في الدقيقة الخامسة والستين تقريبًا، عندها يقرر إيمري أن يدخل التاريخ مجددًا ويحدث تغييره الذي سيبقى من خالدات كرة القدم وألغازها المحيرة إلى أن يأذن الله لأحد باكتشاف سرّه. كافاني يغادر ليحلّ الظهير البلجيكي توماس مونيه مكانه والذي سيدفع بدوره بداني ألفيش خطوات للأمام ليكون جبهة ثنائية الأظهرة كان يظن أنها الحلّ الأمثل لإيقاف مارسيلو.

لم يدرك إيمري حقيقة أنّ إيقاف مارسيلو لا يكون مطلقًا بالدفاع أمامه لأنك تدفعه لإخراج أهم ميزاته حين تستدعيه نحوك، وإيقافه إنما يكون بمنعه من الصعود من الأساس، وهو ما يطرح دي ماريا كحلّ مناسب لمهمة كتلك، لكن إيمري لا يفكّر مثلنا كما تتخيل، وعلى جانب الملعب الآخر لم يكن زيدان يأمل في أن يحدث ذلك مهما حدث، ولم يتخيّل للحظة أن يتحرر دفاعه وظهيره الأهم دون تعب منه أو تخطيط، وسواء أَنَوى ذلك أم لم يَنْوِه فهو يُنسَب له بكل تأكيد. بيل بدلاً من بنزيما يتبعه أسينسيو وفاسكيز على حساب ثنائي الوسط إيسكو وكاسيميرو والتحول إلى 442 flat أملًا في استغلال متأخر للمساحات الشاسعة التي يتركها أظهرة باريس في الخلف منذ بداية اللقاء .

14 دقيقه و12 لمسة فقط كانت كافية لأسينسيو لمكافأة مدرّبه وعقاب غريمه، ولم يحرّك الظهير البلجيكي ساكنًا جرّاء محاولات أسينسيو، ولعلّ ذلك لأنه لم يكن قد نزل لأجلها كما أخبره إيمري، والذي تدخل في سرعة -يُحسد عليها حقيقةً- لتدارك الأمر؛ فأشرك دراكسلر على حساب “لو سيلسو” والذي لا يعلم أحد كذلك ما أبقاه حتى الدقيقه 84 داخل الملعب، ولم يشفع دراكسلر لفريقه شيئًا ليعمق مارسيلو جراح الضيوف قبل النهاية بدقائق للتأكيد من جديد على بديهية يعلمها الجميع عدا إيمري “لا تترك مارسيلو يهاجمك ثم تفكر في إيقافه لأنك لن تقدر على هذا، اجعله خائفًا من التقدم والهجوم، هذا أفضل”.

الخريطه الحراريه لأسينسيو: 11 لمسة كانت كافية لكل ما حدث – هوسكورد

على كلٍّ فاز ريال مدريد باللقاء، حتى لو لم يكن هو الطرف الأقوى، ومع أنه لم يقدّم ما يستحق معه تلك النتيجه بالطبع لكنه كان يمتلك الشيء الوحيد الذي لم يمتلكه باريس ولا تقدر أموال الخليفي على شرائه يومًا، امتلكوا عقيدة في داخلهم أنهم ريال مدريد وأنهم يلعبون لأجل الملايين خلف الشاشات، وهو ما لم يمتلك لاعبي باريس في داخلهم دافعًا مثله، ولعلّ أوقع وصف ينطبق عليهم ما قاله أحدهم أنهم “مجموعة من الجنود الذين عُرفوا بالكفاءة سابقًا لكنهم الآن يقاتلون بدون قضية، بدون تاريخ، بدون شرف ودون رغبة في القتال كذلك.”

لم يحجز ريال مدريد بطاقته للعبور حتى الآن، ولا يبدو الفوز بهدفين أمرًا مستحيلًا على باريس، لكنّ وقائع الفريق السابقة وحالته الحالية لا توحي مطلقًا أنّ يإمكان فريق كهذا أن يقاتل في لقاء العودة ويعوّض الخسارة، لكن لربَّما تتغير الأحوال وتتبدل في الأيام القادمة ويعود الفريق ليخطف بطاقة العبور، وإلا فلينتظر الجميع الصيف المقبل لأجل 400 مليونًا أخرى تفعل ما عجزت الأولى عن فعله أول مرة.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.