تأخذك إلى أعماق الفكر

رواية الرأس وسرد لتاريخ دولة أذربيجان المسلمة وشبه المجهولة

عن الكاتب إلتشين أفندييف

يعتبر من أهم الكُتاب في أذربيجان في العصر الحديث لشهرته، ليس فقط ككاتب في الأدب والنقد بل كرجل سياسية، حصل على أرفع أوسمة الدولة مثل وسام “الشهرة” ووسام “الشّرف” ولُقب ب”كاتب الشعب”، كما جُمعت أعماله في عشر مجلدات وترجمت إلى العديد من اللغات، قد يبدو الكاتب إلتشين أفندييف مشهوراً للغاية، ولكن الحقيقة أنّنا نكاد لا نعرف شيئًا عن أذربيجان رغم كونها دولةً مسلمةً، فالبعد الجغرافي وعدم الاحتكاك التاريخي عبر العصور ربما يكون عاملاً، فتاريخنا مختلف وكذلك السياسة على مدار التاريخ، وربما حان الوقت لنتعرف على هذه الدولة المسلمة التي تشاركنا الهوية والأفكار ولكننا متباعدون لأسباب أخرى.

زمان وجغرافيا رواية الرأس

تقع أذربيجان في غرب آسيا في منطقة القوقاز تحديدًا ولها حدود مع إيران وتركيا وروسيا ممثلة في دولة داغستان، من أهم معالمها الجغرافية وقوعها على ساحل بحر قزوين الذي سوف يساهم في تغير تاريخها، أما عن الزمان فهو بداية القرن ال19 الذي سوف يحدث به تغيرات حددت شكل الدولة في عصرنا الحالي رغم التقلبات وعدم ثبات الحكم في هذه الفترة.

أذربيجان

لتوضيح الرؤية أو الشكل التاريخي للعمل، فقد كانت بلاد القوقاز-مازالت- إمارات مستقلة ولكن تحت الحكم الفارسي حيث الإدانة بالولاء ولكن لم يكن حكمًا حقيقيًا، تبدأ حبكة الرواية من حكم  “فتح علي شاه قاجار” والتي لم تستمر طويلًا على أي حال، وربما يتعجب القارئ من اِختيار هذه الفترة بالتحديد لروايةٍ فنتازية تاريخية!.

حتى الآن يبدو مدخل الرواية تاريخيًا رغم أن الحبكة الرئيسية قائمة على حدث فانتازي، يبدأ الوقت بتعرض (باكو) للهجوم من الأسطول الروسي، بينما الكلّ منشغل في تقرير مصير شعب باكو بين القتال أو السلام، فإنهم يجدون في أيديهم رأس الجنرال قائد الحملة وأيضًا -بلا خيار- إلاّ بالرجوع إلى الشاه لتقديم رأس الجنرال كهدية وهدنةً لحمياتهم، والرّواية تسرد هذه الرحلة المتقلّبة  عبر بلاد القوقاز المحيطة بإمارة باكو ومناطق من أوروبا، سردٌ لكل التفاصيل المحيطة بهذه المدن بالإضافة إلى التركيز على الوصف النفسي للشخصيات الرئيسية، ولكن الرواية لا تسرد فقط التاريخ الإسلامي، بل والتاريخ الروسي. ولكن هذه المرة ليس بالسرد للشخصيات المسلمة في هذه المدن بل هي نابعة من ذكريات رأس الجنرال الميت، وداخل رأس الجنرال نفسه توجد عدة خطوط سردية كما أشار المترجم:-

إعلان

الخط الأول: سرد شخصية القائد الروسي العظيم الذي فتح القوقاز وضحَّى بروحه من أجل توسيع الإمبراطورية.

الخط الثاني: الجنرال كإنسان تلقى تعليمًا أوروبيًا مميزًا بالإضافة إلى حياته العاطفية الزاخرة.

الخط الثالث: عن “الرأس” ككيان شفاف مشارك في الأحداث ومؤثر بها!

الصراع الفلسفي

إذا انتهينا من الجزء التاريخي والجغرافي المتعلق بالرحلة، حان الوقت لتصنيف الرّواية الأصلي وهو القصة الفلسفية، لم يكن للرواية بطل واحد حقًا بل عدة أبطالٍ متعددون على مدار العمل، ولكلٍ منهم صراعاتهم الداخلية بأشكال متغيرة، اختصارًا للكثير فمشكلة أغلب الشخصيات هي مشكلة باكو الرئيسية صراع التُراث والتجديد.

باكو هي إمارة مسلمة عكس الإمبراطورية الروسية المحتلة وقتها، وعلى مدار التاريخ كان على القادة الاختيار بين الاحتفاظ بتراثهم واختيار الحرب والخسارة ضد الأسطول الروسي، ما يعني تصفيةً كاملةً للأهالي أو السلام، وتقبُّل شكل الحياة الجديد الذي تفرضه الإمبراطورية، بتقدُم رواية الرأس يدرك الأبطال أنّ لا خيار كامل، لكلًا منهم عواقبه سواء اختاروا التمسّك بمبادئهم أو الإنفتاح على التعليم، وربما نتوقع انحياز الكاتب لواحدٍ من هذه الآراء ولكن واقع أذربيجان اليوم يفرض عدم الانحياز لأنها عانت بما يكفي من الخيارين.

يُقسّم الكاتب في رواية الرأس الشخصيات على مدار الرواية إلى نوعين “الحالمون” و “الواقعيون”:-

الحالمون هم من يبالغون في التوقّعات دون تروٍ لدراسة الأحداث، وهم فئة كبيرة من المسلمين والروس الذين يدافعون عن دولتهم ولكن لا يدرون ضد من تحديدًا، الكاتب أراد إظهار الشخصية الحماسية ذات الشعارات الرنانة أنّها ببساطة لا تملك إلاّ الشِّعارات والإندفاع، وأن الجيوش يتم تجميعها من هذه الفئة المتحمسة لفكرةٍ وليست مستعدة لسماع غيرها.

أمّا الواقعيون فهم المُتردّدون، وغالبًا هم القادة والمتعلمون الذين يفكرون بين الانفتاح والمحافظة على التراث كما هو، وبالتالي هم الأشدُّ معاناةً، لأنهم يدرسون كل الجوانب عكس الحالمين بمستقبل مشرق.

أذربيجان الآن

بقيت أذربيجان بالفعل تحت الحكم الفارسي، ولكن انتهى بها الأمر داخل الإتحاد السوفيتي بالفعل في بداية القرن العشرين، رغم تعرضها لحركة إنفصالية بعدها بعدة سنوات، إلاّ أنّ روسيا كانت تعرف أنّها  لا يمكنها الاستمرار بدون نفط باكو.

الآن أذربيجان دولة مستقلة بالكامل بعد أحداث كثيرة تلت تفكُك الإتحاد السوفيتى، ولكن لا يمكن إنكار أن آثار روسيا لا زالت واضحةً في بنية الدولة، وتتركنا صورة أذربيجان الحالية تحت أسئلة ملحة، هل نجح الشعب فعلًا في التعايش مع روسيا والاستفادة من علومهم بجانب بناء دولة مسلمة متمسكة بتراثها؟.  فقد كانت أذربيجان أول دولة تسعى في مشروع الدولة الإسلامية العلمانية، وأولُ دولة مسلمة سمحت بتصويت الإناث، إذًا لم يكن الانخراط في الكيان الروسي سيئاً لهذه الدرجة في النهاية!

لأن رواية الرأس تغطي كل شيء تقريبًا!

كان من المفترض أن أكتب عن أهمية التنوع في قراءة الأدب، أو ربّما الأدب الذي يخص بعض البلاد التي تتشارك معنا الثقافة أو الرقعة الجغرافية، ولكن يجب على القارئ المرور بــ”رواية الرأس” يومًا لأنها تغطي الكثير ومازالت ممتعة، إذا راجعنا محتويات المقال سريعًا فإن تصنيف العمل هو الرواية الفلسفية وإطارها تاريخي، يسرد التاريخ القديم لمنطقة القوقاز وتاريخ الإمبراطورية الروسية، بجانب الأحداث التاريخية المعاصرة بالإضافة للمحةٍ فنتازية ووجود كيان شفاف مؤثر في الأحداث، وأيضًا شخصيات الأبطال ورحلتهم عبر البلاد!

إنها غنية للغاية، ومع ذلك ليست مملة أو بلا تفاصيل زائدة لكثرة قصصها، وربما لا يتاح لنا كل يومٍ قراءة عمل من الأدب الأذربيجاني بهذه المتعة.

نرشح لك: روايةُ الشيف: الأدب الهندي عندما يحكي مأساةَ كشميرَ.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.