تأخذك إلى أعماق الفكر

أربعة دروس مستفادة من أطول دراسة عن السعادة

نصيحةٌ مستمدَّة من بيانات، يقوم بمشاركتها الباحث والطبيب النفسي "روبرت والدينجر"؛ للتمتّع بحياةٍ سعيدةٍ وصحيّة.

هل سبق وتمنّيت أن تقدم حياتك بسرعةٍ حتى تتمكن من معرفة ما إذا كانت القرارات التي تتخذها مُرضية وصحيّة في المستقبل؟ في عالم البحث العلمي، أقرب ما يمكنك الوصول إليه هو من خلال النظر إلى دراسة Harvard لتنمية كبار السن، وهي الدراسةُ التي تتبّعَت حياة 724 رجلًا لـ78عامًا، والتي بدورها تعدُّ إحدى أطول الدراسات حول حياة كبار السن. وقد أجرى الباحثون استطلاعًا للمجموعة -كل سنتين- حول حالتهم البدنية والنفسية، وحياتهم المهنية، وأصدقائهم وأزواجهم، كما أخضعوهم لإجراء مقابلات شخصيّة دورية، وإجراء فحوصات طبية للدم والدماغ.

وبعد النظر في حياة هؤلاء الرجال، أصبح الباحثون قادرين على تتبُّع ظروفهم واختياراتهم؛ ليروا كيف تتغيّر الآثارُ في حياتِهِم. شارك الطبيبُ النفسيّ روبرت والدينجر -مسؤول هذه الدراسة ومدير الباحثين بعضًا من الدروس المهمة من  فعاليات محاضرة  TED Talk بعنوان (ما الذي يجعل الحياة جيدة؟ دروس من أطول دراسةٍ حول السعادة). يقول:كنا نقوم بنشرِ مقالاتٍ بالنتائج التي توصّلنا إليها لـ 75 سنة، لكننا ننشر في المجلّات أبحاثًا حول النمو في فترةِ الحياة كاملةً، والتي لم يقرأها إلا قليلٌ من الناس. واستثمرت الحكومة ملايين الدولارات في هذا البحث، فلماذا نبقيه سرًّا؟“.

أهمُّ ما ذكر في ذلك الحديث: العلاقاتُ الجيدة تبقينا سعداء وبصحةٍ جيدة، والوحدة تقتلنا. لكن وبالطبع يوجد العديد من الدروس الأخرى التي يجب الاستفادة منها، فقد أسفرت الدراسة عن أكثر من 155 بحثًا منشورًا حتى الآن، وبيانات كافية لنشر المزيد، يشاركُ “والدينجر” أربعةً منها في هذه المقالة:

1- الطفولة السعيدة لها آثار طويلة الأمد

وجود علاقة حميمة مع الوالدين في الطفولة مؤشرٌ جيّدٌ بأنّك ستحصل على علاقة أكثر حميميّةً وأمانًا مع المقربين لك عندما تكون شخصًا بالغًا. العلاقاتُ السعيدة تمتلك القوّة لتمتدّ لعقود، وللتنبؤ بعلاقاتٍ أكثر أمانًا خاضها الناس مع أزواجهم في الثمانينات، بالإضافة إلى صحةٍ بدنيةٍ أفضل في مرحلة البلوغ وحتّى مرحلة الشيخوخة. ليست علاقة الشخص مع الأهل ما يهمُّ فقط، بل وجود علاقة جيدة مع شقيقٍ واحدٍ على الأقل في مرحلة الطفولة إشارة على أن الناس أصبحوا أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب بحلول سن الخمسين.

2- ولكن، يمكن للأشخاص الذين عانوا من طفولة صعبة التعويض عنها في منتصف العمر؟

فالأشخاص الذين نشأوا في بيئةٍ صعبةٍ مع عائلاتٍ فوضويّة، أو الذين مرّوا بحالةِ عدم استقرار اقتصادي مثلًا، قد كبروا وهم أقل سعادة من الذين كانت لديهم طفولة أفضل. عند وصول الناس لفترة منتصف العمر من 50 إلى 65 (أولئك الذين خاضوا مرحلة “الإنتاجية” كما يسميها علماء النفس، أو الاهتمام في إنشاء أو توجيه الجيل القادم) كانوا أكثر سعادةٍ وأفضل انضباطًا من الذين لم يمروا بها. لا تعتمد الإنتاجية على كونك أحد الوالدين؛ حيث يمكن لبعض الناس أن يطوّروا هذه المهارة من خلال تربية الأطفال، أو في العمل من خلال إرشاد من هم أصغر سنًا.

إعلان

3- تعلم كيف تتأقلم مع التوتر

لقد طورنا جميعنا طرقًا لإدارة التوتر وتخفيف القلق؛ فقد قام والدينجر وفريقه باكتشاف أن بعض الطرق يمكن أن يكون لها فوائد على المدى البعيد أكثر من غيرها، ومن بين طرق التحمُّل التي فحصوها هي:

  • التسامي: (على سبيل المثال، تشعر بأن صاحب العمل يعاملك معاملة غير عادلة، لذا تقوم بإنشاء منظمة لحماية حقوق العمال).
  • الإيثار: (أنت تحارب الإدمان وتحاول البقاء ممتنعًا من خلال رعايتك لمدمنين آخرين).
  • الكبت: (أنت قلق بشأن سياسة تقليل الموظفين، ولكن عليك أن تضع هذه المخاوف بعيدًا حتى يكون بإمكانك التخطيط للمستقبل).

وتشمل إستراتيجيات التأقلم عند شخص لا يجيد التكيف مع المجتمع: الإنكار، أو ردّ الفعل، أو الإسقاط. وجد الباحثون في جامعة هارفرد أن الحالات التي تعاملت مع الضغط النفسي من خلال الانخراط بطرقٍ تكيفيةٍ، كانت علاقتهم أفضل مع الناس. وكان لطريقة هؤلاء الأشخاص بالتأقلم سلسلة من الآثار المفيدة، فقد جعلت تعامل الآخرين معهم أسهل، مما جعل الناس يرغبون في مساعدتهم، وذلك ما يؤدي إلى المزيد من الدعم المجتمعي لهم، وهذا بدوره أدى إلى التنبؤ بحياة أكثر صحة في الستينات والسبعينات من عمرهم. حتى الأشخاص الذين استخدموا آليات تكيف في منتصف العمر بقيت عقولهم أكثر حدة لفترة أطول.

4- قضاء الوقت مع الآخرين يعزّز مناعتنا النفسية تجاه صدمات الحياة

وكما قال والدينجر: “إنّها جودة علاقتكم التي تهم”، وهي إحدى الفوائد الأساسية المأخوذة عن الدراسة، كما وجد الباحثون أن الكمية مهمة أيضًا. وبالنظر إلى حياتهم، فأن الناس غالبًا ما أفادوا بأن الوقت الذي قضوه مع الآخرين كان الأكثر أهمية، وأكثر جزء من حياتهم كانوا به الأفخر. قضاء الوقت مع أشخاص آخرين جعل الخاضعين للدراسة أكثر سعادة بشكلٍ يومي. وعلى وجه الخصوص، قضاء الوقت مع الشريك أو الزوج كان يحصّنهم من التقلبات المزاجية التي تأتي مع آلام وأمراض الشيخوخة.

وما زال “والدينجر” يتعجّب من النتائج التي يتوصّل إليها الباحثون، على الرغم من أنه يعرف مدى تحيّز مجموعتهم البحثية، إنها العينة السياسية الأكثر خطأً، التي بإمكانك الحصول عليها، كلهم رجال بيض (في الواقع ضمت المجموعة جون ف. كندي). بوجود عدد قليل من الأشخاص الأساسيين لتكملة الدراسة؛ انتقل فريق هارفرد إلى 1300 طفلًا من أطفال الرجال الذين وافقوا على المشاركة (مجموعة تتكون من 51% إناث)، وهو يدرك بأسى أن اقتراح البيت الأبيض لتخفيض المصاريف من المعاهد الوطنية الصحية قد يؤدي إلى إنهاء دراساتهم طويلة الأمد. كما يقول: “أبحاثنا قد تكون واحدة من أوائل المشاريع التي يتعيّن على العالم القيام بها. فعملنا ليس ملحًا، ليس علاجنا للسرطان أو الزهايمر”. “ولكن لدينا طريقة لفهم الحياة البشرية لا يمكنك الحصول عليها من أي مكان آخر، وهي ترسي الأساس لأمور مهمة قابلة للتنفيذ”.

نرشح لك: لماذا يمضي الوقت سريعًا في أوقات السعادة

المصدر

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: كارينا فراس الفقيه

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

تدقيق علمي: ريهام عطية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.