تأخذك إلى أعماق الفكر

خلاصة كتاب هذا هو الإنسان Ecce Homo، فريدريك نيتشه

يبدو كتاب هذا هو الإنسان أنه نوعٌ من السير الذاتية أو المذكرات التي يريد لها نيتشه أن تخرج للضوء، ولكن الأمر ليس سهلًا حين نعرف أن لوسيفير السقوط الحر هذا بكل شيء يزعم يقينيته، يجيد التلاعب بالكلمات، وبعقل القارئ فكلُّ معنًى غامض ومبهم يتسلل إلى كتاباته وأهدافه.

إنّ القارئ الذي يفهم نيتشه جيدًا هو قارئ مذعورٌ؛ لأنه يعرف جيدًا حقيقة أنه لا يمكنه فهمه. إنه يتوجس عند كل ثانيةٍ يلفظ حرفٍا يتلمسه من كتاباته وربما يعيد الجمل مرات عديدة بغية فهمه على الوجه الكافي، حتى حين يبدو المعنى واضحًا.

كان هذا الكتاب هو الكتاب الأخير الذي كتبه نيتشه قبل ثورة جنونه الكلية ووفاته في سنته الرابعة والأربعين، تلك الثورة من الجنون التي جعلت بعض الأشخاص يلمحونه وهو يقفز على سريره كما زعموا مثل الطفل فاقدًا لكل عقلانية، ربما كما خيّل لهم، أو حين اجتاحته نوبة من الهستيريا الغامضة وهو يبكي لمصير حصانٍ انهال عليه صاحبه بالسوط. أليس هو الشخص الذي يراه الجميع متمنطقًا بأخلاق السادة وإرادة القوة ونبذ الشفقة القاتلة أو كما ظنوا أنهم أدركوه!

هل كان عقلُ نيتشه دومًا ضد نقيض العقل المألوف أم أنه نقيض المسيح فقط كما ادعى، العقل الذي كتب عنه الآخرون وحكموا عليه بالجنون، والكفر، والاأخلاقيات، والفكر النازي مع الميسوجينية سواءً عرفوه أو ادعوا إدراك مقاصده.

إعلان

إن هذا الكتاب بعنوان Ecce homo، النسخة العربية المترجمة من منشورات الجمل، بترجمة الأستاذ علي مصباح مترجم نيتشه إذا صحّ القول. يتألف من عدة فصول تصل إلى 164 صفحة عدا الفهرس، وبهذا إن الكتاب وجهة لمن أراد أن يشهد على بعض من حياة نيتشه وتجاربه على الأقل للأشخاص الكسالى الهاربين من كثرة عدد صفحات بعض الكتب.

أنا لا أفند المُثُل بل أكتفي بوضع القفاز عند تناولها، أتطلع إلى كل ممنوع، تحت هذه العلامة سيكتب النصر لفلسفتي ذات يوم، ذلك أن الحقيقة وحدها هي التي ظلت إلى حد اليوم خاضغةً جوهريًا للحظر.

هذا هو الإنسان -فريدريك نيتشه، الصفحة 09.

العظيم المثني على ذاته

لقد سكب نيتشه الحبر في مولوده المكتوب هذا فيما يخص الإطراء على نفسه بشكلٍ مفرطٍ لدرجة اكتشاف وجود عدة فصولٍ كاملة عن ذلك، حتى شاء القول عند البعض أن هذا الشيء الأخير ما هو إلا دليلٌ على جنونه وشعوره بالعظمة.
لكن هل حقًا فهمناه كما يجب فهمه، فكما معروفٌ أنه لا يمكن التكهُّن تمامًا بدواعي هذه الإطراءات على فلسفته ومدحه للنعم التي لديه من حكمةٍ وذكاء وفهم للآخر، أو المرات التي وصفَ نفسه فيها بالخبير النفساني والمهذب الذي يجيد التعامل مع الأشخاص من دون إلحاق الضرر بأي شخص.
إن من يريد قراءة فلسفته عليه أن يعتاد على الجبل العالي الذي يطل منه نيتشه فقّراء نيتشه هم زرادشتيون يألفون الهواء والنسمات الباردة في الأعالي، يقول نيتشه في كتابه:

سيأتي يوم يغدو فيه من الضروري تكوينُ مؤسساتٍ يعيش الناس داخلها ويعلمون طبقًا لمفهومي العيش والتعليم، وقد تؤسس أيضًا كراسي جامعية لتأويل زرادشت.

وإلى فكرة أخرى فإنه لا يبدو عليه التعصب كما قالها بنفسه مرارًا ولا الانحياز وراء أكوام العواطف المبالغ فيها حد التفتق، ومع ذلك هو يجر نسبه إلى العرق البولندي على حساب العرق الألماني الذي انهال عليه بالسخرية العدوانية التي يتميز بها كما أن هذا الأمر لا يمكننا التيقن أبدا من حقيقته، فربما هي مجردُ ألاعيبٍ صاغها على شاكلةِ العرق والدم ليصل إلى مبتغاه، ربما إصابة الدم الجرماني في مقتل باحتقاره.
إن نيتشه حالة فريدة، يريد قلب كل القيم لكنه لا يريد هدم أي شيء، يريد أن يتخلص العالم من عالم المثل المطبق عليه لكنه كذلك لا يود محوه، يهتم بخلاص البشرية لكن بطريقته هو فقط، فأي طريقةٍ هذه!

إنه يجعل نفسه مثال المعلم والأستاذ البارع الذي يجعل أكسل طلبته هم الأبرع في استخلاص الدروس، كما يقول بقدرته على معرفة الحقيقة لأنه يشتم الكذب، فعبقريته تكمن في أنفه كما قال، ذلك المزيج من الأدوار المهمة للجسد التي يوليها نيتشه الأهمية في عالم المتع والأفكار التي تؤدي لقيام إنسانه الأسمى.

لا آكل بين الوجبات، ولا قهوة: القهوة تعكر المزاج أما الشاي فنافع في الصباح فقط، ومن الأفضل تناوله بكميات قليلةٍ وقوية. إن الشاي يصبح مضرًا ومجلبًا للكدر على طوال اليوم إذا ما كان خفيفًا أكثر من اللزوم، ولكلٍ معياره الخاص، ومقدارٌ يتأرجح غالبًا بين الحدود الأكثر ضيقًا والأكثر دقة، وفي ظروفٍ مناخية مزعجة يكون تناول الشاي على الريق غير مستحسن.

هذا هو الانسان -فريدريك نيتشه، الصفحة 41.

ثلاثية المناخ والمكان والطبخ

تلك الأمور التافهة التي يراها البعض حقيرةً على أن تكون بين طيات كتابِ فيلسوفٍ مثل نيتشه لكن نيتشه يراها الأساس والجوهر لعدةِ مواضعٍ مخفيةٍ عن الأنظار تكون سبيلًا لنوعية عيشٍ جيدة، إنه يقول فيها:

إن هذه الأشياء الصغيرة من غذاء وأمكنة ومناخ واستجمام، أي أن نكمل دقائق الولع بالذات لهي في كل الأحوال أهم من كل ما ظل إلى حد الآن يؤخذ على أنه مهم.

إنه يولي الاهتمام بالنظام الغذائي للشخص لدرجة انجراره في الحديث عن المطبخ الألماني والوجبات مجددًا، إنه يسوء على ألمانيا حتى طبخها في تلاعبٍ ماكرٍ حتى يصل إلى العقل الألماني عن طريق المعدة.

إنه يهتم بحالة الطقس والمناخ التي تخلق إنسانًا بفكر آخر مثلما يتمناه المرء، كما أنه يرغب في الأماكن التي تحز في نفسه الإبداع أكثر بعيدًا عن كل تشويش وتصنع، بل هو نادمٌ على كل الأماكن التي قضى وقته فيها، ولم تكن تستحق ذلك وعلى كل الأوقات التي لم يكن يراعي فيها هذه الأمور ولم يلحظها.

إنه يفصل حتى في مأكله ومشربه وينتقد مفهوم الروحانية والخلود والقداسة؛ لأنها لم تولي هذه الأمور المهمة الاهتمام الكافي بل شاركت في إماتة الجسد، إن الغذاء والمناخ والمكان هو ثالوث نيتشه للارتقاء بروح الفرد، وهن مرتبطات ببعضهن على نحو لا يمكن تفكيكه.

كم من الأشخاص الموهوبين، ذوي مؤهلاتٍ ثرية وتكوينة حرة، قد دمرتهم القراءة فغدوا في الثلاثينيات من عمرهم عبارة عن مجرد أعواد ثقاب لا بد من فركها حتى تحدث شرر، تنطق بالفكرة، أن يقرأ المرء كتابات في الصباح الباكر عند طلوع النهار في لحظة الطراوة والتوهج الصباحي لطاقاته، ذلك ما أسميه فسادًا و رذيلة.

هذا هو الإنسان فريدريك نيتشه -الصفحة 57.

قلب كل القيم في المرض والقراءة

لا تفزعكم جملة قلب القيم فإن القراءة والمرض عند نيتشه تبدو مميزاتهم أو مساوئهم من البديهيات عنده، على عكس الأطباء وعلى عكس الإنسان غير الزرادشتي، فإن المرض عند نيتشه طريقٌ نحو الصفاء و الإبداع، إنه يغنيك عن ألف حياة من الصحة والمجد الفيسيولوجي، يفتح لك أبوابًا جديدة لم تألفها من قبل، حيث يقول في هذا:

هكذا تتراءى لي تلك الفترة الطويلة من المرض، لقد اكتشفت الحياة من جديد بما في ذلك نفسي وغدًا بوسعي أن أتذوق كل الأشياء الطيبة بما في ذلك الأشياء الصغيرة كما لا يستطيع أحدٌ آخر أن يتذوقها بتلك السهولة.

فأهم خاصية عليك الاحتماء بها هي وجوب تقبل الأمر ذلك القدر الذي آمن به، ومعالجة نفسك بنفسك، ومعرفة كيف تكون سليمًا داخلك، ونبذ كل ما من شأنه أن يكون من عللِ المرض في أعماقك حتى تعرف القرار والفعل الصحيح.
هل نيتشه مهووس بالقراءة؟ يبدو الجواب نعم، لكن لا يمكن التأكيد عليه كما لا يمكن نفيه، إن القراءة عند نيتشه لم تكن من ذلك النوع الذي يجب أن يألفه الشخص ويدمن عليه، يُفني أيامه معها أو يتولد لديه ذلك الهوس بكل أمر يتعلق بها فالقراءة الكثيرة هي مجرد تشتيت للعقل وظلمٌ للفكر.

إنها تجعل الشخص يضيع في ماراثونٍ للركض وراء أفكار غيره، والانشغال بها على حساب أفكاره التي يجب أن تشحذ، وأن تكون لها أوقات وأهمية، فينبغي على المرء أن يقرأ لكن من دون الغرق في قراءة غيره بل الغرق في ذاته وما يمكن لرؤيته وآراءه أن تنتج من فلسفة.
إنه لم ينسى حتى الأشخاص الذين استمتع بقراءة أعمالهم، والذي اعترف باستفادته منهم وما قاموا بتوليده في صفحات الكتب، كما ولى اهتمامًا لبعض قراءه كذلك وما كتبوه عنه سواءً القارئ الزرادشتي، أو من الباحثين الذين عرفهم. هذا الفيلسوف الذي لا يوجد أي شيء إلا وتحدث عنه.

أنا تلميذ لديونيسوس، وإني لأفضّل أن أكون مهرجًا على أن أكون قديسًا، فليقرأ الناس هذا النص فلعلي قد وفقت في مهمتي.

هذا هو الإنسان -فريدريك نيتشه، الصفحة 08.

تشتيت الإله

لا يبدو هذا الكلام فوق غريبًا بالنسبة لشخص قد قتل الإله (لقد مات الإله، ونحن قتلناه) فإن نيتشه كان كافرًا بالأديان والآلهة، تلك الأجوبة الفارغة للعالم برؤيته هو. ولقد كانت المسيحية من بين المعتقدات والتراث الديني الذي اهتم به، وكرس له بعضًا من وقته ونقده الاذع مسميًا نفسه بنقيض المصلوب، أو ديونيسيوس ضد المصلوب.

إنه في هذا الكتاب وابتداءً من الصفحات الأولى يثني على زرادشت ويسحب منه صلاحياتٍ تخول له إمكانية كونه أحد مؤسسي الأديان، وقد لا نستطيع معرفة إذا ما كان زرادشت هو مجرد تجسيد لنيتشه. لقد أخذ زرادشت حصةً من الإطراء والاعتراف بالجميل على حساب الأنبياء، ورجال الدين الذين يصفهم بأسوأ الصفات التي تلصق بالملوك، و المستبدين وحثالات البشر!
إن الإلحاد لم يكن يبدو لنيتشه أنه أمر مكتَشف بل هو واحدة من الحالات البديهية التي تولد مع الإنسان أما الأخلاق الدينية خاصة المسيحية فهي دخيلة، ضد الحياة والمتع أو كما يقول:

لقد ابتدعت فكرة الروح والعقل، وأخيرًا الروح الخالدة بهدف تحقير الجسد وإصابته بالمرض بالقداسة.

إن رجل الدين عند نيتشه قد تجاوز حدوده وتوغل في السلطة والسيطرة على حيوات وأجساد الناس، وكل مفهومٍ للخطيئة أو القداسة والرذيلة هي ضد الروح القدس الحقيقية، وإنّ المعتقدات ومفهوم الروح الذي ألفناه من دعاة الدين حسبه هو تمزيق لما يجب على الإنسان أن يكون ويحياه.
كتاب هذا هو الإنسان

هل استطاع الألمان أن ينتجوا كتابًا واحدًا ذا عمق؟ إنهم يفتقرون حتى إلى مجرد فكرة عما يمكن أن يكون عمقًا في كتاب، لقد تعرفت على علماء كثيرين يعتبرون كانط عميقًا، و إنني لأخشى أن يكون في البلاط البروسي اعتقادٌ بأن السيد فون ترايتشكه أيضًا عميق.

هذا هو الإنسان -فريدريك نيتشه، الصفحة 147.

الإنسان

لعلّه موضوعٌ يشابه عنوانَ الكتاب، وليس بالأمر الغريب فقد استطاع نيتشه بكل فصاحة وأريحية أن يتحدث عن الإنسان لكن أي واحد؟ الإنسان الذي خاض تجاربه معه وفلسفته التي فتحت نافذةً جديدةً لقراءة فيلسوف من نموذجٍ آخر لا يكتب من أفكار فقط بل من تجارب.
بين المدح والذم والتوازن بينهما كان مآل الإنسان عند نيتشه بداية حديثه عن نفسه وعن مواهبه إلى والده الذي خصه بالثناء و الإطراء وصولًا لشجرة عائلته، كان الأمر على حساب أخته وأمه التي قوبلتا بشراسة وعدوانية.

صديق وعدو نيتشه فاغنر، ذلك الموسيقي الذي رآه نيتشه بنظارة أخرى غير النظارة الألمانية، كان من بين الأشخاص الأكثر قربًا منه، وكان هو أول من نشر له كتابه مولد التراجيديا. لكن في الأخير فإن فاغنر قد أرغم على ارتداء القبعة الألمانية والركض حتى اللهاث وراء ألمانية نيتشه السائدة التي لم يحتملها. إن علاقة نيتشه مع الألمان بإرادته هو كانت علاقةً مضطربة، يسودها القدح في الذم لدرجة أنه تنكر لجرمانيته وأحب أي شيء آخر غيرها خصوصًا بلاد موليير وفولتير.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: رنا داود

الصورة: مصدر الصورة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.