تأخذك إلى أعماق الفكر

خلاصة كتاب نقيض المسيح “Der Antichrist” فريدريك نيتشه

-ثانيًا: لقد قامت البوذيّة على عدّة فلسفات نتجت منذ قرون وهي لاإكتراثيّة، لا يهمها أمر الإله ولا تبديد الطاقة في الخوض فيه عكس المسيحية وليدة اليهودية التي قلبت كل القيم الصحيحة، حيث شاغلها الشاغل تكريس الإنسان لتقديس وخدمة الإله فقط. مجددًا وفي محاولة لمنح تضاد لرؤية نيتشه فإنّ هناك بعض طوائف البوذيّة لم ترتح إلا حين جعلت من وجود الإله ضروريّ مثل طائفة الماهاينا، ومجددًا لا يهم تصويبي هذا بقدر ما يهم ما أراد نيتشه قوله وهو الهلوسة بالإله حد فقدان الذات وهذا أمر نجده في المسيحيّة بشكلٍ أكثر مبالغة.

-ثالثًا: إنّ البوذيّة لا تحتاج إلى الشّفقة ولا التدّخل في حياة الآخرين ومحاولة تصليح أعطابهم أو الانشغال بمشاكلهم، إنَّها تقول أنَّ تخليص نفسك من الألم لا يكون إلا عن طريقك أنت لا إله ولا روح ولا قدِّيس قادر على مساعدتك، فيها من الأنانيّة الإيجابيّة ما يساعدك عكس المسيحيّة التي تكترث للمحبة والشفقة والاهتمام بهموم الغير، وطلب الخلاص كذلك من القسّ والإله وتكديس مواجع الغير مع مواجعك، غير أنَّ ما خفي على نيتشه وللمرّة الثالثة أو ما تغاضى عنه هو وجود طوائف بوذيّة أخرى ترى ضرورة مساعدة القدّيس البوذيّ والإله نحو سبيل الخلاص من الألم مع سابقتها، وبذلك فمقارنة نيتشه يجتاحها التوتر والنَّقص قليلًا.

-رابعًا: إنّ الخير عند البوذيّة هو قيامك بوضع حياة صحيّة لنفسك وتخليص نفسك من الألم وكلٌّ حسب الطريقة التي يريد، لا إجبار ولا إكراه، على غرار المسيحيّة التي يكمن الخير فيها في عباداتها تلك التي تلزم حتى بالزُّهد والبتوليّة للانشغال بها.

-خامسًا: إنّ مشاعر الحقد على المخالفين والمتشككين أو اليقينيّة المطلقة التي تدل على التعصُّب غير موجودة في البوذيّة لكنّنا نعثر في المسيحيّة على كل هذه الأمور حسبه.

-سادسًا: وأخيرًا فإنّ ديانة وفلسفة بوذا تحتقر النزاعات الداخلية العنيفة، كما أنّها تهتم بالطبقة العليا من الحكماء والأقليّة الجيّدة عكس المسيحيّة التي بها سيادة النزاع والعنف والثورات الهمجيّة وكذلك أخلاق العبيد والمنحطّين الذين يعدّون أسيادًا على الحقّ.

إعلان

لكنّ ما يبدو ظاهرًا بالنسبة إلى نيتشه هو أن يسوع كان يحاول أن يكون بوذا ثاني من دون رغبته في تأسيس لا بوذيّة ولا يهودية جديدة ولا مسيحيّة، غير أنّه أخفق بسبب تشويهه أو تناقضه الذي أفشله، خاصة أن روح اليهوديّة والأرض تلك التي كان فيها لم تشفع إلا في قيام ديانة على اسمه.

لقد كانت المسيحيّة مصاص دماء الذي سلَّط على الإمبراطورية الرومانية، محت بين عشية وضحاها العمل الهائل الذي أنجزه الرومان من تهيئة أرضية لحضارة عظمى.
-فريدريك نيتشه، نقيض المسيح، ص135

المسيحيَّة آلة تدميريَّة

إنّ البعد عن الحقيقة وتزييفها إضافة إلى صُنع أخلاق تقويّ الضعف والانحطاط على حساب القوة و الرفعة ، والعيش حالِمين بعالم ثاني مقلّد لن يأتي مهملين الأصليّ ،إضافة إلى تبعية القساوسة وأخذ كلّ كلامهم على أساس الواجب المقدّس والإلهيّ هو ما يجعل المسيحيّة آلة لتدمير كل ما من شأنه أن يُحَقَّق لإرادة التسامي بنا.
كذلك نبذ العلم والعقل والجسد بغرائزه، فإذا كان نيتشه يعيب على سقراط في مؤلفات أخرى له تفضيله وإعلائه العقل على الجسد فإنّ المسيحيّة لم تُفَضِّل لا العقل ولا الجسد بل الأكاذيب الكهنوتية ونبذ روح البحث والشكّ والمنهج العلميّ والتاريخيّ الذي بإمكانه أن يقيم حضارة من الأنقاض.
إنّ جعل الجميع متساوون يملكون نفس الحقوق هو تحطيم للتراتب الاجتماعيّ الطبقيّ، وإلغاء لمراكز وأدوار البشر المختلفة كما أملتها عليهم الطبيعة وما غنموا منها، إنّ كل أرستقراطية وتَسيُّد من الحكماء المستحقين للحكم قد ضاعت بفعل المسيحية.
كل هذه الأمور كانت من بين الأسباب التي عجّلت بسقوط الإمبراطورية الرومانية، تلك الإمبراطورية التي يراها نيتشه على أنّها أسمى مثال عن الحضارة الحقيقة، قد سقطت بفعل السحر الأسود للمسيحيّة وما تحتويه من تعاليم، فكلّ ما فعله الرومان واليونان وما احتوته الحضارات السابقة والذي كان مجرد بداية وأعمدة أساس سيكون لها مستقبلًا أكثر إشراقًا ونورًا قد ذهب أدراج الرياح بفعلها، وحتى الحضارة الإسلامية كانت تمثّل عنده أقصى مثال للحضارة التي تكرّس القيم الأرستقراطية والغريزية قد حاولت الحملات الصليبية طمسها مجددًا ومقاومتها. المسيحيّة نفسها هي المسؤولة كما فعلت بالرومان، لقد مزج نيتشه بين عمل الكنيسة الوحشيّ وبين تعاليم الإنجيل المناقضة لها وجعلها تاريخ دين واحد رغم خطأ الدخول في هكذا مخاطرة ومزج، كما أنّه جعل من الحضارة الإسلامية مثالًا على كلّ ما جاء في الإسلام حتى بطبقيتها ووضع مقارنة بينها وبين المسيحيّة بشكل مقارنة مجحفة حد منح الإسلام والمسلمين صكّ الصواب في تحقيرهم للمسيحية، كلّ هذا صبّ في محاولة منه لشرح تدهور الحضارة التي كان يفضلها بشكلها ذاك.

لقد جاء عصر جديد بعد هذا عند نيتشه هو عصر النهضة الذي يراه انتفاضة النُبل والحكمة وروح القوّة في وجه المسيحيّة وسيطرتها، غير أنّه عصر قد أخفق بعدها بسبب عودتها وانتعاشها مجددًا على يد لاهوتيّين متفوقين، والأسوأ من ذلك لقد كان الألمان دومًا ذلك العِرق الذي ينتمي إليه نيتشه لكن يحتقره؛ لما لهم من الأدوار في إسقاط الحضارة الحقيقية ما لهم أكثر من غيرهم، فمن لوثر إلى كانت* ولايبنتيز* اللّاهوتيين والفلاسفة والقساوسة والمسيحيّين الألمان قد ساهموا في مثل هذا التحطيم؛ أمّا الطّامة الكُبرى فكانت الثورة الفرنسية التي أكسبت هذه المفاهيم ثباتًا ومشروعيّة رغم غطائها العلماني الذي لم يشفع لها عند نيتشه.
لقد جاءت الحداثة وصنعت رجلًا أوروبيًّا قد تناول بشراهة من الطعام المسيحيّ ما يكفي لجعله يلفظه على شكل مخلَّفات يرفضها نيتشه بشدَّة، بقايا دينيّة مثل الأخلاق الضعيفة والتعاطف والمساواة والجهل. لقد أراد نيتشه أن يلغي المسيحيّة وباقي هذه الحداثة كذلك لكن أيّ وسيلة تمكنه من ذلك باستثناء أن يجعل نفسه بديل المسيح ونقيضه .

خاتمة:

سواء أصاب نيتشه في رؤى أو أخطأ في رؤىً أخرى، وسواء كانت نافذته التي أطلَّ منها تُطلُّ على بحر النزاهة أو بحر التحيّز فكلُّ ذلك يعتمد على تبني فرضياته حسب قابلية بعض الأشخاص ومقدار تسليم عقولهم كليًّا إلى قبضته وفلسفته؛ لكنّ ما يهمني هنا هو شرح أهم ما جاء في هذا الكتاب كما فهمت بالتصويب على مقاصده وإعادة إحيائها بشكل يُسهّل إدراكها؛ ففريدريك نيتشه هذا يستحق أن يُلتفت إليه لمعرفة مآخذه على المسيحيّة على الأقل حتى نفهَم و نُفهِم غيرنا إذا كان ذلك في المقدور، مع محاولة عمل موازنة بين آرائه وبين آراء خصومه كأقل هدف نحو الموضوعيّة والحقيقة، وأنَّه بذلك كتابٌ صادرٌ من روحه الألمانيَّة يستحق أن يُفتح على مصراعيه ليُقرأ سواء من قسّ أو عربيد، كتاب أراد منّا صاحبه أن نقرأه ونحن نتخيله نقيضًا للمسيح جهلةً كنَّا أو حكماء، هواةً أو متخصصين، ما يهم هو أنّ التنفس في الأعالي تحدٍ نستطيع فعله و أيُّ تحدٍ جميل هذا؟

نرشح لك: نقيض المسيح فى المُتخَيّل الإسلاميَّ

شرح المفاهيم والمصطلحات:
- بولس [ 5 - 64 ]: اسمه السابق شاوول، أحد أهم وأعظم الرُّسل والقديسيين في المسيحيّة، كان دوره في التَّبشير بالمسيحية وقيامة المسيح جبار حد انتقاده والزَّعم أنَّه هو وراء تأسيسها وإدخال عقيدة الخلاص والكفّارة بالصلب، يتألف العهد الجديد من عدة رسائل منسوبة إليه.
- مارتن لوثر [ 1483 - 1546 ]: لاهوتي ألماني وأب البروتستانتية، عُرِف بثورته على الكنيسة و بإصلاحاته الدينيّة. 
القدّيس أوغسطين [ 345 - 430 ]: قديس وفيلسوف مسيحي من مدينة هيبون ( عنابة،الجزائر )، من أشهر أعلام الكنيسة الغربية واللاهوت، تأثر بالأفلاطونية وحاول التوفيق بين العقل والدين، يعتبر من مؤسسي الكنيسة والرهبنة في الغرب. 
- ايمانويل كانت [ 1724 - 1804 ]: فيلسوف أخلاقي وباحث ألماني من أشهر كتبه "تأسيس ميتافيزقيا العقل"، "نقد العقل الخالص"، "الدين في حدود مجرد العقل".
- جوتفريد ويلهلم لايبنتيز [ 1646 - 1716 ]: فيلسوف ورياضي ألماني من أشهر مؤلفاته "مقالة في الميتافيزيقيا".

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.