تأخذك إلى أعماق الفكر

خلاصة كتاب نقيض المسيح “Der Antichrist” فريدريك نيتشه

أقول عن حيوان أو نوع أو شخص إنَّه منحطٌّ عندما يكون قد افتقد غرائزه وعندما يختار ويبجِّل ما هو مضرٌ به.
-فريدريك نيتشه

فلنخطو خطواتنا بحذرٍ نحو مسائلة الفكر النيتشويّ المُعقَّد الصَّعب على من يسكنون في الحفر والبرك، والأسهل ولو بالقليل على من يُفضًِل السكن عاليًا في القممِ، من يرى بوضوحٍ ويشعر ويفكِّر بنقاوةٍ لامتناهيةٍ، أكثر من جميع أولئك الّذين يعيشون في الحضيض ويستنشقون هواء الزَّيف النَّتن وأنظارهم إلى التراب والوسخ، أنظارٌ لا ترجو في ذلك عُلُوًّا و أيُّ عُلُوٍّ؟ عُلُوُّ التأويلات والقِيَم الحقيقيّة التي يريدها فقط سكَّان الجبال.
يريد نيتشه إيهامنا بأنَّه هو نقيض المسيح الحقيقيُّ وحده من دون أنْ ينازعه على هذا اللَّقب أحدٌ، ليس مجرد عدوٍّ للمسيح أو من أضدادٍ كُثُر بل بعبارة أخرى كونه ذاك الإله الثاني الحيّ ومحب الحياة ضد ذلك الميِّت والمصلوب حسبه ولا بديل غيره، هو لا يريد أن نعبده ونقدسَّه، هو يريد فقط قلب القيم واسترجاعها بعد أن قلبتها المسيحيّة رأسا على عقب أثناء طلوع شمسها كما يزعم.

فكيف إذًا فَهِم نيتشه المسيحيّة؟ وهل كانت تمثِّل عنده مثالًا واحدًا منذ ميلادها أم طرأ عليها التغيُّر والمصالح والغايات المُلفَّقة؟ وهل كان المسيح نفسه هو مسيح الإنجيل أم أنه هو كذلك قد تشوَّه بمفاهيمَ كهنوتيّة ومراوغاتٍ كتابيّةٍ إنجيليّةٍ كانت جديدةً كليًّا عن ما دعت إليه تعاليمه.
ما رأيُ نقيض المسيح في أخلاق المسيحيّة ومؤسسيها مع بيئتها التي نشأت فيها؟ وهل أوصافه وشتائمه القاسية تلك كانت مُجرَّد مبالغاتٍ أو حقدٍ نتج من فيلسوفٍ مُلحدٍ كما يعتقد البعض؟ أم إحالات وإيحاءات على حقائق أعمق؟ هل كان هذا الكتاب لا يعدو عن مجرَّد فراغٍ تسبح فيه الانفعالات كما رأى بعض المتخصِّصين أم أنَّه يُعّد من أهم الأعمال قيمةً كما قال النصف الآخر؟
ذلك ما سوف نراه حول هذا الكتاب الذي لا يتجاوز 160 صفحة من منشورات الجمل بترجمة علي مصباح في مراجعة وخلاصة تفسيريّة لأهم ما جاء فيه حسب ترتيب منظَّم؛ لإدراكها أكثر.

لقد كان للسخرية الراقية لرومانيّ أنْ كان يجري أمامه استعمال ماسخ وقح لعبارةِ الحقيقة أنْ أثرت كتاب العهد الجديد بالكلمة الوحيدة التي لها قيمة (ما الحقيقة؟).
-فريدريك نيتشه، نقيض المسيح، ص 106 – 107

الحقيقة الدينيَّة

لقد تكررت كلمتا الحقيقة مع النّزاهة مرات عديدة في هذا الكتاب بشكل يلحظه كلُّ قارئ، غير أنَّ نيتشه لم يكن مضطرًا للتحدُّث عن الحقيقة أو محاولة إعطاء تعريفٍ محدَّد لها فهذا ليس بالشّأن المهم في كتابه، كما أنّه استحاليّ أيضًا، فالحقيقة واليقين والمطلق كلُّها مسميات لا طائل من تحديدها، عصيّة على الإدراك الكليّ.
لقد بَيَّن نيتشه في نقيض المسيح كيف يتم جعل الخيال والهلاوس تبدو على صوابٍ بينما هي على عكس ما عليه، تُقدَّم على طبقٍ مسيحيّ بصفتها حقائق وأجوبة، ويجعلها الطُّهاة أطباقًا يتناولها البسطاء بصفتها الحقيقة الوحيدة دون غيرها أو كما تهيّأت لهم، إضافةً إلى كيف يجبرونهم على النّظر فقط إلى مائدة الطّعام المسيحيّة مبتعدين عن أيِّ محاولةٍ لرفضها والالتفات لغيرها، أمَّا مصير الشخص الّذي يفكِّر في الذهاب إلى موائد غيره ويهجر الطاهي المسيحيّ فإنّه قدرٌ لن يسلمَ أبدًا من لعناته وعقباته الّتي تعترضه. إنّ الحقيقة التي تقدِّمها المسيحيّة لمؤمنيها تأتي على شاكلة خماسيّ من المفاهيم غير القابلة للإنكار، كالآتي:

– الإيمان: مُجرَّد اعتقادٍ حسب نقيض المسيح على أنّ هناك شيء يدعى حقيقة -أي أنّه ليس حقيقة في ذاته بل زعم فقط -وأنَّه مع الكذب سِياَّن لا فرق بينهما؛ فمن حجج المؤمن على أنّ الإيمان يؤدي إلى الحقيقة أو أنّه بذاته حقيقة، الحُجَّة الأولى ومفادها جعل الإيمان يؤدي إلى السعادة بالتالي هذا دليل على حقيقته، إنَّ نيتشه يرفض أن يكون الإيمان يؤدي للسعادة؛ لكنَّه يفترض صحة ذلك ليذهب إلى نتيجة نافية وداحضة لهذا الرأي، فما دامت السعادة مشروطة بالإيمان على افتراض صدق قولهم فهل السعادة دليل على الحقيقة؟ لا يمكن ذلك بل حتّى أنّ الحقيقة مشروطة بالتّعب والإرهاق والبؤس فالإنسان الّذي يريد أنْ يصل إليها عليه أن يضحي بالكثير بما في ذلك سعادته ويصارع لأجلها، وبهذا فإنَّ حجَّتهم عكسية فما دام الإيمان يجلب السعادة فهو مجرد كذب.
الحُجَّة الثانية عند البعض هي الدَّم أيّ الاستشهاد بموت الشهداء، الشهداء المسيحيون الّذين ماتوا فداء الإيمان المسيحيّ ليسوا أكثرَ من دليلٍ على صحَّته، وهنا يقول نيتشه أنَّ الأمرَ لا يعدو إلاَّ أن يكون كارثةً وسخف؛ لأنَّ الموت لأجل أمرٍ مُعيَّن لا يقيم الحُجَّة على الحقيقة ولا يثبتها، وإنَّما سَفْكُ الدَّمِ يجعلنا بعيدين عن روح التَّقصي والتدقيق والبحث، قريبين فقط من التشدُّد، إنَّ جميع الّذين اضطهدوا الشهداءَ كان الأجدر بهم لو تجاهلوهم فقط بدل أن يمنحوهم قيمة التعامل معهم وهم بذلك ساهموا في تثبيت حقائق أولئك الشهداء المزيّفة لا غير.

-القناعة: هي مع نفس مستوى الإيمان أيّ الاعتقاد بأنَّ هذا حقيقيّ وذاك لا. بكلِّ أريحية وبديهيات، القناعةُ سلسلةٌ طويلةٌ من تشكلات الإيمان والهلاوس تمرُّ عبر أنبوب الكذب لتصبح في الأخير على شكل موافقة لجميع الأكاذيب الماضية الّتي تشكلت عبر الزمن متحولةً لقناعةٍ، هنا يصبح صاحبها مجرَّد متعصبٍ ضيِّق الأفق ومنحازًا يرى الحقيقة فقط حسب ما اقتضاه عليه إيمانه القنوع.

إعلان

-الأمل: إنّه كذلك يزيِّف الحقيقة ويجرُّ الشّخص إلى عالم غير واقعيّ بعيدًا عنها وعن موضوعيَّة الحياة ومواجهتها كما أنَّه مجرَّد سند للبائسين ومقبلات رخيصة لكلِّ المؤمنين الّذين يصدقون الكهنة.

-المحبة: إنَّها تعمي العين عن الحقيقة فلا عجب في مقولة أنَّ الحبَّ أعمى، وتجعل الإنسان مكتفيًا بما يُقدَّم له من أطباق دينيَّة تُطبخ بتوابل ومكونات محددة ثابتة باقية غير متغيّرة للأبد، مخدِّرًا بهذه المحبة التي تجعله يقبله بأيّ حقيقةٍ موهمةٍ ويشيح بنظره لا إراديًّا عن ما يجدر أن يكون منطقي.

-الوحي: فالوحي قد جاء لأنَّ العقل قاصرٌ على إدراك الحقيقة الكليِّة حسب هؤلاء الطهاة وبهذا فإنّنا حتى مع استعماله لا يمكننا الوصول إليها، الحقيقة عند الله فقط وعندهم -أي المخولين باستلامها منه-. إنَّ حقيقتهم حسب نيتشه مجرد كذب على الإنسان والعقل والحياة.

إنّ نشر الأباطيل حول الحقيقة كشبكة عنكبوت لا يسلم منها أحد تجعل من الجميع مخدرًا ومشلولًا ليس عن الحركة بل عن استعمال الحسّ والعقل الصَّحيح ومن هذا الذي يمكنه معرفة هذه الأوهام غير نقيضِ طهاةِ الوهمِ، فيلسوفنا اللَّامسيحيّ وجميع من يفكر مثله.

ما هي الأخلاق المسيحيَّة، الصُّدفة مجرَّدة من براءتها، الشؤم ملطخٌ بفكرة الخطيئة، الغِبطة كخطر وغواية، التوعك الفيزيولوجي مسممًا بدودة الضمير.
-فريدريك نيتشه، نقيض المسيح، ص 61

الأخلاق المسيحيَّة

إنّ تقييد الأخلاق العامة في تفسير محدَّد ليس بالأمر المهم فشرحها هو كالحقيقة عصيٌّ على المدركات واليقينيات، هذا إذا كان هناك حقًّا شيء يدعى أخلاق؛ فالأخلاق بحسب هذا الكتاب كما يدَّعي طهاتها هي تشريع إلهيٌّ يجدر بالإنسان أنْ يطبقه، فالأخلاق المسيحيَّة قائمة على عدّة جواهر فارغة مشتَّتة وملفَّقة أولها الشَّفقة الّتي تقوم أعمدتها عليها.

-الشَّفقة: إنَّها من دون جدوى هي عدميَّة نافية لا تحقِّق للمرء أيّ شيء سوى كبح جماح المشاعر التي تفيض بالحياة مثل الشجاعة والغضب، إنَّها تجعل الإنسان مُتعب وميّت سريريًا مثل جُثَّة، إنَّها تمتصُّ طاقته مثل حشرة، وبدل أن يوجِّه الإنسان طاقاته ومشاعره وألمه نحو تحقيق صحته ولذَّته يوجهها إلى أشخاص ضعفاء وفشلة قضت الطّبيعة والتطوّر على التخلّص منهم؛ لكنَّ هذا المُشفِق لا يريد شيئًا سوى التعاطف معهم وإبقاءهم في مسار الحياة وبهذا فهو كذلك لا يغدو إلَّا مثلهم مريضًا بعدوى الشفقة.

-المحبَّة: لقد قلنا سابقًا أنّ المحبَّة تحجب العين عن الحقيقة لكنَّها كذلك ضعف، هي نفسها التي جعلت يسوع المسيح يكفُّ عن مقاومة المسيئين إليه، إنّ المحبَّة تُعَبِّر عن كبح جماح الغرائز والمشاعر الحياتيّة التي تَحَدَّثنا عنها قبلًا والّتي كبحتها كذلك الشفقة، إنَّها سبيل للتساوي بين الناس وإعطاء حقوق للجميع، وهذا خطأ فكل شخصٍ ومركزه، إنَّها تقتل التراتب الطبقيّ اجتماعيًّا وطبيعيًّا وتجعل المنحطّين في مصافِ العلماء والأسياد، إنَّها كذلك وسيلة لقتلك فهي تجعلك تسامح وتتسامح بل وتعطي خدّك لمن يسيء إليك، تجعلك شبه ميت لا يُقاوم الشر ويبتسم للّذين يؤذونه فقط، إنَّ المسيحيّة قائمة على أخلاق المحبّة والرحمة التي تُكَرَّس نحو الناس بما فيهم العبيد السفلة، محبّة القساوسة، محبة المسيح، محبّة الملكوت باستثناء محبّة نفسك وغرائزك والحياة والنبلاء، كلُّ شيءٍ إلّا هذا، إنَّها محبة نافيّة وعدمية.

-الحقد: أمر يميِّز الأخلاق المسيحيّة حسبه، فالحقد والانتقام قد نشأ منذ موت المسيح على الصليب بداية من تلاميذه إلى الرسول بولس*، إنَّه هو ما يعطي المسيحيّة شراهةً وقوةً في التهام الإنسان، إنَّه حقد على كل ما هو قويٌّ وصحيٌّ وممتعٌ وحقيقيٌّ مع غريزيّ، الحقد على السَّادة والحقد على المتع الجسديَّة والحقدُ على نظام الطبيعة والحقد على سلامة العقل والجسد؛ فالمسيحيَّة تُكرِّس مفهوم المرض لتجعل الإنسان محتاجًا لها بتعاليمها ورجالها، إنَّ الحقد هو ما حدَّد تاريخ المسيحية برمَّته حسب نقيض المسيح وهو ما يحدِّد أخلاقها كذلك.

-التشاؤم: كل المصطلحات التي خُلقت من الخطيئة وضرورة التّوبة وشيطانية المادة ودناسة الأرض مقابل حياة العفَّة والإيمان والسماء والزُّهد، كلُّها مفاهيم كُرِسَّت لجعل المسيحيّ مجرَّد بائسٍ كارهٍ لحياته ولجسده ولغرائزه المُعطاة له من الطبيعة التي وجب عليه أن يستمتع بها إلا أنّ الأخلاق المسيحيّة أبت عليه إلا رفضها والتّذمر من هذه النِعم، فصار المسكين السِكِّير بهذه الأخلاق ينبذ الواقع والأرض ويطمح للسماء وعالم الزيف غير الموجود ذاك، يشعر بالذنب كلَّ حياته وبوخز الضمير الذي خلقته له المسيحيّة من أيّ أمرٍ صحيح باعثٍ للنشاط والقوة جاعلة منه خطأ.

-الخير: إنَّ الخير حسب الأخلاق المسيحيّة مشروط بإيمان معتقداتها التي طهاها القساوسة وطبخوها على نارٍ هادئة، إنَّ الخير هو كل ما يناقض الصِّحة والمُتعة وإرادة الحياة وتقدير الذات واحترامها وهي كلّ ما يقابل المرض والجمود وانتظار الآخرة وتقدِّيس الشخصيّات وتحقير النَّفس، إنّ الإنسان يجب أن يَخلِقَ فضيلته وخيره بنفسه من دون كل هذا الوهم والواجب غير الواجب أصلًا؛ لكنَّ المسيحيّة بالمرصاد دائمًا لتطلعاتٍ مثل هذه.

-تعظيم الجهلة والمنحطِّين: لقد أورد نيتشه عن ذلك اقتباسًا من آية أحد رسائل الرسول بولس اختصارها أنَّ الله قد أظهر ذاته كآخر شيءٍ للجهل وليس الحكمة فكلُّ حكمة العالم السابقة لم تستطع معرفته على وجه الحقيقة وبذلك فإنَّ الخطَّة قد صارت في أيدي الجُهَّال.
إنَّ مثل هذا الأمر يثير القرف عند نيتشه، إنَّه استبدادٌ واضحٌ وتعالٍ على الحكمة والعِلْم من قِبَل أُناسٍ جهلةٍ قرَّرت الطبيعة إلغاءهم فلم يفعلوا شيئًا غير ردَّةِ الفعل النافيّة الّتي جعلتهم يلغون الحكماء والعلماء ويَتسيَّدون عليهم. أخلاق العبيد والبسطاء تقلب كلَّ التراتب والأدوار الاجتماعيّة ليصير السيِّد عبدًا والعبد سيِّدا عليه؛ إنّها الفوضى بحقٍّ ولا شكَّ أنَّها فوضى عظيمة جعلت من نقيض المسيح ينهض متصديًّا لها لقلب أدوارها من جديد وهو يرجو أن يعيد لها عصورها الذهبيّة المفقودة.

رذيلة هو كلُّ نوع من مناقضة الطبيعة، والنوع البشريِّ الأكثر رذيلة هو القسُّ، إنَّه يعلم ما يناقض الطَّبيعة، ليس هناك من حجة لمواجهة القسّ، هناك السجن.
-فريدريك نيتشه، نقيض المسيح، ص 150

سُلطة القساوسة

أمور صارت قناعات وحقائق مثل: الإرادة الإلهيّة، النِّظام الأخلاقيّ الإلهيّ، الخلاص، القيامة، الغفران والعناية الإلهيّة والخلود، كلُّها مجرَّد اختراعاتٍ ابتدعها الكهنة ابتداءً من تلاميذ المسيح إلى الرسول بولس ثم ما بعده، ليس عن جهل ولا عن مبعث براءة بل عن كذب مُتَعَمَّد ليتمَّ تكريس سلطتهم الكاملة التي تُحقِّق الإرادة العدميّة الّتي تؤكد على حياة ثانية موعودة لن تتحقق على الإطلاق وتسحب المعنى من حياتنا، بل إنَّهم حتى لا يكذبون؛ لأنَّ الكذب يشترط معرفة الحقيقة وهؤلاء بعيدون كلَّ البُعد عن الحقّ والصواب.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.