تأخذك إلى أعماق الفكر

خطر الانغلاق على الذات في العلاقات: كيف تضيرنا الأسوار التي نُقيمها- هولي باركر

تنويه: يُرجى الأخذ في الاعتبار أن مُحتوى هذا المقال ينطبق فقط على العلاقات الصحية التي لا تحوي أي انتهاكات اجتماعية، نفسية، أو مادية.

إذا ما سبق لك ووقعت في حب أحدهم، فإنه يمكنني أن أحزر أنك غالبًا ما واجهت مأزقًا إنسانيًا رئيسيًا فيما يتعلق بدرجة الألفة بينكما؛ أن تفصح عن ذاتك كليًا، أو أن تحاوط نفسك بأسوارٍ لتحميها.

حين نقرر أن نسلك طريق الإفصاح عن ذواتنا لأحدهم، فإننا نجعل من أنفسنا عُزّلًا بلا سلاح، وقابلين للجرح بلا جهد. إننا ببساطةٍ وإذ نفعل ذلك مع أحدهم، نتوقف عن الإعجاب أو الاهتمام به فقط لنهيم بعمقٍ في حبه، ويصوغ خيالنا صورًا لنا معه في المستقبل، بينما نفصح له بأحاسيسنا الداخلية، ودوافعنا، وتجاربنا الحياتية، بينما نفعل ذلك، نرشده السبيل أكثر ليرى كم نحن ملتوون ومعقدون، ولكن من طرازٍ خاص؛ نُشارك معه أفراحَنا وأتراحنا والإحباطات التي نقاسيها، نسأله ما نرغب فيه، ونصرّح بصوتٍ عالٍ عمّا نُفضل، ونعبّر له بصراحةٍ عمّا نرغب عنه؛ نثق في كون شريك حياتنا مُخلصًا (إذا ما كانت علاقةً من شريكين فقط) وصادقًا، وحنونًا، وموليًا وجهه شطر سعادتنا.

الإفصاح عن الذات يفتح الباب للحُب العميق، والتواصل، والاستيفاء العاطفي. ومع ذلك، وبرغم سمو التقارب العاطفي وأربطة الود، فإن الطريق لم يكُ يومًا مبسوطًا كالسهل، فحينما تقف عواطفك عزلاء عارية، يُثبت ذلك جذور الود، ولكنه أيضًا يهب شريكك القوة ليجرحك بوحشية. كلما أحببت أحدهم بشدةٍ أكبر، كلما اشتد عليك بطش مخاوف خسارته.

الانغلاق على الذات عند مواجهة الأهوال

دائمًا ما تكون أشياءٌ كالخيانة، والهجران، والرفض أشد وطأةً إذ تصدر عن هؤلاء الذين نحبهم بصدق، بينما تخف وطأتها إذ يأتيها أناسٌ ليسوا بالأقربين. كلما كانت عواطفك عزلاءَ، زادت احتمالية أن تُؤذَى. إذ تقضي وقتًا أكثر مع شريكك، وبينما تشاركه أشياء أكثر عن نفسك، وعمّا تشعر به، وعمّا ترغبه، فإنك تزيد من اتساع الكوّة المطلة على- إذا أمكننا القول- جانبه الملتوي. قد يتعثر أحيانًا ليصير أقل تفهمًا، واحترامًا، ورصانةً، وتقديرًا، ومودةً، واكتراثًا أو صبرًا.

إعلان

في مواجهة كل تلك الأهوال، يكون مفهومًا لماذا الكتمان على درجة كبيرةٍ من الإغراء، وكيف أن الناس يميلون إلى إحاطة أنفسهم بالأسوار لئلا يُجرحوا بعمق. ولكن ذلك الذي لا يجازف بأن يتحطم، لا يبلغ أبدًا قمم الحب الصادق.

في النهاية، فإن الاختيار بين هذين الطريقين- كتمان الذات أو الإفصاح عنها- ما هو إلا حبل مشدود يتم تعديله برقةٍ بناءً على ما يعتقده الإنسان بشأن علاقاته، ليرى ما إذا كان الأوفق أن يحمي نقاط ضعفه، أو أن يتركها مكشوفة. فإذا أحس الإنسان في حضور محبوبه التفهم، والجدارة، والحب، وأن المحبوب لن يتوانى في الدعم والمساندة، فإن الإنسان يميل إلى الظفر بفرصٍ صحيةٍ لتواصل عاطفي أعمق. أما إذا أحس الإنسان أن شريكه على شفا أن يخذله، فإنه يلجأ إلى التصفح بدروعٍ عاطفيةٍ، وهذه الدروع العاطفية قد تأخذ أشكالًا عدة:

1-أن يُبقي الإنسان أعينًا مُتربصةً لأي بادرةٍ قد تخبرُ بأن شريكه لا يُلقي بالًا للعلاقة أو للإنسان نفسه.

تخيّل معي أنك تسير في المساءِ وحيدًا، ومن ثمّ تتناهى إلى سمعك ضجةٌ غامضةٌ آتيةٌ من ورائك، على الأغلب أنك ستلتفتُ إلى الوراء، وستظل يقظًا لأي خطرٍ مُحتمل، حتى ولو لبرهةٍ قصيرة. إن هذا السيناريو مساوٍ تمامًا للعلاقة في هذه الحالة؛ إذا خاف الإنسان أن محبوبه قد يهجره، أو يملّه، أو يضيعه، فإن الإنسان لَيفتش عن دليلٍ ليؤكد لنفسه أن خوفه حقيقي، ومثل ضجةٍ غامضةٍ في الظلام، يحاول الإنسان أن يرصد الخطر في المكان الذي يخشاه، حتى يتسنى له أن يحمي نفسه.

2-يُكبّل الإنسان عواطفه، ويشرع في تشييد الأسوار بينه وبين شريكه.

أغمض عينيك، وابدأ في استحضار صورةٍ لإنسان يبتعد تدريجيًّا عن إنسان آخر. فكما أن المسافات الحقيقية قد توفّر لنا الشعور بالأمان بشكلِ ملحوظ، كذلك هو الحال مع المسافات العاطفية، والتي يخلقها الناس بطرقٍ عدة. قد يبدأ الانسان في كتمان مشاعره، أو تكريس جهدٍ أقلٍّ لإسعاد شريكه، أو يهمله، أو يعزف عن اللجوء إليه في طلب الطمأنينة والتشجيع، ويعتمد على آخرين في مثل هذه الأمور.

3-يُفتش الإنسان عن نواقص وعيوب شريكه، أو يعامله بجفاء ووقاحة.

إن إنسانًا يتصفح بهذه الدرع العاطفية، لا يفعل ذلك إلا لينزل شريكه قدرًا أقل من قدره. ربما يقوم الإنسان بتسليط الضوء على أخطاء شريكه ونواقصه. ولكن، ماذا عن كل التوافق العذب واللطيف الذي بينهما، مثل الرغبة في النوع نفسه من المقرمشات كل يوم، ودندنة الأغاني القديمة نفسها أثناء الاستحمام، أو النزوع إلى نسيان التفاصيل والمواعيد؟ كل هذا لا يصير إلا مصدرًا للإزعاج والضجر. ربما يُتيح الإنسان للسانه السبيل أن ينفث سمومه ليحط من منزلة شريكه أو يقرّعه. ولكن ماذا يكون الهدف وراء درعٍ عاطفيةٍ كهذه؟

لنقل أنك تمتلك دراجتين هوائيتين، ودهمك جنيٌّ شرير (أقسم أن ذلك سيفضي بنا إلى مكانٍ ما)، وأَخبرك أنه يجب عليك أن تتنازل عن إحدى الدراجتين؛ إحدى الدراجتين مُكسرةٌ وبالية، بينما الدراجة الأخرى في تمام أُلقها، عن أيّ الدراجتين ستتنازل؟ أحزر أنك ستتخلص من الدراجة البالية، أليس كذلك؟ كذلك هو الحال في مملكة الحب؛ إذا ساور الإنسان قلقٌ أن محبوبه على أعتاب هجرانه، فإنه من الأخف وجعًا أن يقول الإنسان وداعًا لمسخٍ عليل، على أن يقولها لملاكٍ من عالمٍ آخر.

ولكن ماذا إذا زادت هذه المخاوف والهواجس عن الحد، وبدأت في التأثير فعليًّا على ما يحدث في العلاقة؟ بناءً على ملابسات الموقف وأبعاده، فإنه يكون من الحكمة جدًّا أن تتصرف بهدوء، وتفكّر مرارًا قبل أن تترك قلب أحدهم مُعرضًا للخذلان. ولكن افترض أن ذلك الإنسان يُصدّق، بقلبٍ ممتلئٍ بالخوف، أن محبوبه على أعتاب هجره، أو أنه لم يعد يهتم لأمره، وكان تصديقه ذلك باطلًا؟

هنا قد تبدأ الدروع العاطفية في الكشف عن أنيابها، لأنها، وبتأثيرٍ عكسيّ، تتفاقم مُتسببةً فيما يخشاه المرء الذي يتصفح بها: ودًا وأمانًا أقل.

على سبيل المثال، لنقل أننا نُفتش عن بوادر لنثبت أن شريكنا لم يعد يهتم لأمرنا، ولإنه من طبع الإنسان أن يرى فقط ما يبحث عنه، قد تنسلخ الخطوات الصادقة في الاتجاه الخاطئ إلى بوادر وهمية لإثبات أن الطرف الآخر لم يعد يهتم. نسيَتْ أن تراسلك لتخبرك أنها ستعمل لوقتٍ متأخر، لم يشعر برغبةٍ في الحديث أو المداعبة إذ عاد إلى البيت، قد تُحول خيالاتنا أشياءً كهذه إلى أدلةٍ على ما نخشاه.

أو تخيّل أننا لجأنا إلى كتم مشاعرنا وخلق المسافات، أو إلى تقريع شريكنا بتعليقاتٍ لاذعة، حتى يتسنى لنا الإحساس بأننا أقل قابلية للهزيمة في مواجهة القلق والشك. بهذا الشكل، فإننا لا زلنا نصفق الأبواب في وجه الود، الأمر أشبه بمحاولة الوصول إلى شيءٍ من خلال الركض بعيدًا عنه. لا تسير الأمور هكذا؛ إننا إذ نُشيد الأسوار بيننا وبين شريكنا، نزيد وبغير قصد احتمالية أن يجد الشك والقلق موضعًا لهم في العلاقة، تاركين الطرف الآخر في المأزق نفسِه، فيما إذا كان ينبغي عليه أن يقترب تجاهنا أو أن يشيّد حصونه.

وإذا ما قرر الطرف الآخر تحصين نفسه، فلن يُفضي الأمر سوى إلى خلق المزيد من المسافات العاطفية. للأسف، فإن الكثير من الناس يجدون أنفسهم في هذا الموقف ومن ثمّ يتوقون إلى العودة مجددًا إلى ما كانوا عليه.

إذًا، ما الذي بوسعنا أن نفعله؟ كيف يُمكننا أن نقاوم النزعة- المفهومة بالطبع- إلى أن تتصفح بدروعك العاطفية حينما يدهمك القلق والشك؟ بعبارةٍ أخرى، كيف تمنع ميلك إلى الكتمان وحماية نفسك من أن يدمرك؟

فيما يأتي بعض الأفكار:

1-اسعَ إلى تقدير نفسك

أولئك الذين لا ينظرون بعين الحب إلى أنفسهم، يضمرون إيمانًا أقل في إخلاص محبوبيهم من أولئك الذين يكنون لأنفسهم الاحترام. هم، أيضًا، يميلون إلى الحط من منزلة شركائهم حتى يتسنى لهم الشعور بأنهم أكثر أمانًا.

2-اجعل لحضورك في حياة شريكك تأثيرًا إيجابيًا، وودودًا، ومساندًا

ذلك سيزيل الغمام من أعين شريكك ليتسنى له أن يرى نورًا مُحببًا يُرشده إلى أن يدنو منك أكثر. سيعزز ذلك أيضًا من ثقته أن يجد فيك ملجأً ومؤازرة، وليس نقدًا وتقريعًا. علاوةً على ذلك، سيكون بوسع شريكك استيعاب لحظات الألم والهشاشة في العلاقة بطريقةٍ إيجابيةٍ تخطو بها إلى الأمام، عوضًا عن أن يميل إلى الانسحاب أو تشييد الحصون.

3-استثمر ذكرياتك السعيدة

تذكّر تلك الأوقات العصيبة التي ساندك فيها شريكك؛ فحينما يسترجع البشر ذكرياتٍ محببةً نسجوها مع شركائهم وكيف استطاعوا تلبية رغباتهم وتفهمها، يُتيح لهم ذلك أن يشعروا بسعادةٍ أكثر فيما بعد.

4-تولَّ أنت القيادة

ربما كانت إمكانية حصولك على كعكةٍ مُحلاةٍ أخرى تستدرجك كفاتنةٍ معسولة، ربما كان برنامجك التلفزيوني المحبوب الذي يصدح بصوته بينما تحاول أنت العمل بجد، أو ربما يكون ذلك الصوت في رأسك الذي يقول “تعلم أنك متعب! فقط اذهب وألقِ بنفسك على السرير!”، بينما تتوق أنت إلى الظفر بمبلغ العشرة آلاف دولار. جميعنا لدينا إغراءات بوسعها أن تُحيدنا عن الطريق، ولكن إذا ما استطعنا مقاومتها، فإنه بوسعنا أن نحقق أكثر مما نعتقد.

عندما يراك شريكك قادرًا على كبح نزواتك اللحظية وأهوائك والسيطرة على تصرفاتك، فإنه يميل بشكلٍ أقل إلى التواري خلف دروعٍ عاطفيةٍ إذا صدرت منك زلةٌ مؤذية أو رعناء. لذلك، فإنه لتعزيز الرباط العاطفي بينكما، إذا أنت اعتذرت، وظللت صريحًا ولكن مؤدبًا وقت النزاع، وتبعت بإخلاصٍ تطلعاتك عوضًا عن أن تترك السبيل للإغراءات، إذ تقوم بذلك، فإنك تعزز ثقة شريكك أن بإمكانه أخذ خطوةٍ صحيةٍ والبقاء على الدرجة ذاتها من القرب، حتى في الأوقات الذي يبدو فيها القُرب خطرًا.

5-قُم بخطواتٍ عملية

تخلَّ عن فكرة أن التصرف برعونةٍ سيصد عنك الأخطار أو سيفضي بك حيث تريد. إذا حدث ووجدت نفسك تستجيب إلى مخاوفك أو إلى كبوات شريكك الهوجاء بطرقٍ فظةٍ، وجلفةٍ، أو رعناء، فاعلم أنك لست وحدك في هذه المشكلة. فما هذه إلا محاولاتٌ دارجةٌ ومفهومةٌ للتغلب على القلق، عن طريق إما:

أ) خلق مسافاتٍ بينك وبين شريكك حتى لا تشعر أن نقاط ضعفك مكشوفة

ب) الإثبات لشريكك أن بوسعك الإيذاء بعنفٍ حتى تدفعه ليأخذ صفك.

للأسف، كل هذه المحاولات تنطلق كرصاصةٍ باتجاه صاحبها، حيث إنها تحيل بينك وبين ما يسعى إليه فعليًا كل البشر: علاقةٍ عطوفةٍ، وآمنة، ومتناغمة، وممتعة بينك وبين الذي تحبه.

نرشح لك: مدينة الوحدة: مغامرات في فن الوحدة

إعلان

مصدر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.