تأخذك إلى أعماق الفكر

حوار مع دكتور أشرف منصور

أُجريَ الحوار مع أشرف حسن منصور: أستاذ الفلسفة بجامعة الإسكندرية، يكتب في العديد من فروع العلوم الإنسانية مثل الفلسفة والنظرية السياسية والإسلام السياسي وعلم الاجتماع الديني والاقتصاد السياسي، ومن مؤلفاته: “الليبرالية الجديدة” (2008)، و”نظرية المعرفة بين كانط وهوسرل” (2009)، و”الرمز والوعي الجمعي” (2010)، و” سبينوزا ونقد العقل الخالص” (2013)، و”العقل والوحي– منهج التأويل بين ابن رشد وموسى ابن ميمون وسبينوزا” (2014).

المُحاوِر/ إسلام سعد.

في البداية أرحب بحضرتك دكتور أشرف واسمح لي أن يكون الحوار مُقَسَّمًا على عدة محاور مختلفة:

· العلاقة بين الدين والفلسفة.
· فلسفة الدين.
· الفلسفة الإسلامية.
· الفكر والتكفير.

أولًا: العلاقة بين الدين والفلسفة

· هناك محاولات كثيرة جدًا للدفاع الشديد عن الدين، ليس من خلال الوعظ، ولا من خلال خطابات التبشير والخطابات الدعوية، وإنما من خلال الفلسفة.

إعلان

فهل هناك إلزام على الفلسفة أن تدافع عن الدين؟

ليس من المهام الأساسية للفلسفة الدفاع عن الدين، وهذا لسبب رئيسي؛ وهو أن الفلسفة تفكير حر، ومتحرر من أي افتراضات مسبقة ومن أي مُسلّمات، وهي رؤية للوجود وللإنسان وغير ملتزمة بأي قواعد سابقة، وبالتالي تشتغل الفلسفة في منطقة مختلفة عن الدين.

وإنما وَجدت الفلسفة نفسها تاريخيًا مُلزَمة بأن تدافع عن الدين في وقت تواجُد أديان عالمية مسيطرة، والمقصود هنا المسيحية والإسلام، وخصوصًا في ظل حضارة تشكَّلَت دينيًا، وجد الفيلسوف في هذه الحضارة أنه ملزم بالدفاع عن الدين نفسه أو الدفاع عن الفلسفة في مواجهة الدين.

إن قضية التوفيق بين الفلسفة والدين نشأت مع سيطرة دين عالمي، في حين أن تلك القضية لم تكن مطروحة في بلاد اليونان، ولم تكن مطروحة في عهد الحداثة الأوروبية؛ بسبب أن ضغط الدين لم يكن موجودًا في الحالتين.

كما نجد أن هناك فرقًا كبيرًا بيننا وبين الغرب؛ ففي العالم الإسلامي ما زلنا مضطّرين للدفاع عن الفلسفة لإثبات أن الفلسفة “باعتبارها منهجًا” ليست ضد الدين، كما أصبحنا مضطّرين أن ندافع عن الدين من وجهة نظر فلسفية، وتلك القضية هي ما تشغلنا الآن.

· الخطابات الإسلامية الحالية يخرج منها خطابات تستخدم مصطلحات الفلسفة وتوظيفها في الدفاع عن رأس مالها الديني الاعتقادي، بمعنى أن الدفاع عن العقيدة الإسلامية السنّية مثلًا يتم أحيانًا من خلال مفاهيم الفلسفة الوجودية والرؤية الوجودية للحياة.

في رأيك، لماذا يتم اللجوء إلى تلك النقلة الفكرية؟

الخطابات الدينية الإسلامية الصريحة أثبتت عجزها عن التعامل مع القضايا الفكرية الحياتية المعاصرة، فالمدافعون عن وجهة النظر الدينية وجدوا أنهم في مواجهة الحداثة الفكرية وفي مواجهة جمهور المثقفين -ممن تلقّوا تعليمًا جامعيًا راقيًا واتصلوا بالغرب فكريًا وحياتيًا وعاشوا في الغرب فترة طويلة- عن طريق الفلسفة بعد أن ثبتَ عدم جدوى استخدام خطاب ديني تقليدي.

هناك نماذج في التراث الإسلامي استخدمت الخطاب الفلسفي للدفاع عن وجهة نظر دينية بسبب دواعٍ من لحظة تاريخية، مثل “الغزالي“، ومن المعاصرين “طه عبد الرحمن”، هؤلاء استخدموا المفاهيم والمصطلحات الفلسفية والمنطق الفلسفي لإثبات وجهة نظر تعبّر عن رؤية دينية.

 توضيح من المُحاوِر: تلك الخطابات تكرّس القديم بحجج جديدة، أي أنهم يسعون لخلق حجج جديدة لتثبيت القديم.

أما عن السياق الغربي، فهناك مثلًا في أواخر القرن 18:

“ياكوبي”: وهو فيلسوف ألماني عاش في أواخر القرن 18، وبداية القرن 19، وكان على صلة وثيقة بفلاسفة عصر التنوير الألمان، منهم “منلدسون”، و”ليسنغ”، و”كانط”.

استخدم “ياكوبي” الفلسفة لإثبات النزعة الشكّية التي تشك في العقل، فالعقل لا يستطيع أن يوصلنا إلى الحقيقة المطلقة، كما أنه نسبي، وبالتالي فالحقيقة إيمانية وتتطّلب قفزة إيمانية، وهذا ما يعتبر عودة تراثية للعقل نفسه وللإيمان.

كما أن ياكوبي استغل “كانط” ذاته، لماذا؟

لأن مقدمة كتاب كانط “نقد العقل الخالص” تقول بأنه اضطر إلى تقييد المعرفة لإفساح المجال للإيمان، إذن بما أن كانط قيّد المعرفة ونقد طموحات العقل التأملي، فمعنى هذا، بحسب ياكوبي في تأويله لكانط، أن المطلق يحتاج إلى قفزة فيما وراء العقل، أي يحتاج إلى تجاوز العقل؛ ففي أوج عصر التنوير الألماني، نجد أن ياكوبي يقوم بما يُسمى بالقفزة الإيمانية، أي أنها قفزة متجاوزة للعقل من أجل العودة إلى الإيمان الديني التقليدي.

نرشح لك: العقلانية والدين عند كانط

“شلايرماخر”: وهو من نفس الفترة التي ظهر فيها ياكوبي، ولديه نزعة تراثية، حيث يستخدم الفلسفة لتبرير الإيمان الديني.

أما القرن العشرون فهو مليء بهذه المحاولات، لدينا مثلًا:

“هانز كونج”: وهو لاهوتي سويسري ألماني قام بدراسات عديدة جدًا في اللاهوت والفلسفة، وألَّفَ كتابًا ضخمًا عن فلسفة هيجل في الدين وتأويل جديد له يعود بنا للتراث المسيحي مرة أخرى، وكتابًا آخر يعيد فيه طرح مسألة وجود الله من وجهة نظر فلسفية.

بشكل عام، نجد أن الفكر الغربي مليء بتلك المحاولات المستمرة حتى الآن في القرن الواحد والعشرين.

· بما أننا تطرقنا إلى الحديث عن كانط، فقد استمعتُ سابقًا إلى حوار مع الباحث “فتحي المسكيني” أستاذ الفلسفة التونسي، كان يقول بأن اللحظة الحالية التي نحياها الآن هي لحظة كانطية بامتياز، بمعنى أننا نستطيع أن نتبنى خطاب كانط بشكل أساسي ونستطيع أن نتعامل مع خطاباتنا الدينية الحالية وأزماتنا الثقافية العربية المعاصرة.

من خلال اشتغالك على كانط، إلى أي مدى تُوافق أطروحة فتحي المسكيني؟

بشكل شخصي، لا أتفق مع فتحي المسكيني في هذا الموضوع، لماذا؟ لأن كانط ينتمي إلى التنوير المعتدل، المهادِن للسلطة والذي لا ينادي بأي تغيير جذري في المجتمع أو السياسة.

فبحسب أحدث الدراسات في عصر التنوير، أجمعت هذه الدراسات الأكاديمية على أن هناك ثلاثة اتجاهات للتنوير:

1. التنوير الراديكالي.
2. التنوير المعتدل.
3. التنوير المحافظ.

كانط ينتمي إلى التنوير المعتدل، بمعنى أنه ليس تنويريًا بالمعنى الثوري، أي إطلاق حرية الفكر إطلاقًا تامًا ومساءلة كل السلطات السياسية والدينية، فهو في تلك المنطقة يعتبر محافِظًا جدًا من الناحية السياسية، أي أنه لا يُسائل شرعية السلطة الملكية باعتباره يعيش في ظل دولة بروسيا.

إذن سؤال الشرعية لم يكن مطروحًا عند كانط بعكس التنوير الراديكالي، الذي ابتدأ من “سبينوزا” واستمر مع “روسو” و”ديدرو” و”هولپاخ” و”هلڤشيوس” و”كوندياك”.

هؤلاء هم أتباع التنوير الراديكالي الذين يسائلون شرعية كل الأنظمة السابقة الدينية والسياسية، مطالبين بمجتمع جديد وفكر جديد.

أما “كانط” فقد قام بعمل معادلة مميزة لا تُغضب السلطات الدينية والسياسية، فإذا كان الخوف من الفلسفة بسبب أنها تنتهي بنا إلى الإلحاد وتثبت عدم وجود الله، وتبرهن على عدم خلود النفس وعدم وجود عالم آخر؛ فإن كانط يثبت في “نقد العقل الخالص” أن العقل لا يستطيع البرهنة على صدق أو كذب هذه المعتقدات لأنها تتجاوز قدراته المعرفية؛ أي أنه أثبت للسلطات السياسية والدينية أنه لا خطر من الفلسفة.

وقد استطاع كانط أن يحل تلك الإشكالية بجعل العقل قاصرًا أمام الاشتغال على مثل تلك الموضوعات، لأن هذه الموضوعات هي الأشياء في ذاتها، أي أنها موضوعات ميتافيزيقية تتجاوز الخبرة التجريبية وتتجاوز عالم الظاهر.

إذن سعي الفلسفة نحو الإجابة عن هذه الأسئلة الدينية ذات الطابع الأنطولوجي والميتافيزيقي هو سعيٌ غير مشروع، فإذا أردنا تأسيس ميتافيزيقا جديدة فلابد أن تكون ميتافيزيقا للأخلاق.

وقال كانط بأن العقل لا يستطيع أن يبرهن على وجود الله، لكن الأخلاق يجب أن تسلّم بوجود الله ضمانًا لسلام المجتمع واستقرار النظام الاجتماعي ولضمان صحة العقل الأخلاقي نفسه.

المُحاوِر: ولعل هذا هو السبب الذي جعله يقدّم برهانًا أخلاقيًا عمليًا في كتابه “نقد العقل العملي” على وجود الله.

نعم، لقد فهم كانط كلمة “ميتافيزيقا” على أنها ما يتجاوز الخبرة التجريبية، وما يتجاوز الفهم البشري.

فكل ما يتجاوز الفهم البشري، هو اليقين الذي يؤمن بوجود الله وخلود النفس الإنسانية وعالم الغايات، لكن البحث في طبيعة العالم وفي نشأته ومصيره، وهل العالم قديم أم مُحْدَث، هل العالم بسيط أم مُرَكَّب من أجزاء، هل السببية في العالم سببية آلية ميكانيكية حتمية أم هناك سببية من الحرية؟!! بمعنى هل يسير العالم بحتمية قوانين الطبيعة فقط أم أن هناك فرصة للتدخل غير السببي أي غير الحتمي، بمعنى آخر التدخل الإلهي، وهل السبب الأساسي للعالم يوجد داخل العالم أم خارجه؟! كل تلك الأسئلة أطلق عليها كانط النقائض “الكوزمولوجية”، وكلمة “نقيضة” معناها: شيء ممكن للعقل أن يثبته وينفيه في نفس الوقت.

فهناك حجج تنفي وحجج تثبت وكل الحجج صحيحة.

لكن العقل دائمًا ما يقع في الحيرة وهذا ما يُسمى بالجدل الترنسندنتالي، وهذا ما أسماه كانط بالميتافيزيقا التقليدية، ومن غير الممكن أن يحلها الإنسان بعقله البشري، لذلك نحى العقل الخالص جانبًا، أو ألغاه واستبعده من البحث الفلسفي.

ثانيًا: فلسفة الدين

· في فلسفة الدين كانت البداية عند سبينوزا انتقالًا لكانط ثم هيجل، وكان لمدرسة “كانط-هيجل” مسمى آخر هو “المدرسة التوفيقية”، فكيف تم هذا التطور من خلال علاقتهم كفلاسفة بالدين، وما مدى مركزية سبينوزا في خطاب كانط وهيجل؟

“سبينوزا”:

نظرته للدين نظرة راديكالية تمامًا، بمعنى أنه ينظر للدين من خلال وظيفته الاجتماعية، وقد عبّر في كتابه “رسالة في اللاهوت والسياسة” بأنه يمكن استغلال الدين بواسطة السلطة استغلالًا سيئًا في إخضاع العامة، بالرغم من أن إخضاع العامة في بعض الأحيان يكون ضروريًا لضمان استقرار النظام الاجتماعي. كما أن استغلال الدين قد يكون منبعًا للخرافة، فالناس تسيطر عليهم الخرافة أكثر مما يسيطر عليهم العقل، وسبينوزا تعامل مع الدين بمنهج النقد التاريخي، فلقد نقد أسفار العهد القديم جميعها نقدًا تاريخيًا، وأثبت أن موسى لم يؤلف الأسفار الخمسة المسماة بأسفار موسى، لأن بها أحداثًا ظهرت بعد عصر موسى. العهد القديم تم تجميعه وتكوينه بعد الأحداث المذكورة في الأسفار، إذن هو تاريخ بشري يعبّر عن تجربة بني إسرائيل في فترة زمنية معينة من تاريخهم، وبالنسبة للأنبياء فهم فقط يتميزون بفضيلة أخلاقية عن الجمهور، ولديهم مخيلة خصبة ويقين أخلاقي، أما بالنسبة للمستوى المعرفي فهم مثلهم مثل أقرانهم من العامة تمامًا.

هذا هو موقف سبينوزا من الدين، وهذا الموقف كان مخيفًا لأوروبا في وقته، وكان هناك حظر على سبينوزا ومؤلفاته، فقد كان كتابه “رسالة في اللاهوت والسياسة” ينتشر منزوع الغلاف وبدون اسم المؤلف، وأحيانًا كان يوضع على الكتاب غلاف مزور، وبهذه الطريقة السرية كان الكتاب يصل للناس.

نرشح لك: في زمن التعصب الديني يهمنا سبينوزا أكثر من أي وقت مضى

“كانط”:

جاء على خلفية المادية الفرنسية التي كانت متأثرة بسبينوزا.

أما عن مؤسسي المادية الفرنسية فهم: ديدرو، هولپاخ، هلڤشيوس، وهم متأثرون بسبينوزا.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: إسلام سعد

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

الصورة: مكتبة اسكندرية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.