تأخذك إلى أعماق الفكر

جذور العبادة الذكورية

بحثٌ مُبسط لتوضيـح جذور العبادة الذكورية المنسيّة، والتي أصبحت اليوم تتعرض إلى إقصاء ممُنهج لصالح تقديم العبادة الأنثويّة عليها، إلا أنَّهُ قديمًا وحديثًا العبادة الذكورية ظلّت ذات تأثير قوي في الحياة الفكريّة والروحيّة والثقافيّة لدى الشعوب، لذا لنُلقي نظرة على هذه العبادة.

مُقدِّمة عن العبادة الذكورية

في مناطق متُوزعة من العالم نجد بقايا عبادات قديمة لأحجار مُنتصبة عاليًا يرجـع وجودها لعصُور سحيقة، وهذه الأحجار المُنتصبة تُدعى (ميغاليت Megalith)، وهذه الأحجار المُنتصبة الشاهد الأول لأقدم صُوره من عبادة الذكُورة، ويقُول ميرشيا إلياذة أنّهُ من المرجح أن هذه الأحجار عُبدت كمسكن للأرواح الميتة، حيث تُقدم إليها القرابين وتُقام طقوس الرقـص من حولها (1) وهذه الالتفاتة هي محور بحثِنا.

أُطلق لاحقًا على هذه من الأحجار لدى الأغريق بـ(Hermaéan heaps) والأعمدة المُنتصبة عمُومًا كان يُطلق عليها (Herma) والتي اشتق منها اسم الإله المعروف والغامض والذي ارتبط بالمعارف السريـّة المُسمى (هرمس Hermes) والذي كان شكلهُ الأولي قبل تصويره بصوره إنسانية عبارة (رجمة كبيرة) من الأحجار، حيث كان العُرف لدى الإغريق أن كُل مسافر يرمي حجر بحيث تزيد الأحجار لتتحول إلى كومة من الأحجار، و هذا الإله بصُورتهِ الأوليـة كان إله الحدود حيث يحُدد حدود الحُرم من الحل بمعنى يحدّد الأراضي المملوكة عن الخارجـة عنها، وسنرى كيف أن هذا الإله سيصبح من إله الحدود والمُتجسد بصورة فالوسيه كعضو ذكري (Phallic) حجريـة إلى إله الحدود العقلية والنور واللوغوس لاحقًا (2).

في الهند كان النصـب العمُودي (لينغا Linga) والتي هي روح الإله (شيڤا . Šiva) والذي عبادتهُ كانت مُنتشرة في الهند البدائية، وهذا النصب العمُودي باتِّصالهِ مع الرحم الإلهي الأنثوي (Yoni) فيصُور بصُورة (لينغام . Lingam) ولينغا شيڤا المُنتصب لهُ رمز روحي، وللآن نرى في الهند عادة التمسـح به وَتقبيلهُ، حيث يُعتقد أن هذا الرمز يستجيب للدعُوات المُرتبطه بالولادة والخصب والأطفال، وأيضًا نرى هُنا أن شيڤا في الأدب الهندي إله العقل و صُور كثلاثي العيُون أي رمز لليقظة الروُحية، وكذلك هو هادم الخليقة ومُعيد خلقِها من جديد بحكمتهِ الكاملة (3) (4).

في مصـر القديمة، لدينا الإله (سيـت. Set) معناهُ (المُنتصب) و(نصُب عمودي) وظهر اسم هذا الإله في كتاب المُوتى المصري باسم (تيت. Tet) المُرتبط باسم مُشتق منهُ ألا و هُو الإله (تحُوت . Thot) والذي يعني اسمه منتصب القامة، كان سيـت قديمًا وقبل أن يتشيطن لاحقًا، كان مانحًا السُلطة والسيادة لدى السُلالة الثامن عشر والتاسع عشر، وكان الملك يشتق اسمهُ من هذا الإله أي (Set) وكان سيت رمز الحياة والقُوة، وسيت هذا أُطلق عليه لاحقًا باسم (طيفُون . Typhon) ورمزه الأفعى، والأفعى مثلت لدى القُدماء بمبدأين: خير وشر، الحية بهبُوطها تُمثل الشر، أما بانتصابها الخير وهي رمز للعضو الذكري في هبُوطه وانتصابه؛ حيث تقُول الأسطورة المصرية أن (سيت Set) هرب من مصر راكبًا حمارًا رمادي اللون وصار رمزًا للقحط المُوازي للهبوط المُضاد للانتصاب والخصب الذي صار يمثلهُ الإله الخصبي (أوزيريس . Osiris) غريمه والذي يقول عنهُ (بلوتارك) أنهُ يوضـع أي أوزيريس بكُل مكان بعضوه الذكري مكشُوفًا، والإلهة الخصبيـة الخالقة بعضوها الذكري المُنتصب سائدة في الميثولوجيا المصريـة كالإله (خيم . Khem) صاحـب القُوه المُنتجة للطبيعة والذي سيظهر لاحقًا بصُورة (آمون رع . Ammon Ra) والذي رمزه هو الآخر نصب عمودي! (5).

إعلان

المُلاحظ أنّ رمز (الحية) واضـح في ديانة بني إسرائيل، ويُوجد لفتة مهُمة أنّ الحية حملت مبدأين هي الأخرى، فالحية هي من أخرجت آدم وحواء من الجنة وأسقطتهُما في العبُوديّة، وأيضًا هي التي أخرجت بني إسرائيل من عبُودية مصر، ثُم الصحراء وصُولًا لأرض الخلاص أرض كنعان، والمهُم فعلًا ارتباط رمزية موسى والأفعى، فهذا الرجل المُشرع وكليم الله وافتهُ المنية قبل دخُولِه أراضي كنعان يقُول لنا (ديدوروس . Diodorus) عندما دخـل (أنطوخيوس الرابـع) معبد آورشليم وجد في داخل قُدس الأقداس نحتًا حجريًا لموسى مصُورًا كرجُل مع لحية طويلة، مُعتليًا على حمار وحاملًا  كتابًا بيديه. وهذه الصُورة جدًا قريبة لـ(سيت) الهارب من مِصر إلى الصحراء مُعتليًا حمارًا! ولذلك نرى تفضيل الغنُوصية ليسُوع على مُوسى، بل إن الغنُوصية شيطنت مُوسى وشريعتهُ لاحقًا!

ونقطة جدًا مُهمة وهُو أن (الحية) رمز ذكري واضح يُشير للانتصاب والارتخاء، الصعُود والهبُوط، الجنة والدُنيا، ولتوضيـح ذلك لنسترجِع بعض الشذرات من العهد القديم، في (تكُوين 3: 6) تقُول الحية المرأة: اللهَ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلانِ مِنْ ثَمَرِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا فَتَصِيرَانِ مِثْلَهُ، قَادِرَيْنِ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ). حيث ظهر المبدآن (خير) و(شر) لاحقًا؛ يُعاقب الإله الحية بجعلِها تزحف على بطنهِا بعد أن كانت كمـا تُورد الآية أنها مُنتصبة (فَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ فَعَلْتِ هَذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ بَيْنَ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ، عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ، وَمِنَ التُّرَابِ تَأْكُلِينَ طَوَالَ حَيَاتِكِ، 15 وَأُثِيرُ عَدَاوَةً دَائِمَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ) بحيث صارت تسعى على بطنِها، تأكُل من التراب، عداوة بينها وبين المرأة! أي انبسطت بعدما كانت مُنتصبة، تصحرت بعدما كانت خصبيـة! أما في (العدد 21) تظهر الحية كقوة حياة والمُلاحظ أنها مرفوعة على سارية مُنتصبة! (فصَنعَ موسى حيَّةً مِنْ نُحاسٍ ورفَعَها على ساريةٍ، فكانَ أيُّ إنسانٍ لدَغَتْهُ حيَّةٌ ونظَرَ إلى الحيَّةِ النُحاسيَّةِ يَحيا‌).

ولنرجع قليلًا لديانة أخُرى ميثولوجيا الحية فيها تُماثل العبريـة ألا وهي في ديانة بلاد فارس الزرداشتيـة، تحكي لنا الأسطورة الزورفانيـة على لسان الأب الأرمني (Ezmik of Kolb) من القرن الخامس ميلاديًا حيث يقُول: “إن الإله (زورڤان . Zurvan) قدم أضحيـة طالبًا استجابة دعائهِ برغبته في أن يرزق ابنًا لكنهُ شك في استجابة دعائه، لذلك من الأضحية وُلد له (آهورا مازدا . Ohrmazd)، ومن الشك وُلد (آهريمان . Ahriman) وآهريمان نفسـهُ تصُور بصورة حية (Dahâka) وأغوى الذكر والأنُثى البدائيين (Meschianó) و(Meschia)، وأيضًا يُذكر بالـ(زند أڤستا . Zend Avesta) أن آهورمزدا بعدما شكل الرمز الخصبي الأول (الثور البدائي) ترقبهُ آهورا مزدا ليقُوم بتسميمهُ، وأن الأرض لدى الزرداشتية أرضان؛ نقية طاهرة تُدعى (مينوك . Menok)، والأرض الخيرة بعدما غزاها آهريمان والتي دُعيت (گيتيك . Getik) صارت مُنحلة وفاسدة لذلك الفُرس في الحالة السماوية النقية يسمّون الأرض (زام . Zam) وفي الحالة المادية المُنحلة (زاميك Zamik) والتي للآن بالفارسية الحالية تُدعى (زمين . Zamin) وهذا أقوى أساس للمثنويـة في رؤية العالم في الفلسفـة الشرقيـة والذي سيكُون له أثر قوي في الأديان اللاحقة، ونقطة فلسفية مُهمة من اللازم مُلاحظتها أن آهورا مزدا المُولود من الأضحية إله (الروح الحكيم . Wise Spirit) يُمثل النقاء والثبات، في حين آهورا مزدا المُولد من الشك (الأفعى الهابطة)، يُمثل الانحلال والفساد وهُو مُسمم الثُور الرمز الخصبي الفحُولي المشهُور في الزرداشتيـة والميثرائية ولا ننسى هُو رمز (تموز . Tamuz) إله الخصب المشهُور في بلاد مابين النهريـن. (6) (7) (8)

الديانات الإبراهيميـة

قبل العُروج للسلـف الذكُوري للديانات الإبراهيميـة، نتوقف قليلًا عند بلاد ما بين النهرين وعلى رمُوزها الإلهية، في بلاد ما بين النهريـن لم نكوّن صورة عن الشكل البدائي لعبادة الآلهة، ولكن لدينا فكرة عن صُورها كما يظهر لنا في الرُقم الطينيـة، حيث كانت الصُورة البدئية لتصوير الآلهة هو وضع تيجان أسطوانية وكذلك بيضاوية الشكل على رأس الرب المعبُود، والتي تحوي بدورِها على عدة أزواج من قرون الثيران (9). والثور رمز خصبي سومري مشهور ومجاز للفحولة الجنسيـة والسماء والتي تسكب في الأرض التي يُرمز لها بالبقرة بذرة الأبطال (10).
وتصوير رؤوسهم بشكل بيضاوي كما نرى لدى الإله ( Enki ) أو( آيا ) إشارة إلى الحكمـة والتعليم والتي كانت لدى القُدماء ترتبط بالقوة الجنسيـة، وهذا الإله آيا ارتبط مُنذ القدِم بـ (السمكة العظيمة . Cetos) والتي أسماها الكاهن البابلي (بيروسـوس . Berossos) بـ(Oannes) والذي يُعتقد أنه منه جاء اسم النبي (يُونس) أو كما ذكُر في العهد القديم باسم (يونان . Jonah) والذي يعني (حمامة) وهُو طائر يظهر بالتصاوير السُومرية مُقترنًا بـالإله آيا؛ بالإضافة إلى أن الشكل البيضـاوي المُحدد أصبح في المسيحيـة يُمثِل الـ(Mandorla) التي هي (نار الروح) والتي تُوضح في الأيقونات المسيحية ويُرسم بداخِلها المسيـح أو أمه العذراء مريم، ويُطلق عليها أيضًا بـ(aureale) هالة التمجيـد الإلهي، وكانت في العصور الوسطى لا تقتصر على أنها أيقونات، لكن في باطنها قُوة إلهية تحث الإنسان على التبصُر المُتسامي (Omni voyant)، وهذه الهالة وُجدت بالأڤستا لدى الزرداشت باسم (Xvarnah) وبالفارسيـة الوسيطة (خُره . Khurrah) أو (فره . Farrah) وهي هالة المجد التي تُرسم على الأمُراء والأباطرة والأنبياء الفُرس وكانت بالأصل قـوة كونية فاعلة منذ بداية تكون العالم، وستتجلى في نهاية العالم عند ظهُور المُخلّص الزرداشتي (Saoshyants)، وهذه الهالة دخلت في الأيقونات الشيعية كهالة مجد للأئمة الاثني عشر (11) (12) (13) (14) ومن المُلاحظ أن السمكة من الرمُوز القديمة التي ظهرت في العهـد الجديد وكذلك من الرمُوز القديمة للرب المُخلِّص!

ورجُوعًا للإله آيا الذي كان يُعتبر إله المُحيطات العذبه (ابسو . Apsu) والحياة وحامل أسرار الـ(Meh) أصل الحضارة والمعارف السرية، بالأصل إله خصبي، فالماء المسؤول عنه هذا الإله ما هُو إلا رمز للمني الإلهي، فهذا الإله الذي صُور بشكل سمكة، خصب النهرين الفرات ودجلة بمنيـه الإلهي والسمكة (Cetos) مجاز عن الفحولة الجنسية التي ترتبط بالتخصيب والمعارف الإلهية، وهذا الإله دُعي بعدة أسماء منها: (بعل شفتي) السيد الشافي و(نو ديم مود) أي المُختص بمهارة الخلق و(ابگالو ايلي) ابگالو الآلهة، أي الحُكماء السبع أساس الحضارة والمعارِف وقابل الكاهن البابلي الإله (آيا) بالإله الإغريقي (كورنـوس) زُحل والذي يُطابق الإله الزُحلي العبراني والفارسي (كيوان . Kiyyun) المذكُور في (عاموس 5: 26) والذي كان يُقدم كنصب عمُودي والذي كان الرمز الأولى لبيت آيل لدى العبرانيين، واسم (كيُوان) مُرتبط بالجذر (كُن . Kun) بمعنى أقام ومن هذه النقطة سندخل بديانة أسلاف بني إسرائيل.

السلـف الأول أب الجمهُور (أبراهيم) أو (أبرام) يظهر في سفر التكوين الإصحاح الحادي عشر كنازح من منطقة (اور . Ur) الكلدانيين، من الفرات الأعلى ويظهر إبراهيم كمُنشق عن ديانة موطنهِ، وبعيدًا إذا كانت شخصية إبراهيم تاريخية جغرافية أم لم تكُن، إلا أنه يمثل صورة (السلف العظيم . Great Progenitor) لديانة اليهود والمسيح والمُسلمين، حيث يظهر لنا إبراهيم في العهد القديم أنه مؤسس لمذابح متفرقة في المناطق التي أقام فيها وكذلك كزارع لبساتين في مناطق مُتفرقة، والأهم أن إبراهيم أسس لـ(عهد الختان) عهد دموي أقيم بينه وبين الرب، عهد الختان هذا يُدعى بالعبرية (بريت ميلاه) حيث الختان بالعبرية (ميلاه . Milah) وهي مُشتقة من لفظة (مال) أي قطع وطهر، ويطلق اليهود على عهد الختان (آثر إبراهيم أبينا) و (ميلاه) أي الختان لها معنى آخر وهو ( الصعُود ) كمـا ذكر في (تثنية 12): “من يصعد miyaleh لأجلنا إلى السماء”. بذلك صار الختان بوابة للصعود العمودي، ويعتقد اليهود أن الختان ينصهر ويكتمل فيه اسم (آيل شداي)، حيث حرف (يود . Yod) يظهر بالعضُو التناسلي الذكري، حيث بدون هذا الحرف (يود) الذي يظهر عند الختان، يُصبح العضو التناسلي شيطاني، ويذكر لنا المؤرخ السوري (فيلون الجبيلي) عن أسطورة الختان بأنهُ عندما تفشّى الطاعون والأوبئة رفع كورنوس ابنه إلى السماء آورانوس، فقام بختانه لأجل الخصب وانقضاء الأوبئة. (15) (16) (17)

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: زهراء زكي

تدقيق لغوي: مريم زهرا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.