جاك لاكان: الأبوّة المتأرجحة بين الخيالي والواقعي

جاك إميل لاكان، ذلك المحلِّل الفرنسي الشهير الذي حمل شعلة فرويد، وتبنّى مشروع العودة إليه، وإعادة قراءته، على ضوء الفلسفة واللسانيات، والمنطق الرياضي، بالإضافة إلى الاكتشافات الأنثروبولوجية والطبيّة. لقد سعى إلى تأويل الإرث الفرويدي ومنحه صبغة علمية عميقة، وأحيانًا معقّدة.
وصفه بـ”العميق” يعود إلى أنً فرويد لم يكن ساذجًا، لكنه كان يفتقر إلى الأدوات التي توفّرت لاحقًا للاكان ومعاصريه من المحلِّلين البريطانيين. وقد ارتبط اسم لاكان بقراءة الظواهر الاجتماعية والسياسية، وبطبيعة الحال النفسية، ومحاولة تفسيرها بأدوات لاكانيّة. ومع ذلك، كان لاكان يؤكّد أنه لم يقدِّم شيئًا جديدًا، باستثناء بعض الأفكار هنا وهناك، إلى جانب صكّه، ونحته لمجموعة من المصطلحات والمفاهيم مثل: الآخرية، الدلالية، الأب وتجليّاته، موضوع (أ) الصغير، الاستمتاع المؤلم (jouissance)، والسينتوم—الذي يمثّل النسخة اللاكانية من العارض، كما طرحه في محاضرته السادسة والعشرين—إضافةً إلى العديد من المفاهيم التي أتت لملء الفراغ التساؤلي الذي تركه فرويد.
لهذا يخبرنا مصطفى صفوان أنّ لاكان كان يقول لطلابه مرارًا وتكرارًا: “يمكنكم أن تكونوا لاكانيين إن أردتم، لكن أنا فرويدي.”
لماذا هذه المقدّمة اللاكانية ولاكان أشهر من نار على علم؟
لقد أمضى لاكان قرابة نصف قرن، من عام 1930 إلى 1981، في التنظير حول دور الأب في التحليل النفسي، عبر ما يقارب 27 سيمينارًا منشورًا، ومثلها غير منشورة بعد. وقد جاء ذلك في حقبة كانت فيها ميلاني كلاين، ودونالد وينيكوت يركّزان على دور الأم في العلاقة مع الموضوع، بينما كان لاكان يمنح الأب ثلاثة أشكال أو تموضعات: الأب الخيالي، الأب الرمزي، والأب الواقعي.
إعلان
لقد أعطى لاكان للأب مكانة معيارية في البنية العيادية اللاكانيّة، واعتبره “الدال الأول” (من حيث علاقته بـ الفالوسية)، كما منحه دور المُعلِّم في الخطاب. فغياب الأب الرمزي أو فرط سيطرته يؤدي إلى البنية العصابية، سواء الوسواسية أو الهستيرية، نتيجة العجز عن فكّ الاندماج بين الطفل والأم، وعدم تطبيق الخصاء الرمزي من جهة، أو بسبب ليونة القانون الأبوي المفرطة أو قسوته وبطشه من جهة أخرى.
أما رفض القانون والخصاء الرمزي، والتمرّد على القانون الأبوي، يعني التوجّه نحو البنية الانحرافية.
وبالنسبة إلى الأب الخيالي، فإن غيابه أو سيطرته يؤدي إلى صورة مشوّهة أو مخيفة عنه، أو صورة يختلط فيها الحب بالخذلان، حيث يكون الأب إما محبًّا أو شريرًا بالكامل، ما يُسبّب اضطرابًا في التمثيل الأنوي (الأنا كصورة معترف بها اجتماعيًا). وهذا بدوره يؤثر على تمثّلات الطفل لعلاقاته مع الآخرين (راجع schema L).
أما غياب الأب الرمزي، الذي يُدخل الطفل في نظام اللغة والكلام، يعني حضور الأب الواقعي، أي الصدمة، والفراغ، والفجوة في اللغة والاعتراف، وغياب القانون الذي يضبط البنية. إنه الأب الميت، أو ذلك الذي يُعتبر ميتًا، لأن حضوره لا يُميَّز عن غيابه، ونواياه لا تُعرف إن كانت حسنة أم سيئة.
حسنًا، المزيد من التفاصيل اللاكانية! عجبًا، كيف يعلق لاكان في عقلك حتى تصبح كتابتك “علاكًا” مثله! لكن هل كان لاكان أبًا جيدًا بما فيه الكفاية؟ (عذرًا، وينيكوت، لقد استخدمنا لغتك).
تقول سيبيل لاكان (Sibylle Lacan)، الابنة الصغرى لجاك لاكان من زوجته الأولى، في كتابها “أب” (A Father / Un père)، إن طبيعة علاقتها بوالدها كانت أشبه بقطع “بازل” متناثرة. فالعلاقة بينهما، وكذلك العلاقة التي جمعت والدتها وأختها وأخيها بلاكان، كانت غريبة وأحيانًا مبعثرة.
لجاك لاكان وزوجته ماري- لوي بلوندين ( Marie-Louise Blondin) ثلاثة أطفال: كارولين ( Carolin Lacan)، ثيبوت( Thibaut Lacan)، وسيبيل، وهي الأصغر. عندما كانت والدتها حاملًا بها في شهورها الأولى، جاء لاكان إلى زوجته وقال لها: “لدي زوجة أخرى، وهي حامل أيضًا بابنتي.”
كان لاكان يشير إلى سيلفيا باطاي ( Sylvia Bataille)، طليقة الفيلسوف والأديب جورج باطاي(Georges Bataille)، وابنته منها جوديث باطاي-ميلر (Judith Bataille-Miller). وأخير زوجته لأنه لا يزال متزوجًا منها رسميًا، فلن يعلن الأمر، وأنّ ابنته ستُمنح كنية باطاي لا لاكان، لكنه سيتكفّل بجميع النفقات المادية المتعلقة بأسرته. تقول سيبيل في كتابها: “عندما وُلِدت، كان أبي لم يعد موجودًا بيننا.”
بعد ذلك، أصبح لاكان، كما تصفه ابنته، ضيفًا في حياتهم—ضيفًا لا يمكن التنبؤ بحضوره وغيابه، ضيفًا تعلم يقينًا أنك لست المفضَّل لديه، لكنه يأتيك في زيارة لأنه مجبَر على ذلك.
لطالما تعامل لاكان مع أسرته الأولى كما لو كانت في المرتبة الثانية، بينما احتلت أسرته الثانية المرتبة الأولى. تقول سيبيل:
“أمي هي التي ربّتنا. عندما تركنا والدي، كانت أختي الكبرى كارولين تبلغ من العمر حوالي عشر سنوات، وكان أخي أصغر منها ببضع سنوات، أما أنا فقد وُلِدت أساسًا بلا أب موجود بجانبي.”
كانت والدتهم هي من تولّت تربيتهم، وعملت بلا كلل أو ملل لضمان تعليمهم، متجنّبة أن تطلب من لاكان الكثير. لم تحاول أبدًا زرع الكراهية في قلوبهم تجاهه، بل علّمتهم احترامه، بل وشجّعتهم على أن يتعاملوا معه بفخر.
كان لاكان يحضر في الأعياد والمناسبات، أحيانًا لأيام وأحيانًا لساعات. وتقول سيبيل إنه حتى الهدايا التي كانت تتلقاها منه، اكتشفت لاحقًا أنها لم تكن من اختياره. كان غالبًا يبدو كمن يؤدي واجبًا يريد التخلص منه سريعًا، ليعود إلى أسرته الثانية.
عندما مرضت سيبيل، بدا في البداية أنه زكام عادي، لكنه تطوّر لاحقًا إلى شكل من الإنفلونزا، ثم إلى صداع مزمن واضطرابات معوية. استمرّ وضعها على هذا الحال لسنوات، لكن لاكان لم يكن حاضرًا بالمعنى الحرفي، لم يمنحها الوقت أو الاهتمام بصحتها، كما يفعل الآباء الآخرون—فكيف لو كان الأب جاك لاكان؟
ما فعله، عندما عجز الطب حينها عن تفسير حالتها، هو أنه أرسلها إلى محلّلة نفسية لمدة عام، لكنها لم تستفد من العلاج. وبعد ذلك، أرسلها إلى محلّلة أخرى، لكنها سرعان ما اكتشفت أن هذه المحلّلة كانت إحدى عشيقاته (وليس زوجته الثانية)، فقرّرت تركها.
تروي سيبيل أنها في إحدى المرّات اتفقت معه على موعد للقاء، لمناقشة حالتها الصحية وما يمكن فعله لعلاجها. انتظرته طويلًا عند النافذة، ورأته يخرج من أحد الأماكن برفقة امرأة، لتكتشف لاحقًا أنها زوجته الثانية. عندها، تساءلت بمرارة:
“كيف يفعل هذا؟ أنتظره لأنني مريضة، وهو يضاجع امرأة في هذا الوقت!”
شهدت حياة سيبيل العديد من الأحداث مع والدها الحاضر الغائب، حيث ظلّت علاقتهما رسمية في صورتها العامة. كانت هناك مواعيد محددة للقائه، زيارات في المناسبات، ومحاولات منه لتعويض غيابه بتغطية كل المصاريف. كان يقضي معهم بعض الإجازات، والتي كانت بمثابة ملاذ لأولاده، لأنهم كانوا يشتاقون إليه، لكنهم كانوا أيضًا يدركون أنه سيغادر بمجرد انتهاء العطلة.
ترى سيبيل أنه من الواضح أنّ والدها كان يفضّل جوديث* عليهم، تمامًا كما كان يفضّل سيلفيا** على أمهم. وذكرت العديد من المواقف التي عاشتها مع والدها، بين ما هو جميل وإنساني، وبين ما هو مؤلم وحزين. أحيانًا، كان يظهر بدور الحامي، كما في حادثة سقوط أخيها من مكان مرتفع أثناء استكشافه إحدى القلاع، حيث سحبه لاكان بسرعة، في لحظة بدت أشبه بمعجزة، إذا كان الموت حتميًا لولا تدخّله.
وأحيانًا أخرى، ظهر كأب منكسر وحزين، كما عندما توفيت أختها كارولين، حيث شوهد وهو يبكي بشدّة، ممسكًا بيد والدتهم. تقول سيبيل إنّ لاكان، بحسب علمها، لم يبكِ إلّا مرًتين: الأولى عند وفاة الفيلسوف موريس ميرلو-بونتي، والثانية عند وفاة كارولين.
كانت سيبيل تحاول اقتناص أيّ فرصة للتواجد مع لاكان، متمسّكة به كي يبقى إلى جانبها، لأنها شعرت أنّ أختها وأخيها أمضيا وقتًا أطول معه مقارنة بها، إذْ كان لا يزال حاضرًا في حياتهم قبل أن يبتعد كليًا.
تصف لاكان بأنه، وكأنه عن غير دراية، احتلّ موقع “الأب الواقعي” في ثالوثه الأبوي—ليس كتشخيص، بل كافتراض. فقد كان حضوره يتمثّل في الغياب، وأحيانًا كان غيابه يُحدث صدمة—تمامًا كما عايشته سيبيل—وأحيانًا أخرى كان حضوره غير مبرر. كان يمثل الوجه الأكثر قسوة واستعصاءً على الفهم في علاقة الفرد بالسلطة الأبوية، إذ أن “الواقعي”، كما يراه لاكان، هو المجال الذي يفلت من الكلمات والتفسيرات.
امتلأ كتابها بتساؤلات عن تصرّفات والدها. حتى أنها في مرحلة من حياتها، عندما كان الناس يسألونها بحماس وحسد مبالغ فيه: “أنتِ ابنة جاك لاكان؟”—وكأنهم يقولون لها: “يا لحظكِ الجميل!”—كانت تتساءل في قرارة نفسها:
“هل أنا حقًا ابنة جاك لاكان؟ أليست جوديث ابنته أكثر مني؟”
كان سؤالها مشروعًا في سياقه، من وجهة نظرها، لأنّ معيارها كان الوقت والاهتمام. لاكان يمضي مع جوديث ووالدتها السنة بأكملها، بينما يمضي مع سيبيل وإخوتها الأعياد والمناسبات فقط.
لم تستطع سيبيل وضع والدها في مكان محدّد داخل حياتها، ولم تستطع حتى التعبير عنه بلغة واضحة. بالنسبة لها، كان شخصًا بعيدًا، تتعامل معه بشكل رسمي أحيانًا، وبخجل أحيانًا أخرى، لأنها لم تشعر بالانتماء إليه. ورغم إدراكها أنه والدها وأنه يحبّها، إلّا أنها لم تكن واثقة مما إذا كان يعرف كيف يحبّها، أو حتى كيف يحب إخوتها، كما كان يحب جوديث ووالدتها.
ومع ذلك، تتساءل:
“لكن والدتنا لم تُقلبنا عليه يومًا، لم تخبرنا أشياء سلبية عنه، ولم تسمح لنا بالابتعاد عنه، بل كانت تشجعنا على لقائه، وعلى محبته، بل وحتى على الشعور بالفخر تجاهه. وبينما كان هو غائبًا، كانت هي تعمل وتعمل، وتؤدي دورها ودوره في حياتنا.”
(كان اسم الأب حاضرًا في الأم، أكثر من حضور الأب نفسه—الأب الذي وضع “اسم الأب” في صُلب نظريته.)
وكان لاكان، في مكانٍ ما، أبًا خياليًا، يتمظهر في خيالات سيبيل عنه، —مشبعًا برغبتها تجاهه—أن يكون والدها معها، لا مع جوديث. أن يُظهر اهتمامًا بها، و إخوتها، ووالدتها، ولو بنصف مقدار اهتمامه بالأخريات من عشيقاته.
أحيانًا، كان يبدو لها أبًا مثاليًا، لكنه في معظم الأوقات كان مهملًا. ومع ذلك، ظلّ بالنسبة لها نموذجًا، تتأرجح بين التمنيات تجاهه والخيبات منه.
كانت تحاول التخلّي عن صورة “الأب الضيف” في حياتها، لكنها في الوقت نفسه كانت تتخيّله أبًا قاسيًا في تعامله مع الآخرين، خاصة الغرباء، مما كان يسبّب لها الإحراج، فقرّرت ألّا ترافقه إلى الأماكن العامة بسبب عجرفته.
في مخيّلتها، كان لاكان أبًا مطلق القوة والسيطرة—العبقري والمشهور، الذي تنبعث منه هالة تشعّ خلفه. لكنه، في ذات الوقت، كان الأب الناقص، الذي لا يعرف كيف يدير أسرته، وكيف يعدل بين أبنائه. هذا الحكم لم يكن تحليلًا نظريًا، بل تجربة شخصية لسيبيل، كما تجلّى لها لاكان في حياتها.
خرجت بهذا الاستنتاج لأنه لم يكن يبادر بالتواصل معها إذا لم تبادر هي أولًا. لم يكن يتابع شؤونهم إلّا إذا طُلب منه ذلك، وكان يفعل هذا كواجبٍ لا أكثر.
ذات مرة، قطعت سيبيل الاتصال به لمدة عامين، فقط لترى ما إذا كان سيتواصل معها من تلقاء نفسه، لكنه لم يفعل.
في ذلك الوقت، كان لاكان مريضًا، لكنه لم يخبر أسرته الأولى بذلك. بقي الأمر طيّ الكتمان من قبل أسرته الثانية، التي لم تفسح المجال لأسرته الأولى كي تكون جزءًا من أيامه الأخيرة. والتفاصيل، كما تقول سيبيل، تطول….
لكن في الختام، هل كان لاكان أبًا رمزيًا في مكان أو آخر؟ لم يكن غائبًا إلى درجة تدعو إلى الذهان أو الانحراف، لكنه وإن كان حاضرًا، فإن وينيكوت كان سيخاطب لاكان بعبارة: “لم تكن أبًا جيدًا بما فيه الكفاية”.
لم يعرف كيف يوزّع اهتمامه، ولم يتمكّن من إنتاج علاقة متينة بين الأسرتين.
حسب سيبيل، فإنهم كانوا أسرته الأولى من الدرجة الثانية. كان الثقل في العلاقة الأسرية يقع على سيلفيا وجوديث، فإذا ما سألت يومًا عن ابنة جاك لاكان فيتسارع الناس لذكر جوديث فقط. حتى أنّ سيبيل تدعي انه في بعض الأوراق الرسمية يذكر ان ل لاكان أبنة واحدة وزوجة واحدة وهن سيلفيا وجوديث – الآن يمكنك أن تكتب في محرّك البحث عن ابنة لاكان، وسيظهر الكثير من النتائج حول جوديث والقليل حول سيبيل والأخرين- وما يبقى من فائض بالنسبة لسيبيل كان يُرمى لزوجته الأولى والأولاد هي واخوتها.
ملاحظة:
*جوديث، الابنة المدللة لدى لاكان، فقد أصبحت لاحقًا منظّرة ماوية بارزة ومتفوّقة في الفلسفة، كما أنها تزوّجت جاك آلان ميلر، الذي منحه لاكان لاحقًا حق الوصاية على إرثه التحليلي.
**سيلفيا باطاي كانت زوجة الفيلسوف والأديب جورج باطاي، وهي سيدة مثقفة تدير صالونًا ثقافيًا في منزلها، حيث أتاحت للاكان فرصة إلقاء محاضراته. كانت على صلة وثيقة بالمثقفين، والأدباء، الفلاسفة، والفنانين في تلك الفترة.
أما علاقتها مع لاكان، فقد بدأت بعد انفصالها عن جورج باطاي سنوات، في وقت كان لاكان لا يزال متزوجًا. وحين أدّت هذه العلاقة إلى حمل، كان لا بد من تسجيل ابنتها، جوديث، باسم باطاي، لأن لاكان كان لا يزال متزوجًا رسميًا.
إعلان