تأخذك إلى أعماق الفكر

تاريخ النص.. في معرفة تاريخ القرآن الكريم

المقال الثاني

0

أثار ارتباط مسألة طباعة القرآن بقراءة حفص عن عاصم المعمول بها في العالم الإسلامي منذ العصر العثماني مسألة لا بد من الخوض فيها، وهي مسألة القراءة والقراء، فهي أهم ما يُثار ضمن سياق تراث الجماعة؛ إذ يُلاحظ أن قراءات القرآن طُمست على مدى الزمن، حتى أصبحت قراءة حفص عن عاصم اليوم عمليًّا القراءة الوحيدة المعمول بها باتساع، وبسبب هذه الأمور تنشأ لدينا صعوبة في معرفة النص الأصلي للقرآن.

ولعل هذه التشاؤمية التي نتحدّث بها عما يتعلّق بقيمة النقل الإسلامي للقراءات المختلفة؛ لأن ثمة سبب للشك في أن معظم القراءات المختلفة هي إنتاجٌ مُحْدَثٌ طارئٌ، خاصة أن هناك اختلافٌ كبيرٌ في معرفة تواتر هذه القراءات جميعًا؛ إذ اختلف العلماء في مسألة نقل القراءات وتواترها على خمسة أقوال:

الأول: هو قول المعتزلة، ويرون أن القراءات ليست متواترة، بل هي آحاد.
الثاني: أن القراءات فيها المتواتر وغيره، وهو قول الشوكاني (المتوفى سنة 1250ﻫ/ 1839م) نقلًا عن ابن الجزري (المتوفى سنة 833ﻫ/ 1429م).
الثالث: أنها متواترة في النقل ولكنها غير متواترة في النطق وطريقة الأداء، وهو رأي ابن الحاجب (المتوفى سنة 646ﻫ/ 1249م) وابن خلدون (المتوفى سنة 808ﻫ/ 1406م).
الرابع: أن القراءات متواترة عن القراء لا عن النبي ﷺ، وهو قول أبي شامة المقدسي (المتوفى سنة 665ﻫ/ 1267م) والزركشي (المتوفى سنة 794ﻫ/ 1392م).
الخامس: أن القراءة متواترة عن النبي ﷺ، وهو قول المتأخرين وهو رأي قالوه دون سند تاريخي.

وعلى كل حال، فإن مسألة القراءات المختلفة المذكورة في التراث الإسلامي تدفعنا إلى القول أنها وُجِدَت في مصاحف وُجِدَت قبل مصحف عثمان، ومع ذلك فثمة سبب للاعتقاد أن التباينات في كتب القراءات والمصاحف هي نتيجة نقل عن المفسرين وليست من نصوص قديمة للقرآن؛ إذ لا يمكننا تخمين شكل النص الأصلي للقرآن، كذلك فإن مدار روايات قراءات القرآن السبع جميعًا على شخص واحد هو أبو عمرو الداني عثمان بن سعيد بن عثمان القرطبي (المتوفى سنة 444ﻫ/ 1053م).
ومن ناحية أخرى، في سنة 1972م اكتُشِفَ مصدرٌ جديدٌ لمواد أساسية للبحث في تاريخ النص القرآني؛ حين اكتشف العمال ما أصبح شهيرًا الآن، أي مخطوطات القرآن القديمة المخبوءة في الجامع الكبير بصنعاء في اليمن.

إعلان

العالم الإسلامي

وقد سبَّب هذا الاكتشاف إثارة عظيمة في الأوساط الأكاديمية، ومع ذلك ما تزال شذرات هذه المخطوطات نفسها غير منشورة حتى الآن، مع أنها أُصلحت وصُوِّرت. وقد عمدت السلطات اليمنية إلى التدخل وعدم نشر هذه المخطوطات وذلك لأنها تعرّضت لضغط شديد؛ إذ نما الانطباع في العالم الإسلامي بأنها سمحت للمستشرقين المعادين للإسلام بأن يتصرّفوا في ممتلكات المسلمين الدينية! وإن كنا لا ندري كيف كان سيغيّر هذا الاكتشاف اليمني فهمنا للتطوُّر الباكر للنص القرآني. وعلى أية حال، يمتلك الباحثون الذين عملوا في المشروع منظورات أخرى؛ إذ احتج بعض الباحثون بأن شذرات صنعاء تُثبت نصًّا قرآنيًّا قياسيًّا اعتدوا به كاملًا، من ضمنه الفاتحة والمعوذتين، على الرغم أن هذه الشذرات متأخّرة؛ فهي مؤرّخة بسنة 357ﻫ/ 968م.

وأيًّا ما كان الأمر، فإن مسألة المخطوطات ليست بالمسألة الخطيرة في هذه المرحلة؛ نظرًا لأنها لن تستطيع في المستقبل أن تخدم كأساس لتعديلات في النص القرآني الأساسي، لكون المعروف والمؤرّخ منها يرجع إلى تاريخ متأخر عن القراءات. وإذا كانت المخطوطات المكتشفة هذه لن تخدمنا في مسألة القراءات فحريٌّ بنا أن نَلِج إلى مسألة أمانة القراء ودرجة حفظهم، وإذا كانت رواية حفص عن قراءة عاصم هي المعمول بنا فلا بد إذن أن نبدأ بها.

حفص عن عاصم

أما عن قراءة حفص عن عاصم، فقد خضعت لإسنادٍ إلى النبي ﷺ مثل الحديث تمامًا، أي أن القرآن نُقِلَ بالرواية كحديثٍ طويل! وهذا السند هو: رواية حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي لقراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُّلمي (المتوفى سنة 74ﻫ/ 693م)، عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأُبَي بن كعب عن النبي ﷺ. وهذا الرواية مدارها على رجال كوفيين، ولكنها كانت نادرة ولم تنتشر ولا حتى بالكوفة، ولكن أخذ أهل الكوفة رواية أبي بكر شعبة بن عياش (المتوفى سنة 193ﻫ/ 808م) عن عاصم، ولما كف شعبة عن الإقراء اضطر أهل الكوفة للأخذ بقراءة حمزة والكسائي رغم كراهيتهم لها، ثم انتشرت في العالم الإسلامي رواية حفص الدوري (المتوفى سنة 246ﻫ/ 860م) عن أبي عمرو بن العلاء (المتوفى سنة 154ﻫ/ 771م)، ولم يكن لرواية حفص عن عاصم ذكر، ثم اعتُمِدَت رواية حفص عن عاصم من ضمن القراءات الرسمية منذ قدوم أبي محمد الشاطبي وجلوسه للإقراء بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة، ثم أصبحت قراءة حفص هي المعمول بها للاعتبارات المذكورة في المقال السابق.

أما عن أمانة إسناد رواية حفص عن عاصم، فنبدأ بحفص، وهو الذي يُعتبر مدار المصحف الذي بين أيدينا الآن، فقد كان وضَّاعًا؛ يؤلف الأحاديث وينسبها إلى النبي ﷺ، فقد قال عنه شعبة بن الحجاج (المتوفى سنة 160ﻫ/ 777م): “أخذ مني حفص كتابًا فلم يرده، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها ويرويها من غير سماع!”، وقال عنه يحيى بن معين (المتوفى سنة 233ﻫ/ 847م): “ضعيف”، وقال مرة: “ليس بثقة”، وقال مرة: “كذاب”، وقال عنه البخاري (المتوفى سنة 256ﻫ/ 870م): “تركوه”، وقال عنه عبد الرحمن بن يوسف بن خراش (المتوفى سنة 283ﻫ/ 896م): “كذاب، متروك، يضع الحديث”. هذا بالنسبة لأمانته في نقل الحديث، أما عن نقل القرآن، فقد كان كذّابًا أيضًا؛ فقد قال عنه عبد الرحمن بن مهدي (المتوفى سنة 198ﻫ/ 813م): “والله ما تحل الرواية عنه”، وقال عنه ابن أبي حاتم الرازي (المتوفى سنة 327ﻫ/ 938م): “سألتُ أبي عنه، فقال: يُكتب حديثه، وهو ضعيف الحديث، قلتُ: ما حاله في الحروف (أي القرآن)؟ قال: أبو بكر بن عياش أثبت منه!”. وقال عنه ابن عدي (المتوفى سنة 365ﻫ/ 976م): “كان حفص بن سليمان وأبو بكر بن عياش من أعلم الناس بقراءة عاصم، وكان حفص أقرأ من أبي بكر، وكان كذّابًا وكان أبو بكر صدوقًا، وأحاديثه التي يرويها لا يتابعه عليها أحد خاصة عن الشعبي، فإن أحاديثه منكرات، وهو إلى الضعف أقرب”.

وأما عن عاصم بن أبي النجود، وهو الشخص الثاني في رجال حفص، فقد قال عنه يحيى بن سعيد القطان (المتوفى سنة 198ﻫ/ 813م): “ما وجدتُ رجلًا اسمه عاصم إلا وكان رديء الحفظ!”، وقال عنه النسائي (المتوفى سنة 303ﻫ/ 915م): “عاصم ليس بحافظ”، وقال عنه أبو جعفر العقيلي (المتوفى سنة 322ﻫ/ 933م): “لم يكن فيه إلا سوء الحفظ”، وقال عنه الدارقطني (المتوفى سنة 385ﻫ/ 995م): “في حفظه شيء”.
وأما عن أبي عبد الرحمن السُّلمي، وهو التابعي الذي نقل القرآن عن الصحابة، فقد قال عنه شعبة بن الحجاج: “ولم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان رضي الله عنه ولا من عبد الله بن مسعود ولكن قد سمع من علي رضي الله عنه”.

ولعل هذه الاعتبارات جميعًا أدت إلى قيام وزير الثقافة المغربي الأسبق محمد الأشعري بمنع المصحف برواية حفص عن عاصم سنة 1999م.
للحديث بقية…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...