تأخذك إلى أعماق الفكر

تأمُّلات حول القيمة والفن والأيديولوجيا

لا يمُكنني هنا أن أبدأ في حديثي عن القيمة والمعنى دون أن أتذكر تلك المُعضلة عند كتابتي لأول مرة، ما الجدوى من كتابة نص يملؤه التعقيد في مسألة لا يحفلُ بها إلا أقل القليل؟ أو ما جدوى أن أكتب من الأساس؟ ثم توالت الأسئلة حتى أغرقتني، ولا أتذكر أنني خرجتُ منها إلا بكتابة سطري الأول كما بدأتُ هنا!

سؤال القيمة هو أرض ملؤها الألغاز والمقولات والأنساق الفلسفية والأنظمة الاعتقادية الخاويةُ على عروشها، لكن فكرتي هُنا هي مُحاولة تجاوز كل هذا واللعب على التخوم دون الوقوع في براثن نسق من الإجابات بعينه، وأحيانًا بكثير من التهور والسذاجة الأولى كما يُخبرنا (بول ريكور).

حول القيمة:

يحفلُ الفكر البشريّ بالإجابة على سؤال القيمة، ويُصر دائمًا على إعطائنا الإجابة سواء كانت فلسفية أو دينية أو مزيجًا بينهما. يتحدث (أرسطو) عن الماهية أو الجوهر الذي يكون به الشيء هو ذاته ويختفي دونه، ويتحدث (أفلاطون) عن المثال المُجرّد عن جزيئاته، ويخبرنا الدين بأن الله كان هناك ولم يكُن قبله شيء أو في البدء كان اللوغوس، وتستمر تلك العلل والغايات حتى (كانط) وضربته الأهم في الموضوع بعدم مجاراة المبحث بتلك الطريقة والالتفاف عليه بشكل أبستمولوجي بالكامل وتقويض إمكانية البحث فيه، لتنتقل اللعبة وتُسائل السؤال نفسه. «فما هو معنى المعنى؟»، أو ما هو تعريف تلك القيمة على أي حال؟ وبشكلٍ ما، فالشيء في ذاته غير المُمكن معرفته عند كانط لكن ممكن التفكير فيه يصبح بلا أي معنى أو وجود عند الوضعية أو النسق العلموي بأكمله، فلا يمكننا اختباره ولا له أي مصداقية ولا أي نتيجة برجماتية على وجوده.

لكن هنا نقطة أخرى، كيف يمكننا قبول كل ما لا يُمكن معرفته أو اختباره إن كان يندرج تحت تلك الفئة من القضايا؛ أفكار مثل الجمال، العدالة، بل وحتى الحقيقة ذاتها؟ وهنا تظهر المشكلة الأهم التي تواجه عالم الأفكار حاليًا: إما القبول بالتأسيس العقلي وفروضه ومصادراته المبدئية لاستئناف الحديث عن القيمة أو عدميتها البرجماتية كما يقدمها لنا المنهج العلموي، فالمُتحف يمكن تحويله إلى صالة لبيع أهم اللوحات الفنية للأثرياء أو حتى تحويل مسار التيارات الفنية من قبل تجار المعروضات وأصحاب الجالريهات.

إعلان

ويُمكن القول بمعزل عن التعقيد الفلسفي بأن القيمة هي سلاح الإنسان الأول في مواجهة لاقيمة العالم، فالإنسان بوصفه الكائن المُدرك بأنه مُدرك والمُمتلك لوعي وذائقة حسية وبنية لغوية هي الأعقد، هو ما يصنع شيئًا من اللاشيء الموجود. فأولى القبائل التي سطّرت أعظم الميثيولوجيات والملاحم وأهم الأعمال الفنية والآلات الموسيقية وطقوس العبادة، هي التي ابتدأت المسير في عالم من “الأشياء”، بل وحتى أنها أضفت من الصفات الإحيائية للجوامد فأحالتها طواطم ومعبودات، وبحذف العنصر الإنساني يختفي كل شيء، تختفي الحقيقة حتى مع تحقق وجود العالم نفسه!

ودون العروج على (سارتر) وأسبقية الوجود على الماهية، والقيمة التي يفرضها الإنسان على العالم بوصفه محمولًا للموضوع، نقول بأن صنعة الإنسان للقيمة هو ما يحقق وجوده ووجود العالم نفسه بوصفنا جزءًا منه، فالموقف هنا لابد وأن يخالف الموقف الديني في فرض القيمة خارجيًا، فلا معنى للسؤال «لماذا نحن هنا؟» وإنما «ماذا نريد أن نفعل الآن؟» فما نفعله هو إحياء لكل ما هو مادي ليُصبح شيئًا ما ذا جدوى حتى ولو بمخيلتنا، فالكتاب دون أي قيمة إن لم تقرأه، فيمكن أن تختفي ملحمة (دانتي ألغيري) و(فاوست) و(جوته) إن لم يقرأها أحد، وأجمل المقطوعات الموسيقية فاقدة لأي قيمة وكأنها لم توجد إن لم يسمعها أحد والأمر ذاته على السينما والرسم والأفكار وغيره.

يقول (سلافوي جيجك) على لسان (فرويد): «حرية الإرادة الوحيدة هي موقف اللاوعي تجاه العالم» وتلك الإرادة الحرة الكامنة التي يحتويها اللاوعي هي كل عالمنا، بداية من الخيال fantasy وحتى الواقع بكل ما يحتويه من تمثلات بشرية وأحداث events كما يخبرنا (ألان باديو)، فالمعنى هو ما يصنعه الحدث/الفعل دون أي وجود مسبق وأزلي، وعلى أساس هذا الحدث تتجلى كل التمثلات البشرية وتمتلئ الكلمات بمعاني ومدلولات جديدة، إنه كالوقوع في الحب لأولِ مرة، القبلةُ الأولى، وقولة “لا” في تظاهُرة حاشِدة تمزق عدمية الواقع.

لتصبح القضية هنا ليست قضية غياب المعنى عن العالم، فطالما وُجِد البشر وجد المعنى، لكن القضية هي في سلب المعنى في الاغتراب وفي تسليع الواقع وإفقار الخيال، أي في احتكار الإنسان نفسه واحتكار قيمته!

حول الفن:

يُمكن القول فيما يخص الفن بوجود استحالة في تعريفه دون الابتعاد غورًا في تعريف الجمال ودون ربط الصلة بينهما ومن ثم الكثير من المصطلحات الغامضة والمثالية ودون التأكُد من أن يشمل التعريف كل ما يصدق عليه أن يكون فنًا سواء وجد من قبل أم لم يوجد، لكننا هنا بصدد طريقة أخرى في التعامل مع الفن وهي فينومينولوجية أي تصف لنا وتخبرنا بما نريد بمعزل عن أفخاخ التعريف.

فعند الحديث عن الجمال لا يمكننا تجاوز كانط بأي شكل من الأشكال وخصوصًا تحديده بأن الإحساس بالجمال وتذوقه لا يمُكن أن يكون محض حكم ذاتي وإنما وجود إمكانية لاستحسانه من قبل الآخرين أيضًا، فيقول كانط في (نقد ملكة الحُكم): «فالشخص الذي يقوم بالحكم ليس في وسعه أن يجد أن سبب تمتعه ينحصر في حالات شخصية تأتي من جانب ذاته فحسب.. ومن ثم.. فهو يعتقد أن لديه سببًا معقولًا لأن يطلب من الآخرين أن يستمتعوا بنفس القدر.. وبناءً عليه، فإنه يتحدث عن الجميل كما لو أن الجمال صفة في الشيء، وكما لو أن الحكم منطقي.. على الرغم من أنه ليس حكمًا جماليًا، ويتضمن فحسب إشارة لتمثل الذات للشيء»، ومن ثم فإصدار الحكم الجمالي على العمل الفني يضمن إمكانية أن يستحسنه المشاركون أيضًا لسبب منزّه عن الغرض النفعي أو المعرفي أو حتى التفضيل الشخصي، إنه كما يقول: «اللعب الحر للخيال»، وكأن هناك شكلًا من أشكال الحس المشترك الذي نتشارك فيه جميعًا ويحمل قيمة في ذاته سواء للخيال أو للواقع.

وعلى الرغم من موقف كانط فإن (هانز جادميرا) يخبرنا بوجود صلة أكثر فاعلية للربط بين الحكم الجمالي والعمل الفني، فإبداع العبقرية لا ينفصل عن الواقع من قبل المشاركة الإبداعية من جانب المتذوق، فهو يقول في كتابه (أهمية الجميل): «إن العمل الفني يتطلب أن يُشكله المشاهد الذي يتم عرض العمل عليه، إنه ليس شيئًا ممكن أن نستخدمه ببساطة لتحقيق غرض مُعين، وليس شيئًا ماديًا قد نختلقه من شيئ آخر، بل على العكس، هو شئ لا يتجلى ولا يكشف عن ذاته إلا عندما يُشكلهُ المشاهد». وعليه يُصبح العمل الفني رمز يمنحه قيمته كلا من خالقه ومشاهده، هي أشبه بدعوة للإنسان بابتكار قيمته ومشاركتها على كلا المستويين من السذاجة، الأولى (الاعتقاد المحض) والثانية (الاعتقاد النقد) كما يخبرنا (ريكور).

إذًا يلزم للفن أن يكون مشاعيًا في المقام الأول لطبيعته على الاتجاهين من ناحية الصانع والمُتأمل، وقيمته التي يُضفيها على الإنسان في تعزيز خياله وواقعه، ويصبح معارضاً بالمقام الأول لكل محاولات احتكاره وتسليعه ووضعه لأي غرض نفعي أو تُجاري.

وهنا نقف عند مُفترق طرق، فبين تعزيز قيمة وتحقق وجود الإنسان وبين اغترابه لصالح الأيديولوجيا، ولعل أبرز مثال على ذلك هي لوحة (فتاة وبالونة) لفنان الجرافيتي (بانكسي) والتي عرضت في مزاد بلندن وبيعت بأكثر من مليون جنيه استرليني، وبانكسي أراد إيصال فكرته عن مشاعية العمل الفني هنا، فمبجرد احتكاره علينا تمزيقه بدل أن يُمزقنا احتكاره، وليست تلك المحاولة الأولى لتخريب عمل فني جرى احتكاره فكل فن مابعد الحداثة والذي جاء تمردًا على فنون الرومانسية والانطباعية وكل التراث الفني الذي رافق الحداثة وتجلياتها، وجاء في كل الأشكال الساخرة بداية من السيريالية واللوحات الفارغة وحتى المراحيض المعروضة كأعمال فنية، ومرورًا بصور (جيفارا) على الملابس وأقنعة فانديتا التي قدمت لأول مرة كرمز اعتراض فما لبثت أن ابتلعتها الأيديولوجيا لتُصبح مُنتَجًا في مصانع يقوم عليها عمالة تحت السن القانوني أو عمالة رخيصة على أطراف العالم. لا تتوقف العملية عند الفن فقط لكنها تتجاوزه إلى الأفكار وطرق معيشتنا اليومية.

لتصبح الأيديولوجيا الرأسمالية هي ذلك الفم الذي لا يلبث أن يبتلع وجودنا ويجردنا من قيمتنا على مستوى الخيال والواقع، ويعالج اضطرابنا لذلك بمزيد من مضادات القلق والاكتئاب، ومزيد من أفلام الأبطال الخارقين الرديئة، أو مزيد من إعادة الإنتاج لبعض المدارس الصوفية والعرفانية الشرقية كنوع من الأفيون رديء الجودة، باختصار تقدم لنا الأيديولوجيا الرأسمالية الأصوات المُزيفة للمشاهدين الضاحكين في الخلفية على موقف غير مُضحِك على الإطلاق.

كمن يصنع المُشكلة ويُعيد علاجها بمزيد من المشاكل حتى تتفاقم الأوضاع ونصل إلى ما وصلنا إليه الآن، فبالتأكيد لا قيمة لأي شيء!

حول الأيديولوجيا:

يُخفِق التعريف التقليدي للأيديولوجيا بوصفها «شبكة من الأفكار المتناسقة فيما بينها والتي يُمكن تمثيلها على مستوى الواقع أي ممارستها» من متابعة الأيديولوجيا الي نعيش فيها الآن، فلا يُفترض بأحد أن يتبنى أفكار (آدم سميث) عن السوق الحرة وتفصيلاتها أو يفهم بنى الاقتصاد الرأسمالي أويقتنع بأفكار (ميلتون فريدمان) أو أو ليتبنى تلك الأيديولوجيا.

فالأيديولوجيا هنا كما يقول جيجك هي على مستوى الفعل لا الفكر، فمن خلال نكتته الشهيرة عن هايزنبرج والذي يزوره أحد زملائه فيُفاجأ بوجود حدوة حصان على منزل هايزنبرج من ثم يستعجب فيسأله: بما أنك عالم فيزياء مرموق، كيف تؤمن بجدوى تلك الرموز؟ من ثم يجيب هايزنبرج: أنا لا أؤمن بها لكن من وضعها هنا يؤمن بها فلتبقَ على أي حال! فليس بالضرورة أن تؤمن بالفكرة لكن عليك أن تمتثل بفعلها، يُمكن أن “تحتويك” الأيديولوجيا بمجرد استمرارك في الحياة اليومية العادية والتي بها يتحرك السوق وتدور العجلة.

يُجادل (لويس ألتوسير) بأن الإنسان يتم احتواؤه داخل أي نظام سياسي من خلال أدواته التقليدية كالمدرسة والكنيسة والجامعة ويُلقن الأفكار التي تجعله يعمل على إعادة إنتاج وسائل الإنتاج، ومن خلال تلك الأدوات وتلقينها للأفكار يُعرّف الإنسان نفسه ويحدد علاقاته بالعالم الخارجي، لكن جيجك يُخالفه هنا، فشرط الأيديولوجيا لاستقطاب مؤيديها هي أن تمحي أفكارهم وتدفعهم فقط للفعل، دون الحاجة للفكرة نفسها أي تُحولهم إلي آليين أو ما يسميه (ideological dis-identification). يصف جيجك المؤدلجين اليوم: «أنا أعرفُ جيدًا أن بوبك هوك\بيل كلينتون\الحفلة\السوق لا تعمل بشكلٍ عادل، لكنني سأظل أفعل كما لو أنني لم أعرف على أي حال»، فبشكلٍ ما تتلاعب الرأسمالية على فكرة حرية الإرادة الساذجة التي تقدمها فأنت لديك كامل الحرية لتفعل أي شيء لكن لا تتساءل عنه ولا تتوقف عن الفعل! فهي تنتهك عكس التقليد الفلسفي الطويل من التهكم والسلب الهيجلي والكيركجاردي بخصوص مراحل إدراك الإنسان للعالم وإرداك أنه مُدرك وتعيده إلى الحالة البدائية الأولى، حالة الانفعال المُجرد عن أي موقف أخلاقي وقيمي وديني وهي المراحل الثلاثة التي وصفها كيركجارد في أطروحته (حول التهكم) ليصبح الإنسان أشبه بـ(دون جوان) ذلك الذي لا يبذل أي مجهود في إغواء الفتيات بأكثر من مجرد اللذة، ومنعه من الانتقال خطوة واحدة تجاه أية مرحلة أعلى ليكون موجودًا أخلاقيًا وجماليًا.

فالإنسان لا يولد مؤدلجًا لكن يتم إلباسه عدسات ليرى الأشياء ويتفاعل معها كما هي على وضعها الأيديولوجي العادي، حالة (الحس العام-common sense) التقليدي، وهنا يخبرنا جيجك بأن علينا أن نُخبر أنفسنا بأننا أحرار وأن هذا الواقع مشوه وليس كما هو عليه وأن نقوم بخلع تلك العدسات ونرى العالم على حقيقته، تلك هي الطريقة الوحيدة لتحقيق وجودنا وكينونتنا دون سلبها منا، أن نرى الدولار وهو مكتوبٌ عليه «هذا هو إلهك»، عندها فقط يتوقف الإله المُزيف أن يكون كذلك!
وبالعودة إلى النقاط الثلاث كلها من القيمة للفن للأيديولوجيا، يتضح لنا زيف الموقف العدمي في الحقيقة، فببساطة نحن من نصنع القيمة كما صُنعت من قبل، أو بالمخالفة من (ماكس فيبر) فالإنسان هو السحر في هذا العالم، ونزعه يتم من خلال اغترابه وتشويه وجوده وكينونته من قبل آلة الاحتكار الأيديولوجية المُعاصرة، ليُصبح تحقيق وجوده في هذا العالم أكثر إلحاحًا، فمن خلال ما يُضفيه للقيمة التي تُبقيه هنا والآن هو مُطالب بأن يواجه هذة الأيديولوجيا ويخربها كلما استطاع، ليس فقط لأنها هي السيف المُسلط على عنقه لكن لأنها قادرة على أن تعزله عن أقرانه من البشر الذين تم احتواؤهم بالكامل داخلها.

مجددًا يتحول الفن والسينما والموسيقى والأدب وحتى الفلسفة وكل ما يصنعه الكائن ليس إلى مجرد قيمة لذاته تُخبره من هو، وماذا يُريد، وكيف يريد.. لكن أيضًا غرض لتحرير غيره من البشر ودفع هراء العدمية المقصودة هُنا إلى الوراء!

فريق الإعداد

إعداد: مصطفى هشام

تدقيق لغوي: مايكل ماهر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...