تأخذك إلى أعماق الفكر

بواكير علم الكلام

إن إنتاج العلوم والآراء الفلسفية والنظم الاجتماعية والفنون والآداب هي ظواهر اجتماعية يتَشَارك فيها كل من مُنتِجها (أي الفرد) وبيئته أو مجتمعه، فمن الناس من يغلو في إكبار الفرد حتي ليضيف له كل إنجاز في إبراز هذه العلوم، ويُفني المجتمع فيه، ومنهم من يغلو في إكبار المجتمع حتي يضيف كل شيء له ويجعله مركز استنباط وانبثاق كل العلوم والآراء، فينسى الفرد نسيانًا تامًا، وإن تذكره فيجعله مجرد أداة من أدوات البيئة ليس له إرادة ولا قوة، فأولئك يمحون الفرد محوًا كما يمحي السابقون المجتمع، بينما الثقافة هي جماع قوى الفرد والمجتمع، فالفرد قوة تختلف في قدرها عظمًا أو ضآلة، والمجتمع له الأثر الأكبر في تكوين كل إنتاجات الفرد، فليس من الصواب جعل الفرد كل شيء ومحو المجتمع والبيئة التي ساهمت في تكوينه وإنشائه محوًا، إنما السبيل هو تقدير منزلة الفرد بالتوازي مع تقدير منزلة المجتمع، وتحديد الصلات التي ساهمت في إنتاج تلك النظم الثقافية والعلمية. وإن علم كـ “علم الكلام” ليس نتاجًا خالصًا لأفراد بعينهم أو جماعات فلسفية كالمعتزلة والأشاعرة، بل إن نشوء هذا العلم كان بسبب ذوبان ثقافة المجتمع وعقيدته المستحدثة (أي الإسلامية) بثقافة الأفراد السابقة لظهور الإسلام، فكان لمنتجي هذا العلم رؤى إسلامية مصبوغة بصبغة تراثية لثقافة مجتمعهم، أي أن هذا العلم هو جماع بين ثقافتين، وامتداد لعلم اللاهوت الأسبق وليس نتاجًا إسلاميًا خالصًا؛ لأن كلا العلمين مشتركان في مبحثهما وهو بحث الصفات الإلهية وارتباطها بذات الإله وقبول ما يمكن أن يوصف به، ورفض ما لا يلائمه.

الظهور

ظهرت بواكير علم الكلام في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وذلك عقب انتشار الإسلام في البلاد المحيطة بجزيرة العرب، واستقراره فيها. وبعد نصف قرن صار له اسم مشتق من أن القرآن هو (كلام الله) وأن المشتغلين بهذا العلم، هم المهتمون بمفهوم النص القرآني، إذ أنهم (المتكلمون) في العقيدة، وهم المتكلمون في حقيقة الدين، المدافعون عن التوحيد وأصول العقيدة، ضد الانحرافات والمذاهب التي مالت عن (الأمانة) المستقيمة، وعن الدين القويم والحق الذي جاء به القرآن، وجعل الله (العقل) سبيلًا لفهمه.[1]

وقد ظهر لهذا العلم العديد من التعريفات التي أراد بها واضعوها التعريف بهذا العلم ومباحثه وفصلها عن ما شابهها من العلوم والفلسفات الآخرى:

فقال الفارابي: أنه صناعة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحمودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل من خالفها.[1]
وقال الجرجاني: الكلام علم يُبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته، وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد، على قانون الإسلام.[1]
وقال عنه البيضاوي: أنه علم يقتدر معه إثبات العقائد الدينية، بإيراد الحجج عليها، ودفع الشبه عنها.[2]
ورأى ابن خلدون: أنه علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المنحرفين في الاعتقادات.[2]
وانتهى محمد عبده: بأنه علم يبحث فيه عن وجود الله، وما يجب أن يُثبت له من صفات، وما يجوز أن يُوصف به، وما يجب أن يُنفى عنه.[2]
ولقد كان لعلم الكلام ركائزه ومدارسه الفلسفية المكتملة الأركان والفلسفات كالمعتزلة والأشاعرة، ولكن تلك الفرق الكلامية استنبطتت العديد من آرائها من سابقيها من المتكلمين، فكان لهذا العلم آباؤه المؤسسون، وهم:

معبد الجُهني

هو أول الآباء المؤسسين، وكان عربيًا من قبيلة جهينة. وقد عاش بالبصرة فسمي (نزيل البصرة) أي أنه كان يعيش في المحيط الثقافي العربي الذي عاصر المسيحية قرونًا. وامتدت حياته فترة طويلة، فشهد التحكيم بين علي ومعاوية، وناقش الأشعري وعمرو بن العاص في هذا الأمر.
ودارت بدعته (هرطقته) حول نقطة وحيدة؛ هي نفي القدر، وسمي مذهبه (القدرية)؛ والظاهر أن سبب هذه التسمية هو أن معبد كان يناقض المذهب الجبري الذي حرص الأمويون علي تعميمه بين الناس، لقبول الحكم الأموي باعتباره من الله، وأن الإنسان ليس بيده شيء لأنه لا يملك دفعًا للمقادير الإلهية؛ لأن الله له مشيئة واحدة، وإرادة واحدة، لابد أن تتحقق. فصيغ مذهب القدرية في عبارة تقول: «لا قدر والأمر أنف». وهو ما يفهم منه أن الأمر، أو السلطان، مفروض بسطوة الحكام رغم أنف المعارضين، ولا شأن لذلك بالقضاء والقدر الإلهيين، فالمفروض على الناس فرضه أناس أخرون، لهم في ذلك مصلحة. ولا يجوز تعليق ذلك على الأمر الإلهي الذي هو أنف. فالأمر لا يتم في العالم بمقتضى الإرادة الإلهية، أو المشيئة الإلهية الواحدة التي لا تتغير.[3]

إعلان

وكان علي الرغم من بدعته معدودًا من علماء القرن الأول الهجري، موصوفًا بأنه صدوق في الحديث. كما كان مشاركًا في الأحداث السياسية والثورات في عصره، واشتهر أنه قاتل الحجاج بن يوسف الثقفي، في المواطن كلها. وكان أستاذًا لأحد مشاهير علم الكلام وهو (غيلان الدمشقي) فقال محمد بن شعيب: سمعت الأوزعي يقول: أول من نطق في القدر سوسن بالعراق، كان نصرانيًا فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد. وأخذ غيلان عن معبد.[4]
وقال مرحوم العطار: حدثنا أبي وعمي، سمعا الحسن يقول: إياكم ومعبدا الجهني فإنه ضال مضل. قال يونس: أدركت الحسن يعيب قول معبد، ثم تلطف له معبد: فألقى في نفسه ما ألقى. قال طاووس: احذروا قول معبد، فإنه كان قدريًا.[4]
وكانت وفاته ما بين سنة ثمانين وتسعين هجرية، فروى عن صدقة بن يزيد، قال: كان الحجاج يعذب معبدا بأصناف العذاب ولا يجزع، ثم قتله. وقال خليفة: مات قبل التسعين. وقال سعيد بن عفير: في سنة ثمانين صلب عبد الملك معبد الجهني بدمشق.[4]

غيلان الدمشقي

عاش في مدينة دمشق ونسب إليها، ومعروف أن دمشق واحدة من معاقل العروبة في المسيحية والإسلام، وكان محاطًا في مسكنه بمناخ مسيحي عتيد. واشتهر بين جيرانه بصلاحه. وفقًا لما ذكره ابن بطة العكبري: كان قبطيًا، فأسلم. وكان على صلة بالخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز.
ومذهب غيلان هو أنه قرر ما يوافق معبدا القائل بالحرية الإنسانية، فصار يخالف في الوقت ذاته ما كان الأمويون يؤكدونه من الجبرية، ومن تقريرهم أن كل ما كان، وما هو كائن، وما سيكون مستقبلًا، إنما هو أمر الله وقدره وتقديره وتدبيره الخفي العليم. غير أن غيلان ناقضهم في ذلك حين قرر ضمنًا، أن الإنسان مختار وأنه سوف يحاسب على اختياره. وهو القول الذي توسع فيه المعتزلة من بعد، وتحول علي أيديهم إلى نظرية في الحرية الإنسانية، تضار مذهب الجبرية وترد عليه بالأدلة النقلية والعقلية، أي بالنصوص الدينية والقياسات المنطقية.[5]
و كان رأي غيلان في الخلافة والإمامة موافقًا لرأي الخوارج: “أنها تصلح في كل من يجمع شروطها، ولو لم يكن من قبيلة قريش“، مخالفًا بذلك بني أمية، فكان يقول: «كل من كان قائمًا بالكتاب والسنة فهو مستحق لها، ولا تثبت إلا بإجماع الأمة».
ومذهب غيلان العقائدي هو نظرية مستقاة من روح الديانة، ومن طبيعة الثقافة العربية السائدة في عصرة، فقد كانت آرائه كلامًا ابتدائيًا، وليس مذهبًا كلاميًا مكتملًا، أو نظرية مدعومة بأسانيد عقلية ونقلية كافية. مع ذلك رفض الخليفة (صديق غيلان) كلامه وآراءه. وكان موقف علماء السلف وحكام الأمويين موقف رفض لما استشعروا ما ذهب إليه غيلان من نقلة غريبة من الموروث المسيحي السابق، إلى الفكر الإسلامي الوليد، فكان القمع لغيلان في زمانه.[5]

وكان موت غيلان بأن قتل من قبل الخليفة هشام بن عبد الملك، فقد كان مقتله في مجلس الخلافة. روى بن عساكر في تاريخه، أن الخليفة من قبلها بسنين، زعق فيه: “مد يدك” فمدها غيلان، فضربها الخليفة بالسيف فقطعها. ثم قال: “مد رجلك” فقطعها الخليفة بالسيف.. وبعد أيام مر رجل بغيلان وهو موضوع أمام بيته بالحي الدمشقي، والذباب يقع بكثرة على يده المقطوعة، فقال الرجل ساخرًا: يا غيلان، هذا قضاء وقدر! فقال له: كذبت، ما هذا قضاء ولا قدر.. فلما سمع الخليفة بذلك، بعث إلى غيلان من حملوه من بيته، وصلبه على باب دمشق.[6]

الجعد بن درهم

هو ثالث الآباء المؤسسين لعلم الكلام، عاش بالشام (بدمشق تحديدًا)، كان تلميذًا لرجل يدعى (أبان بن سمعان)؛ ويتلخص مذهبه في أنه كان يقرر أن الله منزه عن صفات الحدوث، وكان ينكر بعض الصفات الإلهية القديمة، ومنها صفة الكلام. مما يعني أنه يرفض بالتالي القول (القرآني) بأن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وأنه تعالى كلم موسى تكليمًا. لأن ذلك لا يمكن أن يجوز حقيقة على الله. وقد كان يرى بضرورة تأويل الآيات القرآنية (التي تفيد بأن الله تعالى شارك مخلوقاته)، بما يتنزه معه الله عن صفات المخلوقات.[7][8]

وقد انبثق من موقف الجعد ومعاصريه من آباء الكلام، قضية خلق القرآن. فقد رآى هؤلاء الآباء، مثلما رأى كبار المعتزلة من بعدهم، أن القرآن (كلام الله) مخلوق، أي أنه بعبارة معاصرة: تاريخي.. ومن ثم، فقد ثارت ثائرة علماء السنة، الذين اعتقدوا أن كلام الله، صفة لله القديم! وبالغ بعض الأئمة، وقرر أن كل ما بين دفتي المصحف قديم.. وما كان آباء الكلام الأوائل، ولا متكلموا المعتزلة من بعدهم، يرضون بإلحاق صفة (القدم) إلا بالله، حتى يتفرد الله بذلك عن مشابهة الحوادث والمخلوقات.[9]

وكمثل آباء المتكلمين السابقين قُتل الجعد بن درهم قتلة شديدة الفظاعة، فقد قتله الأمير خالد بن عبد الله القسري، بجامع وسط العراق. ووقع هذا الأمر صبيحة عيد الأضحى، في الساعة التي يذبح فيها المسلمون الخراف، بعد انتهائهم من صلاة أول أيام العيد، وخطبته. وكان الجعد قبلها مسجونًا في سجن الأمير، فأخرجوه مقيدًا بالأغلال، فجر يوم العيد، وجاءوا به إلى المسجد الجامع فأجلسوه أمام الناس، تحت المنبر. وفوق المنبر راح الأمير خالد يلقي خطبة العيد، التي انتهى منها بقوله للحاضرين: “ارجعوا فضحّوا، تقبل الله منكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم”، ونزل فاستلّ سكينًا وذبح الجعد، تحت المنبر، وسط المصلين، والناس ينظرون.[6]

الجهم بن صفوان

هو آخر أباء الكلام، وأخطرهم جميعًا حسبما رأى معاصروه الذين فتكوا به، وفقهاء الإسلام اللاحقون الذين وصموه بأبشع التهم.. ولد سنة 80 هجرية، ومات ولم يبلغ خمسين عامًا. وهو صاحب أول (كلام) متماسك، لذلك عُد من مؤسسي حركة الاعتزال، وعده كثيرون (الجد الأعلى) للمعتزلة، وذلك لإنكاره الصفات الإلهية. وقد أشارت عدة مصادر، أن الجهم قابل الجعد بن درهم بالكوفة فأخذ منه ودرس عليه، وأنه ثار على حكم الأمويين مع الحارث بن سريج، وأنه هو الذي أسس ما سوف يعرف في تاريخ المذاهب العقائدية (الكلامية) بالمعطلة؛ أي منكري الصفات الإلهية؛ الذين هم بحسب التعريف القديم (النُفاة) أي الذين ينفون عن الله الصفات الملحقة به، ويرونها في حقيقة أمرها، مثلما قرر المعتزلة من بعد، هي عين ذاته. أو أنها بحسب قولهم الاصطلاحي: هي هو! وهو ما يشابه الهو هو الذي كان مطروحًا على مائدة البحث اللاهوتي (الكريستولوجي، الثيولوجي) الذي دار لعدة قرون في هذه المنطقة الجغرافية قبل ظهور الإسلام.[10] وقال عنه الذهبي أنه كان ينكر الصفات، وينزه الباري عنها بزعمه، ويقول بخلق القرآن. ويقول: إن الله في الأمكنة كلها.[11]

ومثل سابقيه قُتل الجهم بن صفوان على يد الأمير سلم بن أحوز بأصبهان، وكان لمقتله ظلال سياسية، ووقائع تتمثل في ثورته على الحكم الأموي. وهو ما كان يسمى قديمًا (الخروج) أي الخروج على سلطة الحاكم. وبالطبع لأن طبيعة العقلية العربية العملية (البراجماتية) التي كانت مهيمنة آنذاك، لم تكن ترى الأمر مجرد جدال نظري حول حقيقة النص الديني أو حول صحة المعتقدات اللاهوتية (الكلامية) فما ذلك عندهم، إلا جزء واحد من رؤى متكاملة، يجتمع فيها النظري والعملي/الديني والدنيوي/الكلامي والفعلي…[12]

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.