تأخذك إلى أعماق الفكر

المُقَنعان (قصة قصيرة)

كان الهالوين ومازال غطاءً تتخفى تحت عباءته أوجه المنبوذين، الحزانى، والمنعزلين. يتجادل كثيرون هنا وهناك إن كان احتفاله احتماءً من الأرواح الهائمة أم مجرد تقليد، بينما يعتاد الآخرون كونه احتماءً من الأحياء قبل الأموات، تخفيًا من الحياة في حد ذاتها.

تجلس ماريا هنا كل هالوين، في الميدان المجاور لمسكنها، ترتدي زي الراهبات وتضع قناعًا مخيفًا من جلد الخنزير. تحمل الحلوى، التي تعرف أنها ستأكلها وحدها في نهاية اليوم، لكن يكفيها متعةً مراقبة أوجه الناس يتفادون المرور بجانبها، يرعبهم سكونها أكثر من زيها. أحيانًا ما تقابل أحد المارة المعجب بتنكرها ويأخذ بعض الحلوى ويرحل، كانت تحب هذا الشعور أيضًا؛ كونها محطّ إعجاب على غير المعتاد.

كانت تحمل مشغل الموسيقى بحوزتها، تفوح منه النغمات الحزينة والمرعبة شيئًا ما. كانت “Mad world” عندما أتى أحدهم يرتدي قناعًا يشبه أفلام “the purge”، جلس ليشاركها أمسيتها، موسيقاها، والحلوى.
-“يمكننا المشاركة كغرباء ليس إلا، صحيح؟” قال متسائلًا.
-“سنعود غرباء في الصباح، لن يشكل فارقًا.”
-“لستُ الغريب الوحيد في هذه البلدة كما يبدو.”
-“العالم يعج اليوم بالغرباء يرتدون الأقنعة ويأكلون الحلوى. وآخرون بدون أقنعة يمارسون الخدع.”
“When people run in circles it’s a very, very mad world.” كان ما أتمت به حديثها بمشغل الموسيقى.

بدأ الصمت يكمل حديثهما، حتى أكمل المار حديثه:
-“ما الذي يجعلنا غرباء؟” تبادلا نظرات صامتة من تحت الأقنعة حتى أكمل “أقصد، لماذا لسنا جزءًا من هذا الزحام؟ لماذا هذا اليوم بالذات؟”
-“لا تريد أن تعرف، صدقني، فالحياة معقدة، وحياة هذا الزحام تمثل لي عقدة حبل المشنقة.”
-“ربما إن أخبرتني، نتشارك شيئًا ما، ولا نعود غرباء في الصباح.”
-“الحياة مثيرة للشفقة. هذا اختصار نقاش قد يدوم لساعات.”
-“نحن المثيرون للشفقة. الكثيرون مستمتعون بها، نحن الناقمون.”
-“أتعلم لماذا نرتدي وجوهًا هذا اليوم؟ لماذا نحب حرية ارتداء الأقنعة ؟”
-“نتخفى فنصير أحرارًا؟”
-“بل نتخفى فننتقل للعدم، وهنا نصير أحرارًا. الكل يتنكر حبًا في الاحتيال واستمتاعًا بكونهم آخرين. نحن نشق طريقًا للعدم.”
-“البشر متيمون بالحياة.. كيف لكل هؤلاء الاستمتاع بشيء يوقنون بقرب نهايته؟ كيف يصنعون من تراكم كل تلك النهايات أيامًا وحياةً تزحم ذاكرتهم بالكثير بما لن يتذكروه بمرورهم من هذا التراب!”

تقاطع صخب نوتة باخ مع صخب تعجّبه، بينما كان صخب ماريا يبدو سعيدًا لوجود شريك لهذه الحلوى في هذا الوقت.
-“البشر عازمون على البقاء، يحسبون دومًا أن هناك شيئًا ما آتٍ مثير للاهتمام كفاية للبقاء أحياء متيمين به، منتظرين إياه ليس إلا، شريعة البقاء لا تكمن في الوجود ذاته، بل في الفضول، وأنا هشمت الحياة كل ما كان بشريًا بي، فلا أنتظر منها شيئًا، لم أعد شغوفةً بأي شيء مادي على الإطلاق بقدر شغفي بما هو ليس كذلك، شغفي بما قد يحدث إن فنيت، بأن أثبت لذاتي أن هذا العالم ليس إلا اختلاقًا من عقلي في وسط تجربة عذاب نفسي يجريها عالِم مختل ما، وأن كل هذا الألم منبعه لا وجود له في العالم الحقيقي الذي أنا تحت التجربة فيه.

إعلان

أظن أنه قد حان الوقت لي أن أعود أدراجي، وأُعلم ذلك العالِم بنتائج تجربته، وأنها فشلت معي لكن لعلها تنجح مع الآخرين، فقط لأعلمه أن حياةً كهذه بين أسوار جمجمتي أختلقها وتختلقني لا تناسب أمثالي، فربما يجد لي وطنًا آخر أقل سقمًا، أو يُميتني للمرة الأخيرة، لأهوى راضيةً في أعماق الأبدية.”

عم الصمت الأبدي في مقطوعات موزارت حينها، كان كلاهما يتنفس حتى عمق رئتيه، يستنشق ألمه ويخرج زفيره حتى يدفئ الجو بقناعه.
تجاهلا المارة، تقدما نحو مفترق الطريق، تفرقا وذهب كل منهما ليبدأ رحلة غربته في الصباح. لم يقل الفتى إلا “شكرًا على الحلوى، ومشاركتي غربتي.” ثم تقدم كل منهما في طريقه.

في الصباح عاد الفتى ليكون “مايك”، غريب الأطوار الذي لم يعلم أحد بمشاركته في الهالوين الليلة الماضية، الذي يجهل ماهية راهبة القناع الجلدي القذر. لكن كما يبدو أن الكل -على النقيض- علم بتنكرماريا. كان حديث الجامعة عن ماريا، الفتاة التي طالما أحبها مايك، التي تعرضت لحادث مريع بعد منتصف الليل، مرتديةً زي راهبة وقناع جلدي متعفن، والحلوى التي ملأت الطريق.

حاول جاهدًا منع نفسه من زيارتها، خوفًا ألا يكونا غرباء مرة أخرى، وينتهي حبه الغريب في ظلال حادث الهالوين. لكن فضوله هزمه، فضوله ليعرف لماذا قد ينتهي الأمر بهذا الوجه الملائكي مرتديًا هذا القناع؟ لماذا قدسية وعذوبة هذا السكون قد تتجوهر في زي راهبة؟ لماذا اجتمعا من الأساس؟ أكان حديثهما عاملًا في الحادث؟ هل أحبته بقناعه كما أحبها هو دون قناعها؟ كل الأجوبة قابعة في المشفى تتلقى جلسات العلاج الطبيعي، فهمّ لزيارتها بعد صبر دام ثلاثة أيام.

جلب لها الورود وبعض الدوناتس الذي كان متأكدًا من حبها له من مراقبته لها سلفًا. تحدثا عن الحادث، كانت تعلم أنه هو، قالت له في سكون “أسمع كل الأصوات إلا صوتي بداخلي على الدوام، سمعت بما فيه الكفاية لأعلم أيهم صوت من. وصوتك برغم قلة سماعي له لكنه كان هناك في مكان ما في ذاكرتي.”.. لم يكن هذا كل ما يهمه في الأمر، كل ما أهمه أنها تعرفت على صوته، حيث أنه لم يقل أمامها إلا كلمة واحدة من قبل أثناء عبورهما الطريق: “تفضلي”، والتي دائمًا ما يجبره خياله على تذكرها، يقولها بشكل خاطئ أو مضحك، لكن تذكرها لتلك الكلمة عدل كل تلك المخاوف.

اعتبرا الأمر برمته حادثًا آخر، تقابلهما وحوارهما، كان هذا هو الحادث الأليم في هذا اليوم، كان يحمل هذا الحوار القصير ألمًا متأصلًا عن ذلك الذي سببته السيارة.
-“لماذا لا نجد سبيلًا آخر للحياة؟” قالها آملًا ألا يكون ردها محبطًا.
-“أولم نبحث بما فيه الكفاية؟”
-“وما هي كفايتنا؟ ربما هناك ما لم نبحث عنه من قبل.”
-“حسناً، رحلة ممتعة.”
-“لم أسافر دولةً أخرى من قبل.. أبي قديس، أتسلل كل هالوين لأتمشى في الأرجاء حرًا. فيصعب علي التسلل لأمر آخر.”
-“أنا كذلك، لكنه ليس إلا تكاسلًا.. تتصور أن مجرد أماكن أخرى قد تجلب لنا إكسير السعادة المفقود؟”
-“أفترض، ربما تكون كذلك، تجربة بسيطة ونتيقن.”

استقامت ماريا، بدت عليها ملامح الاهتمام لأول مرة منذ بداية النقاش، كانت تحكم الموقف نوعًا ما.
-“لنجعله اتفاقنا إذًا، نجوب المدن، وإن لم نجد السعادة يساعد بعضنا الآخر في وضع نهاية لهذه القصة.”
-“اتفقنا.” قالها بثقةِ مَن كان يعلم مدينة السعادة في هذا العالم، كأنه على وشك أن يخرج سجادة علاء الدين من حقيبته ليمتطيها ويسحب يدها برفق لترافقه إلى أرض يوتوبيا. لكن كانت كفايته ابتسامة.
كان هو من حدد موعدهم القادم لإخراجها من المشفى، وبدءا رحلتهما. وقد كان كل شيء كما رُتّب له.
تنقلا أحيانًا بوسائل مواصلات، وأحيانًا سيرًا. أعجبا بالبرية، وبالأشجار، وموسيقى الشوارع، وأحيانًا بالشوارع ذاتها ودور العبادة. كان كل شيء يبدو جميلًا ما دام لن يدوم إلا لبضع دقائق. رفضا هذه الفكرة من البداية، وقال مايك إنه من الخطأ وضع هذا الافتراض في مخيلتهما وإلا فسد الأمر برمته. كانا يتلاشيانه بالرغم من تكراره في كل مرة، إن جمال كل شيء كان بالنسبة لهما في قرب فنائه، أو في قصر مداه.

جلسا هذا اليوم في الحديقة العامة، يتأملان أشجار التوت في صمتهم المعتاد، يتساءلان إن كان هذا آخر معالم الجمال في المدينة، وإلى أي مدى سيدوم جميلًا. كان مايك مقتنعًا حينها أنه خسر المعركة، وأن ماريا كانت على صواب.. دائمًا على صواب.

-“لنفترض أن أرواحنا ستحوم في الأرجاء بعد انتهاء هذا الأمر، هل ستبحث عني؟”
-“إن كان، وقد لا يكون، سأكون غريبًا في العالم الآخر على حد سواء. فبالتأكيد سنلتقي كغرباء هناك كما حدث هنا، فالعوالم إن كانت بهذه الكثرة، ستعيد كرتها بكل تأكيد.”
-“إذًا فلننهِ الأمر، ربما تكون مخطئًا، وهذا أملي، ويكون العالم الآخر نقيضًا لهذا العالم.”
-“أو سنهوي في قاع الظلام للأبد، ولا تُعرف هويتنا مرة أخري.”
-“متى سنبدأ رحلتنا الختامية؟”
-“غدًا؟ أفكر في تأمل شجرة التوت حتى الصباح، لعل ما ألهم ذاك العجوز في “طعم الكرز” يلهمني وأبدل حديثي، أو تبدلين حديثك فتوقظيني.”
وافقته بابتسامة للسماء، ظلت السحب تتبدل على شجرة التوت، وظلت أغصانها الرقيقة تهتزّ كأنها ترسم السحب، وظل الغريبان ينتظران، أتحمل مرارة التوت أملهم الأخير؟

-تمت-

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: آمال رشاد

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.