تأخذك إلى أعماق الفكر

المسبار باركر “موعد مع اكتشاف أسرار الشمس”

المغامر الصغير يتجه للشمس

” ثلاثة، اثنان، واحد. انطلاق” كانت هذه هي الصرخة التي أطلقها معلّق ناسا مع انطلاق المسبار باركر على متن صاروخ (دلتا4 – هافي) من قاعدة كاب كانافيرال في فلوريدا، يوم الأحد الموافق 12 / 8 / 2018 م. وبالرغم من إطلاق مسبارات سابقة في اتجاه الشمس إلا أنّ باركر يُعتبر أول مركبة فضائية مصممة لعبور الغلاف الجوي للشمس من أجل الكشف عن ألغاز الرياح الشمسية وعن بعض الألغاز الأخرى، على أن تستمر لمدة سبع سنوات. وكان من المقرّر إطلاق المسبار يوم السبت الموافق 11 / 8 / 2018 م إلا أنّ مسؤولي ناسا كانوا قد قرّروا تأجيل إطلاق المسبار قبل دقائق من انطلاقه لمدة 24 ساعة بسبب اندلاع إنذارٍ من خزان الهيليوم إثر مشكلة في الضغط . وأُطلِق على هذا المسبار هذا الاسم نسبة إلى عالم الفيزياء الفلكية الأمريكي يوجين نيومان باركر.

لماذا تم إطلاق باركر؟

لنتعرف على سبب إطلاق المسبار باركر يجب أن نعرف بعض الحقائق عن الشمس.

الشمس هي النجم المركزي في المجموعة الشمسية وهي تقريبًا كروية الشكل وتحوي بلازما حارّة متشابكة مع وجود الحقل المغناطيسي. يعادل قطرها 109 مرة من قطر الأرض، وكتلتها أكبر بـ 330000 مرة من كتلة الأرض، وتشكل 99% من كتلة المجموعة الشمسية.

من الناحية الكيميائية، يشكّل الهيدروجين ثلاث أرباع مكونات الكتلة الشمسية، أما البقية فهو هليوم مع وجود نسبة ضئيلة من العناصر الأثقل متضمنة (أكسجين وكربون ونيون وحديد) وعناصر أخرى. وتعتبر الشمس نجمًا غنيًا بالمعادن والمعادن الثقيلة مثل الذهب واليورانيوم، وهذا ما دفع العلماء للاعتقاد أنّ الشمس تشكّلت نتيجة تحفيز موجات تصادمية من مستعر أعظم أو أكثر (وهذه من الأمور التي لم يكتمل فهم العلماء لها). للشمس هالة تتمدّد بشكل مستمر في الفضاء وهو ما يعرف بالرياح الشمسية، وهي عبارة عن جسيمات مشحونة ولذلك فهي تؤثر على الأجهزة الإلكترونية وأجهزة الاتصالات على الأرض.

أما حافة الغلاف الشمسي فتمتد إلى 100 وحدة فلكية (الوحدة الفلكية هي متوسط المسافة بين الأرض والشمس) وبذلك فإنّ الغلاف الشمسي يتخطى الأرض بمائة مرة ضعف بعد الشمس عن الأرض.

إعلان


بما أنّ الشمس في حالة بلازما -وليس الحالة الصلبة- فإنها تدور بسرعة أكبر عند خط الاستواء (المنتصف) وبسرعة أقل عند القطبين (الأطراف).

كما أنه وفقًا لتحليل مسبار سوهو الذي تمّ إطلاقه سابقًا فإنّ النواة تدور بسرعة أكبر من سرعة دوران المنطقة الإشعاعية. تنتج الحراة من الشمس نتيجة تفاعل الاندماج النووي خلال سلسلة من التفاعلات تسمى بسلسلة تفاعل بروتون-بروتون؛ وفي هذه العملية تندمج أنوية الهيدروجين لتنتج الهيليوم .

ويوجد دورة أخرى لا ينتج عنها سوى 0.8% من الطاقة الشمسية تسمى دورة كنو (كربون – نيتروجين – أكسجين)، وهما تسببان كمية الحرارة الهائلة لباطن الشمس التي تبلغ 15 مليون درجة مئوية. وجدير بالذكر أنّ التفاعلات النووية تتوقف بعد 30% من نصف قطر الشمس.

تنتقل الحرارة من داخل الشمس للخارج عن طريق طريقتين، الأولى نقل حراري بالإشعاع والثانية نقل حراري بالحمل. تتشكل في مكان الاتصال ما بين المنطقة الإشعاعية ومنطقة الحمل طبقة انتقالية تعرف بخط السرعة أو تاكولاين، وتتميز هذه الطبقة بتغير حادّ في نظام الدوران؛ مِن دوران منتظم في المنطقة الإشعاعية إلى دوران تفاضلي في منطقة الحمل. وهذا يؤدي لإجهادات قصّ عالية (مثل التي تحدث في الزلازل على سطح الأرض) تسبب في انزلاق الطبقات فوق بعضها. وبما أنّ هذه الطبقات عبارة عن ذرات متأينة فيؤدي ذلك لتولد الحقل المغناطيسي للشمس حسب فرضية الدينامو الشمسي (وهذا الحقل المغناطيسي يحتاج لدراسة أكبر).


نأتي الآن لأحد عجائب الشمس وهي أنّ درجة حرارة السطح تبلغ 6000 كلفن، وعند مقارنة درجة الحرارة هذه بالطبقة الثانية من الغلاف الجوي الشمسي وتدعى طبقة الغلاف الملوّن (الكروموسفير) وترتفع درجة الحرارة في بدايتها إلى 20000 كلفن وتصل في نهايتها إلى مليون كلفن ويمكن رؤية هذه المنطقة بوضوح في السماء بأجهزة الأشعة فوق البنفسجية. مع ذكر أنّ الطبقة الأولى من الغلاف الجوي للشمس تنخفض فيها الحرارة عن سطح الشمس حتى تصل 4100 كلفن وعن طريق الخطوط الطيفية تم اكتشاف وجود الماء وأول أكسيد الكربون بها.

إذن لماذا عادت درجة الحرارة للارتفاع في الطبقة الثانية وبهذا الشكل الكبير؟ وهذا من الأسباب التي ربما سيجيبنا عنها باركر.

الأجهزة التي أرسلها العلماء مع المسبار باركر:

من الشرح السابق نستطيع توقع مهمة المسبار باركر ومعرفة نوعية الأجهزة عليه وهي كالتالي:
1 – جهاز “فيلدز”، ويستخدم لمحاولة فهم شدة حرارة الشمس في طبقة الغلاف الجوي الثانية التي تصل لمليون درجة.
2 – جهاز “سويب”، ويتقصى أسرار الرياح الشمسية.
3 – جهاز “إيسويس”، يدرس الأيونات الثقيلة وكيف تكونت. واهتمام العلماء بهذه الأيونات لأنها تحمل قدرًا كبيرًا من الطاقة ومن الممكن أن تكون لها آثار قاتلة على الرحلات المأهولة للمريخ.
4 – أخيرًا جهاز “ويسبر”، وهو لمراقبة سطح الشمس عن قرب.

يتبقى أخيرًا أن نعرف كيف سيتحمل المغامر الصغير باركر هذه الحرارة المهولة. فالمسبار سيصل منطقة تصل درجة الحرارة فيها لملايين الدرجات الكلفينية، ولكن بسبب الكثافة القليلة فإنّ عدد الأيونات التي ستصطدم وتنقل الحرارة إليه ستكون قليلة نسبيًا وبذلك ستصل درجة الحرارة على المسبار إلى ١٤٠٠ درجة كالفينية. وبعد ذلك تتكفل درع حرارية من الكربون حماية المسبار وأجهزته ولن تزيد درجة الحرارة داخل المسبار في هذا اللهيب عن ٢٩ درجة مئوية.

إعلان

مصدر المصدر المصدر المصدر
فريق الإعداد

إعداد: أحمد محمد

تدقيق لغوي: ضحى حمد

تدقيق علمي: محمد حسنين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.