تأخذك إلى أعماق الفكر

كتالوج الإنسان

وبرغم كل هذا، أظن أن الأسوياء العقلاء قد ترسو في النهاية اختياراتهم على شريك جنسي واحد أو اثنين، أو الاكتفاء بجنس الزواج فحسب كبوابةٍ للتعفُّف. فإن كان الجنس يشبه الطعام في ضرورة إشباعه لتلافي مخاطر ثورة الغرائز غير المشبَعة، فإنه يختلف عن الطعام في التأثيرات النفسية والهرمونية له. لو أكل الرجل يومًا لحمًا ويومًا فولًا ويومًا مكرونة، فلن يتعرض لنفس التغيرات العقلية والعاطفية التي سيمر بها الذي يمارس الجنس مع ناهدٍ يومًا، ومع عجزاء يومًا، ومع فتاة ناعمة الشعر يومًا. الجنس سوف يظل دائمًا له طبيعة خاصَّة، لأن العنفَ فيه أظهر، وتحييدَ العنف فيه أصعب. لا بأس بإشباعه، لكن الإفراط ضارٌّ بالذهن إلى أبعد مدى. يكفينا دليلًا أن الإبداع في حقيقته ممارسة جنسية لم تتم، فتسامى المبدع بعدم الإتمام على الفعل العنيف. القصيدة جِماعٌ لم يتم. الأغنية تأوُّهاتُ غُنجٍ لم تُسمَع. الرواية هزة أورجازم ارتسمت تكشيرتها الغنية بالدلالات على صفحاتٍ محاطةٍ بغلاف أنيق!
وسوف يكون معيار الحكم في المستقبل أولًا وأخيرًا هو النفع الذي سيعود على المجتمع. من لا يجد القوت سيمرض، وليس عليه جناح إن لجأ إلى أي سلوك عنيف ليشبع غريزته. ومن لا يجد الجنس سيُجَن. وأرجو أن يتذكَّر القارئ حوادث اغتصاب الأطفال والفتيات البشعة، لكي يعلم أن منظومتنا الاجتماعية الهشَّة هي المجرم الحقيقي في هذه الحوادث. لو كان الزواج مشروعًا أكثر جدية من مجرَّد متنفَّس جنسي، وكان الجنس أخًا للطعام والشراب، لاختلفت الحال كثيرًا. ليس التحضُّر سهلًا، ويجب أن يُقِرَّ كلُّ شخصٍ بأن الارتقاء عن الطبيعة (الفطرة/الغريزة) يحتاج عقلًا حكيمًا، قادرًا على الجمع بين المتناقضات قبل البحث في مواطن التآلف.

أرى كذلك في المستقبل توسُّعًا في تفاصيل عقد الزواج. سيصبح للزواج شروط مفصَّلة مثل عقود النشر والإيجار وتأسيس الشركات، تتضمَّن كلَّ تفاصيل (مشروع) الزواج، بدايةً من التزامات الزوجين، حتى الأوضاع الحميمة بينهما!
ستصبح لكلِّ رجلٍ وامرأةٍ (كراسة شروط)، وسيحدُّ هذا الإجراءُ – بلا شك – من سلوك (الطلاق) الذي يشكِّل عائقًا دون تنشئة الأطفال على وجهٍ سليمٍ. العقد شريعة المتعاقدين، فلماذا أولينا العقودَ أهميةً كبيرةً في المشاريع التجارية والصناعية، وأهملنا المشروع الأهم والأخطر؛ مشروع إنتاج البشر وتنشئتهم؟!
لو لم يطوِّر البشرُ عقائدَهم ونُظُمَهم الاجتماعيةَ بنفس معدَّل تطوُّرهم العلمي، فسوف يكون المستقبلُ أشدَّ قسوةً، وستزداد تحدياتُنا تشابكًا وتعقيدًا. فمتى نتوقَّف عن عبادة القدماء؟!

نرشح لك: البلوغ والجنس في الدين والمجتمع

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.