تأخذك إلى أعماق الفكر

المخ المرن

في دماغ كلٍّ منا، منطقة من الخلايا المسؤولة عن ربطِ الإشارات الحسيّة التي يتلقّاها المخّ مع ردودِ الفعل الحركيّة والسلوكية، ثمّ حفظِ تلك الروابط في نظام معيّن أقرب إلى الكتالوج في الذاكرة. ولطالما اعتُبِرت الروابط بين تلك الخلايا ثابتة ومستقرّة للغاية.

إلا أنّ نتائج دراسة حديثة أُجريَت في كليّة الطبّ بجامعة هارفارد جاءت مناقضة لما تعارف عليه علماء الأعصاب حول العالم، وكشفت أنّ الخلايا العصبية المسؤولة عن مثل هذه المهام قد تكون أقلّ استقرارًا، وأكثر مرونة مما كان يُعتَقَد سابقًا. نُشِرت الدراسة في 17 أغسطس في مجلة الخلية journal Cell المتخصصة وألقت ظلالًا من الشكّ حول الفكرة التقليدية التي تقول بأنّ عملية تكوين الذاكرة تتضمن حفظ المعلومات في كيانٍ ثابتٍ مستقرّ.

شبكات عصبية مرنة:

يقول الباحثون أنّ النتائج تشير إلى مرونةٍ بالغةٍ في الشبكات العصبية داخل المخّ مما يسهّل عملية إضافة معلومات جديدة إلى تلك الشبكات. وأضافوا أيضًا أنّ السماح لتلك الشبكات العصبية بدمج المعلومات الجديدة مع تلك المحفوظة مسبقًا يقلّل الحاجة إلى إنشاء وصلات جديدة بين الخلايا في كلّ مرة. وأكثر من ذلك فقد اكتشف الباحثون أنه عندما تنتهي حاجة الإنسان لأحد المعلومات المخزّنة في الذاكرة عندها، يمكن إعادة تنظيم الخلايا العصبية المسئولة عنها في أداء مهامّ أخرى بداخل المخّ. ويقول كريس هارفي -الأستاذ المساعد في علم الأعصاب في كلية الطب بجامعة هارفارد- “هذا النوع من الاقتصاد في استخدام الموارد داخل المخ يأتي من التوازن الدقيق بين عملية إضافة معلومات جديدة والحفاظ على تلك الموجودة سابقًا”.

فئران في متاهة:

خلال دراسة كليّة الطب بجامعة هارفارد، أجرى الباحثون تجاربهم على مجموعة من الفئران، قامت بالجري مرارًا وتكرارًا خلال متاهة افتراضية، تتضمن طريقين للخروج، وذلك على مدى مدار شهر كامل.

وبتحليلٍ لصور النشاط الدماغي للفئران المشاركة في تحديد الطريق داخل المتاهة، لاحظ الباحثون أنّ الخلايا العصبية _في المناطق المرتبطة بالتجوال في المتاهة_ لمْ تستقر في تركيب مستقرّ، بدلًا من ذلك لوحظ أنّ مجموعة الخلايا تلك؛ قد واصلت التغيّر طوال الدراسة.

إعلان

في الحقيقة، قامت تلك الخلايا العصبية بتبديل الأدوار في نماذج الذاكرة وتَرَك بعضها المهمة تمامًا، ليتمّ استبدالها بخلايا أخرى.

مرونة غير متوقعة:

فبعكس التوقّع السابق للباحثين، أنه بمجرّد تكوين روابط ذكريات التجوّل داخل مخّ الفئران، فسوف تظلّ هذه الروابط مستقرة على مدار بضعة أسابيع. ورغم أنّ الباحثين لاحظوا أنه في أول الأمر أمكن تمييز الخلايا العصبية التي تنشط عند اتخاذ أحد طريقي  الخروج من المتاهة؛ عن تلك التي تنشط عند اتخاذ الطريق الآخر..

إلا أنّ الأمر تغيّر تمامًا بعد مرور عدة أسابيع، حيث فوجئ الباحثون أنّ الروابط بين الخلايا العصبية المرتبطة بكلّ مسار بدأت في التفكّك وربما بدأت بعض الخلايا العصبية في الخروج من الشبكة المرتبطة بمسار معين، بل وربما ترتبط بالخلايا العصبية للمسار المقابل. بل وعندما أعاد الباحثون تصميم المتاهة وإضافة طريق ثالث بدأت الشبكات كلها في التغير.

ومن هنا تأكد الباحثون من أن الروابط بين الخلايا العصبية المسئولة عن التعلم والذاكرة هي روابط  مرنة تسمح بتعلم الجديد كل يوم.

ويفترض الباحثون أن تلك المرونة تختلف من موقع لآخر في المخ، اعتمادا علي مدى حاجة المهارة أو المعلومة المكتسبة للتعديل.

التعلّم ليس نقشًا على الحجر:

يأمل الباحثون في إجراء المزيد من الأبحاث والوصول إلى صورة متكاملة حول تكوين الذاكرة وتخزين المعلومات عبر مناطق المخ خلال الأنشطة المختلفة وما يصاحبها من عمليات اتخاذ القرار.

وفي النهاية، يقول الدكتور هارفي:

“لديّ أمل كبير أن تلهم نتائج البحث البشرَ ليعيدوا التفكير في الذاكرة والتخلّص من فكرة الذاكرة الثابتة، فمرونة الذاكرة ترتبط كثيرًا بعملية التعلّم المستمرّ خلال الحياة”

تدقيق: إسلام عشري وضحى حمد

إعلان

مصدر مصدر الترجمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.