تأخذك إلى أعماق الفكر

الفلسفة الرُّشدية

قراءة في فلسفة ابن رشد

أبو الوليد محمد ابن رشد هو فيلسوف قرطبة الملقَّب بـ”الشارِح” وهو أحد الرموز البارزة والمؤثّرة في التاريخ الإسلامي والفلسفة الإسلامية، لُقِّب بالشارح لتفسيره أرسطو وفلسفته، وإعتُبِرَ أفضل شارحي أرسطو ومفسّريه؛ فقد حصر جهوده بتناول مؤلّفاته بدراسةٍ عميقةٍ ومقارنةٍ دقيقة؛ فذهب ملخّصًا مذهبه بإيجازٍ تارة، وبإطنابٍ مرّاتٍ كثيرة، ولذلك وصلت الفلسفة الاسلامية ذروتها بأعماله، وفنت وانحدرت بعد موته؛ فبجانب إنتاجه لشروح “المعلم الأوّل” أنتج فلسفته الخاصّة التي تمزج بين الإسلام كعقيدةٍ والفلسفة كتصوّر، وتأثّر بأرسطو في أكثر الأحيان، ولكنّه حاول التوفيق بينه وبين الإسلام فعانَى في ذلك أشدّ المعاناة، وفي هذه السطور نبذل جهدًا مضنيًا في التعريف بفلسفة هذه الشخصيّة وتحليلها وذلك نظرًا لتأثيره -أي ابن رشد- في الفكر الاسلامي والعربي من جهه، والفكر الفلسفي الأوروبّي من جهه أخرى.

المادّة وخلق الكون

اعتقد ابن رشد بقِدَم المادّة وبنى فلسفته على أزليّتها، وهي من أهمّ المسائل التي شغلت أذهان المفكّرين السابقين له واللاحقين على حدٍ سواء، ومقتضى هذا الاعتقاد أنّ المادّة الأولى التي صُنِعَ منها الكون كانت موجودةً بذاتها منذ الأزل، وإلّا  وجب أن يقال بأنّ العالم صُنِعَ من العدم، وهذا قول لا يقبله العلم. ولذلك افترض ابن رشد وجود هذه المادّة افتراضًا؛ إذ ليس في الإمكان إقامة الدليل علي وجودها، وبالمثل وقع ابن سينا في هذه المشكلة؛ أي العجز عن إقامة الدليل علي وجود المادّة قبل خلق الكون، ولكنّه تخلّص منه بتقسيم العالم إلي قسمين: قسمٌ ممكنٌ وقسمٌ واجب. فالقسم الممكن ما كان حدوثه ممكنًا إذا افتُرِضَ  حدوثه، والقسم الواجب ما كان حدوثه واجبًا بنفسه ولا يحول شيئًا دونه، وقد وُضِعَت مادّة الكون في القسم الممكن.[1]

ورأى أنّ في خلق الكون رأيين متناقضين من أراء المتكلّمين؛ قول بعضهم أن الكون نشأ بالنموّ الطبيعي، وقول البعض الاخر أنّه خُلِق خلقًا أي أُوجد من العدم. حيث أنّ أنصار النموّ الطبيعي عندهم أنّ الخلق هو عبارةٌ عن توالد الكائنات وخروجها بعضها من بعض. والفاعل عندهم في ذلك لا وظيفة له غير تسهيل هذا الخروج والتوليد؛ فهو إذًا بمثابة محرّكٍ لا غير. وأمّا أنصار الخلق فعندهم أن الفاعل يُوجِد الشيء من لاشيء؛ أي من غير أن يحتاج إلى مادةٍ ولا نموّ.
فالرأي الأول مفاده أنّ قوة الإيجاد والخلق موجودةٌ في الفاعل، ولكن لا يمكن خلق الشيء إلا من شيء؛ فوظيفة الفاعل هنا إيجاد الهيئة أو الصورة التي يجب أن تُخلَق المادّة بها، ولذلك يدعونه «واهب الصورة» وهذا مذهب ابن سينا.
بينما الرأي الثاني مفاده أن الفاعل في الخلق والموجِد تارةً يكون متّصلًا  بالمادة، وتارةً يكون منفصلًا  عنها. فالمتّصل بها كالنار التي تولد النار علي سبيل الاتصال، والمنفصل عنها كالنبات والحيوان. وكان هذا مذهب الفارابي.[2]

بينما يوجد مذهبٌ ثالثٌ وهو مذهب أرسطو؛ ومفاده أنّ الفاعل الموجِد يوجِد جملة المادة وصورتها معًا، وذلك بتحريكها تحريكًا يسهل لها الخروج من حيّز القوة إلى حيّز الوجود، وليست وظيفة الفاعل في هذا المذهب إلَّا مسهّلًا  لها ذلك الخروج وعاملًا. على الاتصال بين المادة والصورة؛ فكلّ خلقٍ إذًا إنّما هو عبارةٌ عن حركةٍ سببها الحرارة، وهذه الحرارة متى انتشرت في الماء والتراب تولّدت منها الحيوانات والنباتات، والطبيعة تخلق هذا الخلق بهذا الترتيب البديع، كما لو كانت مسوّقةً إليه بعقلٍ رفيع، مع أنّها خاليةٌ من العقل، وتلك القوّات التي يتمّ بها الخلق والإيجاد والتي هي ناشئةٌ عن حركة الشمس والكواكب، وتأثيرها في العناصر هي ما كان أفلاطون يسمّيه «العقول» ومن رأي أرسطو في هذا المذهب أن الفاعل لا يخلق الصورة خلقًا؛ لأنّه لو كان ذلك صحيحًا لصحّ خلق الشيء من لاشيء.[3]

ورأى ابن رشد أنّ التغيير داخل نظام الكون أزليّ، لذلك يستلزم حركةً أزلية؛ وهذه تحتاج إلي محرّكٍ أزليّ، ولو كان العالم حادثًا لتحتّم علينا القول بوجود عالمٍ آخر حادثٍ نشأ منه، ولو كان العالم ممكنًا لتحتّم علينا القول بوجود ممكنٍ آخر نشأ منه، ولذلك يذهب ابن رشد إلى القول بأن العالم كلٌ  متحركٌ  منذ الازل، وتلك ضرورةٌ تضمن لنا إمكان الوصول إلي إثباتٍ موجودٍ مفارقٍ للعالم؛ محرّكٍ له منذ الازل، وهذا الموجود، بإيجاده تلك الحركة الدائمة بإيجاده لنظام العالم البديع، خليق بأن يسمي مُوجِد العالم.[4]

إعلان

الاتصال  بين الكون والخالق

إن الاتصال بين الكون والخالق برأي ابن رشد ينطوي تحته مبدأن:
الأوّل قوله: إن السماء حيوانٌ حيٌّ مطيعٌ لله بحركته الدورية، ومنه يظهر أنّ العالم إنّما هو عبارةٌ عن أجرامٍ تدور في الفضاء في أفلاكٍ خصوصيةٍ وحركاتٍ دورية. وبما أنّ هذا الحركات لا تنشأ إلا عن نفسٍ  تحرّكها وتديرها، وإلّا  كانت الحركة أفقية أو عمودية؛ فقد وجب أن يكون هنالك نفسٌ  محركة، ولكن هذه النفس ليست هي الله لأن الله منزَّهٌ عن الاتصال بالكون، وإنّما هذه النفس هي ما يسمّونه العقل الأول؛ فالعقل الأول هو محرّك العالم وأوّل ما خلقه الله في العالم. وقد استشهد ابن رشد على ذلك بقول القرآن أنّ الرّوح هي أوّل مخلوقات الله، وقال: إنّ هذه الرّوح هي العقل الأوّل، ومن هذا العقل تفرّعت العوالم، وهذا العقل متّصلٌ  بما يصدر القوّة والحركة إليها؛ فالكون إذًا متصل به لا بالله، وإنّما المتّصل بالله العقل الأوّل الذي يستمدّ القوة منه.[5]
وبناءً على ذلك ينتج المبدأ الثاني فلا يكون لله علمٌ بالجزئيات التي تحدث في العالم، وإنّما يكون له علمٌ بكلّياته أي إجمال الأشياء وأنواعها لا مفرداتها، بل أنّ الله يعلم الجزئيّات، ولكنّه يعلمها (بعلمٍ غير مجانسٍ لعلمنا بها) وذلك لأنّ (علمنا معلولٌ  للمعلوم به؛ فهو محدثٌ بحدوثه ومتغيّرٌ بتغيّره، وعِلمُ الله بالوجود على مقابل هذا فإنّه علّةٌ للمعلوم الذي هو الموجود؛ فمن شبّه العلمين أحدهما بالآخر فقد جعل ذوات المتقابلات وخواصّها واحدة، وذلك غاية الجهل).
وإذا كان الله تعالى لا يعلم الجزئيّات إلا بعلمٍ غير مجانسٍ  لعلمنا فذلك دليلٌ علي أنه لا يجبر العالم مباشرة؛ فشأنه في ذلك شأن حاكم المدينة، هو مصدر النظام فيها، ولكن ليس له مداخلةٌ مباشرةٌ في كل شأنٍ من شئونها، ولو كان الله يدير العالم مباشرةً أي يدبّر بنفسه كلّ حركةٍ من حركاته الجزئيّة والكليّة، فإنّ الشرّ في العالم يكون صادرًا عنه، فأعظم تكريمٍ وتقديسٍ  لله هو اعتبار عنايته بالكائنات من قبيل الناموس الثابت الموضوع لها؛ ففي هذا الافتراض يكون كلُّ خيرٍ في العالم صادرًا عنه، وكلّ شرٍّ في العالم صادرًا عن المادة أو الانسان.[6]

الاتصال بين الانسان والخالق

إنّ هذه المسألة من أهمّ المسائل التي دارت حولها فلسفة ابن رشد، وتتفرع إلي مسألتين؛
الأولى هي اتصال الإنسان بالعقل الفاعل بطريق الفكر، والثانية هي اتصاله به بطريق الحواس.
فيقول ابن رشد: في الكون مادةٌ وعقل، والعقل نوعان؛ نوعٌ فاعلٌ  عام، ونوعٌ منفعل. فالعقل الفعّال العام جوهرٌ منفصلٌ عن الإنسان، وهو غير قابلٍ للفناء ولا الامتزاج بالمادة؛ بل هو الشمس الذي تستمدّ منه كلّ  العقول. والعقل المنفعل هو عقلٌ في الإنسان مستمدٌّ من العقل العام الفاعل الذي تقدَّم ذكره. وبما أنّ العقل المنفعل مستمدٌّ من العقل الفاعل؛ فهو ميّالٌ  دائمًا للاتصال به والانضمام إليه. ولذلك تنزع نفس الانسان الى البارئ، ولكن ميل العقل المنفعل (أي الانسان) على الاتصال بالعقل العام لا يكفي وحده لحدوث هذا الاتصال؛ فإنّ  العقل المنفعل لا يتصل بذلك العقل العام بمجرد قواه الطبيعية، بل يجب تعليمه طريق هذا الاتصال. إنّ العقل المنفعل يصل على العقل العام، وهو ما يسمّونه العقل المكتسب أو المستفيد، ولولاه لما قدر الانسان أن يعلم شيئًا، ولكن هذا العقل المكتسب ليس سوى نتيجة ميل العقل المنفعل على العقل العام، ونزوعه الى الامتزاج به. والطريق الذي يستطيع به العقل المنفعل الوصول الى العقل العام والاتحاد به أي معرفته حقّ معرفته هو العلم، فبالعلم يقف الانسان على كل شيءٍ ويصير عارفًا كالبارئ بكلّ  شيء.[6]

الخلود

إنّ فلسفته للخلود مأخوذةٌ من فلسفة ارسطو، فيوضّح أن العقل نوعان: نوعٌ فاعلٌ  ونوعٌ منفعل، ولكن النوع الفاعل هو النوع الاصليّ؛ لأن المنفعل أو المفعول مستمدٌّ منه. فالفاعل إذًا أرقى من المفعول، والفاعل هو عقلٌ  بريءٌ من المادّة وغير قابلٍ للامتزاج بها أو للفناء. وأمّا العقل المنفعل؛ فهو قابلٌ للفناء.[7]
وظهر مما تقدّم من كلام ابن رشد أنّه يريد بالعقل الفاعل ما أراد به أرسطو؛ أي المصدر الذي يستمدّ منه العالم القوة والحركة يعني العقل الأول الذي هو مصدرهما. فالعقل البريء من المادّة والمفارق للإنسان أبديٌ  خالدٌ لا يفنى، وهذا قولٌ لا خلاف فيه. والعقل المنفعل هو الإنسان نفسه أو العقل الذي في الإنسان. وهو غير خالدٍ خلودًا منفردًا بنفسه، وإن كان خالدًا خلودًا بجوهره؛ فالعقل الذي استمدّه الإنسان من واهب العقل لا يعيش بعد الموت مستقلًا  وحده، كما يعتقد العامة؛ بل له حياةٌ أخرى  مجهولة، ذلك لأنّ العقل الفاعل لا يفنى من حيث نوعه؛ لأنّ جوهره خالدٌ أبديّ، وإن كان فانيًا من حيث الإنسان الذي أودع فيه.[8]

إنّ لابن رشد مذهبًا خاصًّا في وحدة العقل في العالم، وبيانه أنّه يعتقد أن كلّ  عقلٍ في كلّ إنسانٍ مصدره واحد، وماخوذٌ من نبعٍ واحد، وهو العقل الأوّل العام. فالعقل في كل إنسانٍ هو واحد، وهذا المذهب يجعل للانسانيّة عقلًا  واحدًا وهو ما سُمّيَ «عقل الانسانية»، وبحسب رأي ابن رشد فيه يكون هذا العقل خالدًا في الأرض  دون سواه؛ أي أن الإنسانيّة تبقى في الكون متعاقبةً قرونًا بعد قرون، واجيالًا  بعد اجيال؛ فهي خالدةٌ بالحياة لا بالموت.[9]

شذرات

  • إنّ مناظري ابن رشد من المتكلّمين كانوا يقولون إن الله يصنع الخير؛ لأنّه يشاء صنعه، وهو يشاء صنعه لا لسببٍ داخليٍّ لازمٍ وسابقٍ لإرادته؛ بل عن إرادةٍ مطلقةٍ غير مقيّدةٍ بسننٍ ونواميس، ولذلك قال لهم ابن رشد: إنّ مذهبًا كمذهبكم ينقض كل مبادئ العدل والحق، ويهدم كل قواعد الدين التي يقولون بأنّهم يدافعون عنها، وأما حرية الإنسان؛ فهو يقول فيها: «إنّ الإنسان غير مطلق الحرية تمامًا ولا مقيِّدُها تمامًا، وذلك أنّه إذا نُظِرَ إليه من جهة نفسه وباطنه؛ فهو حرٌ مطلق؛ لأنّ نفسه مطلقة الحرية في جسمه، ولكن إذا نُظِرَ إليه من جهة حوادث الحياة الخارجيّة كان مقيدًا بها لما لها من التأثير على أعماله» وهو يقول: إن هذا هو السرّ في أن القرآن يجعل الإنسان تارة مختارًا وتارة مقيدًا. وهذا المذهب وسطٌ بين الجبرية والقدرية.[10]
  • أمّا فلسفته السياسية فهي مبنيّةٌ على فلسفة أفلاطون، وخلاصتها أنّه يجب إلقاء زمام الأحكام إلى الشيوخ والفلاسفة ليديروها بقسطٍ وعدل، ويجب حثُّ الناس على الفضائل بتعليمهم البيان والعلوم التي تثقف العقل، أمّا الشِّعر وخصوصًا الشعر العربي؛ فإنه مضرّ، ولعلّه رأى أن الشعر العربي مُضِرٌّ لما يكون فيه أحيانًا من الغزل الذي يجرُّ إلى التهتُّك ورغبته في إفناء روح الجاهلية.[10]
  • ومن رأي ابن رشد أن الحاكم الظالم هو ذلك الذي يحكم الشعب من أجل نفسه لا من أجل الشعب، وأنّ شرّ الظلمِ ظلمُ رجال الدين، وأنّ أحوال العرب في عهد الخلفاء الراشدين كانت في غاية الصلاح.[11]
  • أما رأيه في النساء فإنه يرى أن الاختلاف الذي بين النساء والرجال إنما هو اختلافٌ في الكمّ لا في الطبع؛ أي أنّ النساء طبيعتهُنَّ شبيهةٌ بطبيعة الرجال، ولكنّهنَ أضعف منهم في الأعمال. والدليل على ذلك مقدرتهنَّ على جميع أعمال الرجال كالحرب والفلسفة وغيرهما، ولكنّهُنَّ أضعف من الرجال فيها، على أنهنَّ قد يفُقن الرجال في بعض الأمور كفنِّ الموسيقى مثلاً.[11]

إنّ أغلب  الاراء والنظريّات التي تعتمد عليها فلسفة ابن رشد متأثّرةٌ بشكلٍ كبيرٍ بفلسفة أرسطو والتي نُقِدَت وأُثبِتَ خطأ أغلبها ووُضِّحَ عدم ملائمة هذه الأراء لعصرنا الحاضر، ولكن على الرغم من ذلك فلا أحد ينكر أهمية ابن رشد في النهضة بالفكر الفلسفيّ الإسلاميّ والعربيّ من جهة، وتأثيره في الفكر الأوروبيّ وخاصةً في الفلسفة الأسكولائية من جهةٍ أخرى وأيضًا الفلسفة المسيحيّة، لذلك وجب تقديره كشخصيّةٍ بارزةٍ في طريق النهضة الفلسفيّة ووضع أراءه في أُطُرٍ تاريخيّةٍ للعصر الذي وُجِدَ وُلِدَ وبرز به.

نرشح لك: ابن رشد وأسطورة نظرية ازدواجية الحقيقة

[1]. فلسفة بن رشد - فرح أنطوان صفحة 16
[2]. المصدر السابق صفحة 17
[3]. المصدر السابق صفحة 18
[4]. تاريخ الفلسفة في الإسلام - ت.ج.دي بور صفحة 384
[5]. فلسفة بن رشد - فرح أنطوان صفحة 19
[6]. المصدر السابق صفحة 20
[7]. المصدر السابق صفحة 23
[8]. المصدر السابق صفحة 24
[9]. المصدر السابق صفحة 25
[10]. المصدر السابق صفحة 34
[11]. المصدر السابق صفحة 35

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.