تأخذك إلى أعماق الفكر

إشكالية التطرف الديني بين العصر والنص

قراءة تحليلية للتطرف الديني "العوامل والمسببات"

ومن بعد علوّ الطموح والآمال في الربيع العربي وتغيّر مجرى الأحداث وتحولها إلى خريف ذابل الحصاد، رَسّخت تلك الفترة حالة من الهزيمة والإحباط نتجت عنها حالة شعورية جمعية بالفشل وعدم الجدوى من التغيير، ومن هنا يكون أقصر طرق العجز هو خيار العنف، ولذلك وجدنا تلك الفترة هي الأكثر قابلية للترويج والانضمام للتنظيمات العنيفة، وهنا، لا أتحدث عن سبب نشأة تلك الجماعات “القاعدة/ داعش .. أو غيرها” (لذلك بحث آخر)، ولكن لأبيّن مدى تزايد التفاعل الملحوظ خلال فترات سقوط الربيع العربي، فبالطبع أعضاء المجتمع الأكثر رفضًا للواقع والأشد عجزًا عن تغييره، تُمثّل لهم تلك التنظيمات طوق نجاة يستوعبهم من حالة الهزيمة ويعيد تجديد الأمل داخل نفوسهم، ولكن ذلك يتطلب وجود بديل فكريّ يجذب الثقة ويُشكل المثال الأفضل من الوضع وتعويض ضياع الهوية، ومن هنا ننتقل إلى
المحور الثقافي والاعتقاد الديني:

ومما سبق من تكوين صورة عن صيرورة وجدلية الواقع وعن طبيعة العنف وتبدياته في شكل الرفض السياسي والاجتماعي، يأتي دور البنية المعرفية والموروثات الثقافية، كامتداد لعوامل نشأة ظاهرة التطرف الديني، ويتمثل المحور الثقافي هنا في جانبين:

  • القالب المُشكِل لسمات شكل فعل العنف (التطرف) -ويترتب ذلك بناءً على أبعاد الظاهرة الدينية الخاصة- حيث أن الفهم الديني السائد يعبر عن طبيعة شمولية، مما يُحبِّب الحسّ الطائفي والتعصب الناتج عن الاعتقاد بامتلاك المعرفة والصواب المطلق.
  •  العامل المحفّز والمحدد لقابلية تبديات العنف من الجانب القيمي، وهذا الملمح يربط الحاجة للعنف كضرورة في السياق السياسي والاجتماعي والنسق الفكري، ولذلك يحتاج لقيمة ثقافية تُضفي المشروعية على الأفعال العدوانية والمتطرفة، بالإضافة إلى تحديد عنصر الجدوى من ذلك (هدف/بديل) .

ولأن المعتقد الديني هو المصدر الأساسي للتكوين الثقافي للمجتمع، ومع التقدم والتنمية من حولنا، يُطمس الوجدان المجتمعي في حالة من فقدان الهوية الثقافية التي يؤمن بفاعليتها وصلاحيتها اللامنتاهية، وتكون هذه الحاله النفسية الكامنة والمستشرية -في الشعور بالحنين للماضي “نوستاليجيا”- وتحقيق فترة المثال المنشود -صدر الإسلام- (حقبة الجيل الأول في عهد النبوة والخلافة الراشدة” ومفهوم السلف الصالح) ولذلك كان الحنين لنقل مظاهر الماضي للحاضر هدفًا أسمى لاسترجاع الذات المفقودة- وهذا الفكر الارتكاسي قابع برجعيته في الوعي الجمعي للمجتمع، فالتاريخ المعروف عن الخلافة الإسلامية وفترات الهيمنة والتوسع، يجعل الموروث الثقافي والمعرفي-الاعتقاد الديني- ذا مكانة تاريخية فاعلة.

ومن هنا، يكون مدى العنف وملامحه مستمدًا من النصوص المرتبطة بسياقها التاريخي -مفهوم الجهاد[٧]، ومع نسبية مدلولات النصوص وتأويلاتها وخضوعها لعلاقة جدلية مع الفهم البشري -باعتبار الظرف المكاني والزماني- ويكون شكل العنف المشرعن المستمد من النصوص الدينية- مخالفًا لقيم العصر الحالي ولشرعية الدولة النظامية، وذلك كما بينّا لاعتماد نفس قيم العصور المنقضية، وتلك الرجعية الارتكاسية هي سمات الفهم الديني الأصولي والشمولي السائد الذي يمثل احتكارًا مطلقًا للمعرفة والصواب، ويتجلى ذلك في كلّ مظاهر حركات التطرف، سواء ضد الأقليات والطوائف المختلفة أو ضد الإبداع والتقدم الساري، ويسطر التاريخ الإسلامي كمًا حافلًا باستخدام العنف المفرط ضد الحكم السياسي(الخلافة) -الخوارج أول جماعة سياسية معارضة انتهجت أسلوب العنف لتحقيق أرائها “العدل والشورى” فيما يتعلق بأسلوب الحكم- أو استخدام العنف من جراء الاحتجاج على النمط الاجتماعي “اللاعدل” مثلما فعلت فرقة القرامطة.

-أقصى مراحل التطرف في استخدام العنف و”أسلمة الإرهاب[٨] “:-

يرتبط مفهوم الإرهاب بأفظع مظاهر الدموية وأقصى حالات العنف إفراطًا وتطرفًا، ولكن نجد أن استخدام كلمة “الإرهاب” مُقتصر على الدلالة الخاصة للعنف الإسلاموي، وذلك مما يعبر بوضوح عن وضع اصطلاحي يفرضه التوجه السياسي للكيانات النظامية، التي تقوم بإضفاء عملية تصنيف وحصر للعنف والتطرف -الغير شرعي- لخلق ذرائع ومبررات لاستخدام العنف المؤسسي والدولتي -الشرعي- ومن ورائه غرض المصالح الاقتصادية والسياسية، والحفاظ على السطو والهيمنة لقوى الإمبريالية، ولا يجيء بالاستخدام الدلالي من الجانب المعرفي والمعياري، بل إنما لأغراض كامنة تظهر أثارها في الممارسات السياسية للعنف الدولتي. وهذا السياق الخطابي الغربي، الذي يُعلن ويعلي من قيم الحقوق والحريات، ويضفي أشكال العقلانية على النمط الحداثي الغربي في الإدارة والفلسفة السياسية، له صيغة خطابية تحمل ظاهرًا وكامنًا، الشكل الظاهر يُستفاد من خلاله في إيهام الشعوب الغربية بإعلاء إرادة الحرب على الإرهاب بادعاء نصرة الإنسانية وحماية الحضارة، أما الكامن من وراء الخطاب، تأتي وراؤه السياسات الإمبريالية.

إعلان

بيد أن الخطاب الغربي يتجاهل عن عمد، عامل الأزمة في سياق الوضع العربي والذي يقف بدوره عائقًا أمام التحرر من التبعية وفرض الإرادة، سياسات تغزو وتعتدي وتتحكم، وتتملص وتخفي العنف الظاهر وراء محاربة الإرهاب.

واصطلاح الإرهاب يقع في “اختزالية مفرطة”؛ اختُزلت مشاهد العنف والتطرف في مظاهر العنف الإسلامي، والذي بطبيعة الحال يُصدّر صورة إدراكية نمطية عن الإسلام كَدِين بأنه مصدر ومنبع التطرف في الخطاب اليميني الغربي، وهذا ما أنتج حالة الذعر والخوف من كل عربي أو مسلم -إسلاموفوبيا- في الخيال والانفعال الشعوري الجمعي في الغرب، ونجد ذلك في صورة التعامل مع المهاجرين في الذهن الغربي والاوروبي [٩]. وهذا التأطير للعنف، يُبعد الأنظار عن الإرهاب الرئيسي وأصل الفعل ويهتم بناتج الفعل، فالقياس المقارن بين أحداث العنف المتطرف -عنف الدول المبرر ضدّ عنف الأفراد والجماعات المحلل- لن يصل بالطبع، لحد جرائم مثل استخدم النابلم في فيتنام، وقذف الشعب الأفغاني والعراقي، واستباحة دماء ملايين الأبرياء أو إلى أحداث الإبادة في رواندا! ماذا يسمى هذا؟! إرهاباً أم أحداثًا عرضية! وهل يتّسق دعم وتمويل الانقلابات والديكتاتوريات القمعية، ومساعدة حكوماتٍ ترتكب جرائم بشعة وواسعة النطاق ضد الإنسانية، هل يتسق كلّ هذا مع دعوات حماية الإنسانية!
وبهذا يُستعمل الاصطلاح لسلب الإرهاب الإمبريالي إجرامه، وقصره في نطاق الردة الإسلامية!

.. ” والعنف الارهابي-النظامي- الحديث يرفس الشكل الهمجي والغوغائي من العدوانية-البدائية والبربرية – ويجعل إستعماله في شكل بيروقراطي منظم ومرتبط بوسائل الكفاءة والدقة وفصل المشاعر وتحييدها لأغراض عملية .. ”

والمصالح الغربية وثيقة الصلة مع الاأنظمة العربية ، وتتحدد طبيعة السياسات بارتباطها بالمصالح الإقتصادية-كالنفط – [١٠]

-إرهاب الهوية

-والتاريخ الحديث للعنف الإسلاموي يكشف بوضوح الإرتباط الوثيق بالسياق السياسي في الحاضنة لطبيعة الهوية ، فإرهاب الهوية رد فعل جدلي على الارهاب الإمبريالي العالمي والإرهاب النظامي الدولتي ، وذلك بالإتفاق على طبيعة الموروث والفهم الديني
السائد-ارتكاسي/تقليد أعمى-والذي يحتفظ بمفاهيم عفى عنها الزمن وتطور العصر والمعرفة -الحاكمية لله/صالح لكل زمان ومكان- والذي يتضمن نزعة تبشيرية شمولية-الخلافة/جهاد الطلب- وسمه البنية الثقافية قائمة على التوحد حول مفهوم واحد-حقيقة مطلقة-وذلك يعبر عن رفض التنوع والازدهار ، وتقبع الهوية الثقافية بذلك في التخلف الحضاري .

.. “إنَّ الهويَّة الثّقافيَّة التي يمكن أن تكون ذات تأثير هائل ورئيس في سلوكياتنا وتفكيرنا لا تقف معزولة عن التَّأثيرات الأخرى، بل هناك أشياء أخرى تؤثّر فيها مثل الطّبقيَّة والعنصر والنَّوع والمهنة والسياسات.”[١١]

وكما أشرنا في النظر بين عوامل ظاهرة العنف الديني، والتأثير الجوهري للمناخ البيئي السياسي في تفعيل الهوية المتآكلة من جراء عوامل التعرية الزمنية، وذلك لأن الواقع الموضوعي يفرضها كمرجعية ثقافية متاحة.

.. “إذ قد ينتج عن بعض الهويّات فكر دموي وخطاب إقصائيّ وعنف رهيب، و”النزاعات الوحشية قد تتغذّى من وهم الهويّة”. [١٢]

فالقمع الملحق على الإسلاميين في حكم عبد الناصر، كان مناخًا مناسبًا لتكوين حالات الانفصال الشعوري والإحساس بالاغتراب عن المجتمع والدولة، والكفر بالوضع السياسي والاجتماعي وقدرته على تمثيلهم بطرق شرعية، فنجد مفكرًا كسيد قطب ينقلب به الحال داخل سجون ناصر -بكتابه: معالم في الطريق- الذي ألّفه في ظل وضع قاسٍ داخل السجون وتحت وطأة التعذيب، واستقى قطب تلك الرؤية من المفكر الهندي “المودودي” والذي كان يعاصر فترة ما قبل تقسيم الهند -باكستان- كأقلية في هذه البلاد -تحت الحكم الاستعمار البريطاني/ الحكم الهندي.
ويُعدّ كتاب قطب مرجعية للتطرف الإسلاموي المعاصر وأيقونة في التأصيل الجهادي الراديكالي -(التكفير والهجرة) و(الجهاد) و(الشّوقيين) و(القطبيين) و(طالبان) و(بوكو حرام) و(داعش)- وتأتي نشأة جماعات التكفير حينها من سوط الجلّاد والإقصاء -شكري مصطفي (مثالًا)/سجون سوريا والعراق- وهذا الأثر النفسي لواقع الظلم والاضطهاد، يؤدي بدوره إلى واقع اضطهاد لضحايا جدد.

وبذلك تتحدد مسألة إرهاب الهوية على بواعث ثقافية وسياسية، الأمر الذي ينتج فكرًا إقصائيًّا دمويًّا مرتبطَ الصّلة بالظاهرة ككلّ.

ومن المهمّ توضيح أنّ التحليل محلّ البحث، لا يقلّل من أثر إشكاليات الموروث وجمود الفقه وقصور آليات الاجتهاد القديم مع مقتضيات العصر، وإنما هو محاولة لوضع فاعليةِ كلّ أثر في سياق بنائه التركيبي محلّ الظاهرة بما يتناسب مع السياق الموضوعي والتاريخي. أما موضوع أزمة الخطاب الديني -كونه محور هامّ في الحفاظ على بيئة خالية من التعدد والاختلاف- والتي تعبّر بالفعل عن عقبات في قضايا التعايش وقبول الآخر، مما يجعل تقدم وتطور المجتمع موقوف، وبالرغم من أننا نرى بالفعل أن التراث يقف وراء عديد من الأحداث كعامل مباشر للتطرف (طائفية وتحريض) ولكنها تكون، على الأغلب، بشكل عرضي، إذ يرجع ذلك لقوة الأنظمة السياسية وترابط منظومة المال، مما لها القدرة على التلاعب بالعامل الديني.

أما تداول العامل الديني والثقافي، كعامل رئيسي وسبب مباشر لظهور حركات الجهاد الراديكالي (المتطرفة) في المنطقة، فينطوي على الكثير من عدم الاتساق مع نسق تحليل وترابط العوامل الآنف ذكرها، فادّعاء أنّ السبب الجوهري يكمن فقط في وجود نصوص تحضّ على العنف، تحليل قاصر وغير كافٍ لشرح مظاهر الأحداث وارتباطها -كما لو كان الافتراض على العكس أيضًا- فالتعامل الموضوعي يتناول دراسة المعتقدات الدينية كظاهرة إنسانية واجتماعية قابلة للتغير والتطور وحتى الاندثار؛ فإذا نظرنا إلى ديانات غير شمولية كالهندوسية (لا تبشيرية)/ والبوذية سنجد بعض مظاهر التطرف منذ عقود، وذلك بالرغم من خلوّ الديانتين من أي نصوص محرّضة على التطرف؛ ولكن، كما أشرنا، كلّ حدث مرتبط وناتج عن مسببات من جدلية الواقع مثل احتكاك الهندوسية بالديانات الشمولية مما أوجد بعض التناحرات والتطرف. ومن ناحية أخرى، فإن قياس دوافع نشأة الحركات المتطرفة بالتماثل مع نشأة حركات التوسع (ما يسمى الفتح العربي) يقع في نفس المغالطة، التي تتصورها تلك الجماعات من إقامة السابق على الحاضر.

ولذلك نأكد ختامًا:-

أنّ التطرف الديني كأحد مظاهر العنف حدث مركّب، وبعد عرض عدة جوانب، ألقينا الضوء على العوامل المباشرة والتي ترتكز على غياب التمثيل السياسي وفقدان الهوية واللاعدل الاجتماعي، والتي أدت لخلق مساحات كبيرة من الرفض الجذري للمنظومة ككلّ، إقليميًا ودوليًا، فيرجع الجوهر ولبّ ظهور حركات العنف المتطرف إلى الردة على مظاهر فرض الثقافة والتبعية وسلب الهوية، والتطرف المشرعَن، من قِبل الدول العظمى، وكلّ ما شهدناه من جرائم جماعية. وهذه البيئة تنسجم بشكل ملائم مع أحادية الثقافة المجتمعية الغارقة في التقليد، فتمثّل هوية تخلّف، وما كان لكل عاجز وغريق غير الاستنجاد بالماضي العريق والتاريخ المسطر، وهنا تكون دور البنية الثقافية الارتكاسية -الرجعية- المعيقة للتقدّم والنموّ، والتي تقوم بشرعنة عنفها بناء على الحسّ والديني والمقدّس.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.