تأخذك إلى أعماق الفكر

إشكالية التطرف الديني بين العصر والنص

قراءة تحليلية للتطرف الديني "العوامل والمسببات"

إنّ تبدّيات أحداث العنف الصّاعد والمنتشر في المنطقة العربيّة خلال العقود الماضية، وكلّ ما تشهده الحقبة من وطأة حدّة الصّراع السّياسي، وتصدر التيّارات الدينيّة للسّاحة السياسيّة خصوصًا مع نسيم الربيع العربيّ، والذي أدّى إلى اتّساع رقع العنف الراديكالي الدائر في مناطق بؤر صراع الربيع العربيّ، والذي أعطى مؤشّرًا أكثر وضوحًا لشكل منحنى الأزمة في الواقع العربي.

وتكمن الأزمة في طبيعة التساؤل الدّائر، حول جوهر وأصل الأزمة، الذي يؤطّر الرؤية على اقتصار الباعث إمّا على أيدولوجيا الإسلام السياسي وإشكاليات التراث والعصر أو في طبيعة صراع الواقع والاستبداد وعدم التمثيل السياسي؟!

ولتمهيد طريق الكشف عن العوامل -نشأة العنف الديني المنظّم- لتقديم فرصة لفهم موضوعي ومترابط للظاهرة، يقتضي البدء من تعريف العنف كظاهرة إنسانية مُركّبة عامة، وذلك لتنسيق وترتيب العوامل وربط المقدّمات بالنتائج وتفاديًا لمغالطة البَعدِية “حدث قبله إذًا هو سببه” ومن ثمّ نَسبُل لمحاولة توضيح مسبّبات نتائج الوضع الحالي ودوافعها، ويتسنّى لنا بعد ذلك تفكيك عوامل ظاهرة التطرّف الدّيني لبلورة صورة مترابطة تعبّر عن جوهر الأسباب الرئيسية لتكوين العنف الدّيني، ولذلك فقبل محاولة استقراء الوضع وجمع طلاسم المشهد العامّ، يجب أن نبدأ من تعريف سلوك العنف في العالم، ومن ثمّ الولوج منه إلى الجانب السياسيّ وتحديد أثر تبدّياته.

*العنف اختصارًا، كحركة تنمّ عن حالة عدم الاستقرار والتسبب بالأذى للغير، فهو فعل القسر والإجبار والتعسّف في استخدام القوّة سواء من “فرد/جماعة/دولة” على نظيرها، ونكتفي هنا بالتعريف العام دون عرض أشكال وصور العنف ودرجاته، ونقف من خلال مفهوم العنف لنسبل أغوار ظاهرة العنف في التاريخ.

*تاريخيًا: سلوك العنف والقوة، لازم البشرية منذ مطلع نشأتها- الانسان العاقل الأول “Homo sapian” – ونتناول هنا طرحين بارزين في علاقة العنف بالتاريخ، الأول: القول بأنّ “العنف مدشّن التاريخ” وعبر عن ذَلِك تومس هوبز[١]، عندما ربط ظهور التاريخ بنشأة الاجتماع واعتبر حياة الإنسان قبل ذلك مجرد طبيعية حيوانية تسودها حالة العنف المعمَّم، فلا وجود لسلطة تكبح النوازع العدوانية وتقنن التنافس في صراع البقاء، ويشترك سيجموند فرويد[٢] في نفس طرح هوبز؛ حيث يرى الإنسان كائنًا عنيفًا وعدوانيًا بطبعه، وذلك على اعتبار أنه محكوم بغرائز فطرية وأهواء تُحتّم عليه القيام بسلوكٍ ذي نزعة عدوانية قصْدَ إشباع حاجته حتى إن العقل لا يكبح ذلك، ولذلك اعتبر هوبز العنف مؤسس الاجتماع والدولة التي تحتكر العنف وتملك سلطة تجعل من العنف مؤسسي، وتبنّى فرويد ذلك أيضًا في تحليل وجود المؤسسات الدينية.

إعلان

أمّا الطرح الثاني فيعرِض العنف كظاهرة داخل التاريخ وعبر عن ذلك كارل ماركس[٣]، بالتأكيد على أنّ العنف وليد الصراع الطبقي، فبعد مجتمعات المشاعة الأولى وانقسامها إلى طبقات تتمثل في الطبقة المستغِلة والطبقة والمستغَلة (أسياد ضدّ عبيد، إقطاعين ضدّ أقنان، وبرجوازية ضدّ بروليتاريا) ومن خلال التحليل الماركسي يتحدد العنف في شكلين “السياسي والاقتصادي”، ويكون العامل الاقتصادي صاحب الدّور الأساسي كمحرك لتطور المجتمعات، ومع الاختلاف في التحليل لدور العنف في التاريخ، إلا أنّ العامل الواضح لدينا في كون العنف ظاهرة إنسانية مركبة ومتعددة الجوانب والتغييرات، ولا يمكن تفسيرها بمتغيّر أو عامل واحد فقط، فالمؤكّد أنّ هناك مجموعة من العوامل تترابط بعضها على بعض شرطًا أو عرضًا، وتتفاعل وتتأثر بطبيعة المعطيات سواء بالإيجاب أو السلب.

العنف المُشرعَن

وكما أوضحنا أعلاه أنّ مع ظهور الدولة بدأ العنف المؤسسي، واحتكرت الدولة القوة واستخدام العنف، وسلبت الجماعات والأفراد الحقّ في استخدامه؛ وذلك بإضفاء عملية شرعنة من المجتمع لحقّ الدولة في الانفراد به، واستنادًا لتعريف ماكس ڤايبر[٤] للدولة- بأنها هي التي تدّعي احتكار العنف المادي المشروع، ويجب أن تتمّ عملية الاحتكار بإضفاء الشرعية والمبرّر لاستخدام العنف-وداخل الدولة يتصارع المجتمع حول السّلطة وتتنافس الطبقات، ومن ثمّ نجد أطروحات مثل الماركسية تشرعن العنف الثوري من قِبل البروليتاريا، والمقاومات للاحتلال والاستبداد تشرِّع في وقتٍ ما حقّ الاغتيال السياسي، على سبيل المثال، ومعظم الثورات تقوم على مظاهر العنف المندلع منها ،فإذًا، العنف هنا يمثل أداة رفض واعتراض ووسيلة للضغط لتحقيق أهداف معينة “سياسية أو اقتصادية …” ويأتي اللجوء للعنف كخيار نهائي وضروري في حالات الرفض المطلق والراديكالي، ويكون لروادها بالطبع رؤية وشرعنة لذلك.

عوامل تحليل العنف:-

ونؤكّد أنه لا يمكن إرجاع ظاهرة العنف إلى عامل محدَّد، ولذلك لا يمكن فهمها إلا في سياق تركيبها، وسنحاول قراءة وعرض الواقع من خلال ما تيسّر من النظر في العوامل بالترتيب والحركة التالية:
-العامل السياسي والاقتصادي
-العامل الاجتماعي “sociology”
-العامل النفسي “psychology”
-العامل الثقافي والديني(الهويّتي)

وقبل السّرد الاستقرائي للعوامل، ولتكوين قوام التطرّف الديني، يجب التنويه إلى أنّه من الهامّ التمييز بين الأسباب المباشرة الفاعلة لحدث التطرّف وبين تلك العوامل غير المباشرة، والتفريق بين أصل ومحور الأزمة وبين الأسباب والعوامل البنائية الكامنة والتي تعتبر بمثابة المظهر أو الحافز والشرارة، فواقعة تعذيب الشاب خالد سعيد قبل الثورة المصرية لا تعتبر سببًا مباشرًا لاندلاع الثورة ولا حتى بسبب ارتفاع الأسعار، ولكن يكمن ذلك في مجموعة من الأسباب المتراكمة والمترابطة بالواقع أدّت بالأزمة للانفجار من شدة الضغط، ويجب التنبيه إلى أنّ التأثير النسبي لهذه العوامل ليس واحدًا بل يختلف من دولة إلى أخرى طبقًا للاختلافات والتمايزات المرتبطة بالتركيب البنيوي.

الطبيعة السياسية والاقتصادية:-

‎ ويبدأ العرض التحليلي من المشهد العام والعالمي، عالم السياسة والنظم الاقتصادية، حيث هيمنة القوى العظمى والشركات والعولمة وفرض القوى للتبعية سياسيًا واقتصاديًا، والسعي الدائم للحفاظ على التوسع والهيمنة، وطبيعي أنّ السياسة التوسعية عبر التاريخ أخذت شكل تطوّر الواقع، من الغزو المباشر المعلن إلى السيطرة والتبعية غير المعلنة، من همجية وغوغائية العدوانية والبربرية إلى النظم الڤيبرية والعقل الأداتي.

‎في العصر الوسيط والتوسّع العربي الإسلامي ومن بعد السيطرة والغزو على أيدي الإسبان والبرتغال، ومن ثمّ عصر الثورة الصناعية وهيمنة الإنجليز والفرنسيين (الإمبريالية الجديدة) وما بعد الكولونيالية وعصر الذهب والدولار (مؤتمر بريتون وودز)، والسّطو الأمريكي، وكلّ ذلك من نزعات البشر من أجل السيطرة والتفوق لا بدّ أن يصاحبه الجشع في امتلاك القوة المادية والاقتصادية التي تمكّنه من فرض الهيمنة، وذلك عبر إخضاع أكبر قدر من مصادر الموارد تحت السيطرة والنفع سواء المباشر أو غير المباشر، وبما أن الاحتلال المباشر أصبح غير مناسب للعصر وحقوق الأمم وتقرير المصير، فيكون المناسب نزع الاستقلال الذاتي عن أحقال النشاط الاقتصادي ومصادر الموارد، والاستفادة من استمرار بؤر الصراع في بعض المناطق، والارتباط بمصالح مع طبقات حاكمة شمولية وفي الأغلب تكون عسكرية..

..الإدارة السياسية انعكاس للمصالح الإقتصادية..

الغزو من خلال المشاريع والشركات، والسيطرة بحجّة المساعدات الدولية وتخفيف الفقر والبؤس وكلّ هذه الشعارات من الإيثار، ما هي إلا أَثرة للذات، وهذا الشكل الإمبريالي الحديث في استعباد الشعوب من أجل الموارد والطاقة، و تحويل البلاد إلى عنقود من العنب يختار منها ما نفع (حليف وتابع وحقل موارد ومشاريع وربح)- هذا حكم الشركات الذي قسّم العالم إلى مناطق اقتصاد نوعية تخدم كل منها على حدة أغراض وأهداف الشركات الأمريكية- ( فنزويلا والخليح والمكسيك للنفط، أمريكا اللاتينية للعمالة الرخيصة، الصين للاستهلاك)، ولذلك تستخدم الإمبريالية منظمات كـ صندوق النقد والبنك الدولي كأداة تضغط من خلالها على دول العالم الثالث، لفتح أسواقها أمام الشركات متعددة الجنسية والعولمة التجارية، وكل ذلك من مظاهر استغلال البلاد التي أسموها “النامية” -موارد طبيعية وعمالة رخيصة- هي التي تزود مشروعات وأنشطة الشركات التجارية “حكم الشركات Corporatocracy” [٥] واستمرار تتابع السيطرة على الشرق الأوسط بالهيمنة الاقتصادية والتدخل السياسي والتجزئة والتفتيت والإغراق في المديونية، وتقسيم العالم لقطاع متقدم وقطاع نامي ومتخلف، وسيادة أنظمة ديكتاتورية تحكم بالقبضة الأمنية وفزاعة الخوف، كلّ ذلك يخلق حالات رفض اجتماعي وحالات للاحتقان داخل المجتمعات العربية (كنموذج)، وتتشكل من رحم الحالة والمعاناة حركات مقاومة بأيدولوجيات مختلفة ناقمة ورافضة للسطو والهيمنة والتبعية ومعارِضة لسلب الإرادة والاستقلال السياسي غير المباشر، وقهر وقمع الاستبداد السياسي العسكري، واحتجاجات أخرى تندلع من تبعات التراجع المعيشي والفشل الاقتصادي والتنموي. وقد جاءت رياح الربيع العربي تعبيرًا عن روح التغيير والتعبير عن الذات والتطلّع لأهداف كثيرة مفقودة، وظهور العنف مع الثورات بتفاوت نسبي، يكون ناتجًا بالأصل عن حالة اضطراب واحتقان من وضع ما.
ومن هنا ننطلق خلال الوضع الاجتماعي.

العامل الاجتماعي

يتحدد المنظور الاجتماعي على قدر سمات ملامح الشكل السياسي والاقتصادي الموجود، فيرتبط التوازن الاجتماعي باستقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية، وتحقق حالة توازن داخلي، تجعل المجتمع في وضع سلم واستقرار، ويظهر ذلك بناءً على درجة الصراع ومعادلة القوى الداخلية وتأثير الهيمنة من الخارج، فكما سبق القول أنّ العنف يؤدي لوضع غير مستقر، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الوضع كان مستقرًا بالأساس، بل على العكس، يغلب أن يكون ناتجًا عن حالة غضب متراكم واحتقان كامن، ينفجر من شدة الضغط، وهذا ما شهدناه في حركات الربيع العربي -حالة غضب اندلعت كالنار في الهشيم وظهرت المطالب الاجتماعية والتعبير عن اللاعدل الاجتماعي والاستغلال الطبقي-وخروج جماعات وحركات سياسية إلى المشهد، والتي كانت تعاني من فقدان التمثيل السياسي، إلى جانب تأثير الفشل الاقتصادي والتنموي في حالة المجتمع، والذي أخرج بظلال كبت مرارة الفقر والمعاناة إلى السطح.

.. “الفقر لا يقود إلى الاستقرار والبطالة لا تؤدي إلى الأمن بل إنها الأرضية الاقتصادية والاجتماعية لبروز حالات التمرد والعنف [٦]” .

بيد أنّ وضع التقلّب الاجتماعي يُبرز محاولات تنحو لتحقيق أسس الديموقراطية والمواطنة والتنمية والعدالة، أي المشاركة المجتمعية والتمثيل لجميع فئات المجتمع، والذي يجعل مجال الصراع والتنافس داخل الأطر السياسية بالآليات المؤسسية والقانونية وبالتالي يؤدي إلى توازن اجتماعي واستقرار، ولكن مع تراجع بعض الأنظمة جرّاء الانتفاضات “مصر وتونس”، واستمرار الصراع “سوريا وليببا واليمن”، أدى لخلق سقف من الآمال والطموحات الجديدة للتغيير الجذري عمّا سبق، وبقي مكسب الهوية والتمثيل السياسي والطموح المعيشي حقًا غير قابل للتراجع عنه، ومن هنا يتشكل العامل النفسي مجتمعيًا.

العامل السيكولوجي ” نفسياً “

وتأتي خيبات جيل الربيع العربي من الحقبة الحالية، وذلك من جراء السير في الاتجاه المضاد لما كان متوقعًا من الثورات لصالح أهداف التغيير، والحد الأدنى منها وهو التمثيل السياسي والمجال المفتوح. أما الأثر الأقدم في الشخصية العربية فيتلخّص في تاريخ العدوان القريب على أفغانستان والعراق بالأخص، وكل ذلك تحت مسمى الحضارة. وكل تلك الممارسات المناقضة للمبادئ التي تأسست عليها الحضارة، قد ألقت بظلالها داخل وجدان الشعوب العربية، وكل أشكال الهيمنة وفرض الإرادة أصبحت جلية عن السابق، وهذا الشكل يعبر عن حالة من الحرمان والإحباط من الحضارة، بالإضافة إلى إحباط فشل مشاريع التنمية الداخلية والتفاوت الواسع سياسيًا واجتماعيًا.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.