تأخذك إلى أعماق الفكر

السلف بين التقديس والإهانة

شعار الدعوة السلفية: “الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة”، وكثيرون يعتبرون دراسة الفقه هي حفظ فتاوى السلف أو المذاهب الأربعة. وحين يختلف علماء قدامى مع معاصرين، يرجح الغالبية رأي القدماء؛ لأنهم أقرب لعصر النبي، وبالتالي فهُم أقرب لروح الدين، وأقرب للغة العرب وقت نزول الوحي، وهم أجَلُّ قيمة، وأكثر علمًا من المعاصرين!
ومن هذا الفهم انتشرت مقولة في عهد المعتصم: “كل آية تخالف مذهبنا فهي منسوخة، وكل حديث يخالف رأي صاحبنا فهو موضوع”!

أولًا: التقليد

يوجد فرق جوهري بين نقل خبر والرأي المنطقي؛ فنقل الخبر قائم على الثقة في الراوي، أما الرأي/ الفكرة فهي تُولد، تنهض على أرجلها الخاصة، تتوكأ على أدلتها، وتغادر بيت أبيها، فلا تسقط بسقوطه، أو تنجرح بجراحه. فقوة الفكرة لا تكمن فى الأصل الذى ينميها، بل فى الأدلة التى تزكيها.
لذلك يقر أحمد الزروق قاعدة: “ما كان معقولًا، فبرهانه في نفسه، فلذلك لا يحتاج لمعرفة قائلة. والمنقول موكول لأمانة ناقله”(1).
واتفق علماء الإسلام على قاعدة: “إن كنتَ ناقلًا فالصحة، وإن كنتَ مدَّعيًا فالدليل”.
ودور الفقيه هو فهم الدين واستنباط أحكامه، ولا يمكن للفقيه أن يشرِّع من عنده، بل هو مستند على أدلة، ومن هنا فنحن لا نقلِّد العالِم لشخصه، وإنما نتَّبعه لثقتنا في الدليل الذي يفهمه. وبالتالي إذا وجدنا دليلًا يعارض رأي إمام، أو أغلب الأئمة، فلا مفر من العودة للأصل واتباع الدليل.
واتباع عالِم رغم ثبوت ضعف دليله هو ما ذمه الله حين قال: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ).

يقول أبو حامد الغزالي: “عادة ضعفاء العقول يعرفون الحق بالرجال، لا الرجال بالحق. والعاقل يقتدي بقول أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، حيث قال: “لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله”، والعارف العاقل يعرف الحق، ثم ينظر في نفس القول، فإن كان حقًا، قبله سواء كان قائله مبطلًا أو محقًا، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من تضاعيف كلام أهل الضلال”(2).

ونعرض حوارًا قيِّمًا بين الشيخ الدلاصي ومحمد عبده حول تقليد الأئمة:
– الـــدلاصـي: أنا قد اتخذت الشافعي إمامًا، فإذا وجدتُ في مذهبه شيئًا، ورأيت في كتاب الله شيئًا يناقضه، أراني مرتاحًا للعمل بقول الشافعي.
– محمد عبده: قولك خطأ كبير، وفيه خطر عظيم، فإن الذين أجازوا لك تقليد الشافعي أو غيره من الأئمة يشترطون ألا تعرض لك شبهة في كتاب الله فتعمل بنقيضه. نعم الناس إمام ومأموم، لكن إمام هذه الأمة واحد، وهو رسول الله، وإنما العلماء ناقلون ومبيِّنون عنه، فمتى تعارض كلامهم مع ما جاء عنه، رجعنا إليه كما أمرونا.
– الـــدلاصـي: إنني لا أشك في كتاب الله، ولكن أعلم أن إمامي قد اطلع على الآية وفهمها أحسن مما أفهمها.
– محمد عبده: إن الله يحاسبك على ما تفهم وتعتقد، لا على ما فهم الشافعي. وأنت قلتَ الآن إنك ترى الآية مناقضة لقول الشافعي، فترجيحك قول الشافعي حينئذ يقتضي أن يكون قول الله مرجوحًا. وترجيح أحدهما يقتضي بطلان الآخر!(3)

ثانيًا: تراكم المعرفة

يجب الفصل بين قيمة العالم الشخصية وبين رأيه العلمي؛ فليس المقام مقارنة قدر الأشخاص لنعرف أيهم أفضل وأتقى، وإنما المقام مقارنة رأي برأي، حجة تواجه حجة.

إعلان

غير خفي أن الحضارة تراكمية، فبمرور الزمان تتراكم الخبرات العلمية وتزداد الأدوات تسهيلًا وتمكينًا، فلو دخل نيوتن وأينشتين امتحان طالب جامعي اليوم لرسِبَا! وذلك ليس لضعف في عقليهما، وإنما لأنهما يجهلان تراكم المعرفة الهائل الذي اُستحدث بعد وفاتهما.

يشبه الأمر مقارنة رسام محترف قديم استطاع بمهارته وبيديه فقط رسم دائرة تقترب من المثالية، بتلميذ صغير رسم دائرة مثالية تمامًا باستخدام فرجار، فالرسام بلا شك أفضل من التلميذ، لكن ذلك لا يمنع أن دائرة التلميذ أفضل من دائرة الرسام!
صحيح أن العلوم الطبيعية تسعى للتجديد والتغيير، بينما العلوم الشرعية تسعى للعودة إلى الأصل والمنبع، فتبحث عن الماضي، لكن بمرور الزمان تزداد الأدوات التي تمكننا من الكشف عن المنبع القديم، مثلًا حاليًا يستطيع طالب عالم أن يجمع كل طرق حديث وكل الرواة ليُعِد دراسة شاملة وافية عن صحة حديث في دقائق، بينما قديمًا ربما عالم عظيم ولم يصله حديث، أو لم يصله تجريح راوٍ.

وحاليًا لدينا معاجم مختلفة للغة، وتجميع لأشعار العرب، فيسهل علينا البحث عن معاني كلمات عند العرب وقت التنزيل، بينما قديمًا ربما لم يصل معنى كلمة إلى عالم جليل من السلف.

يستطيع طالب العلم اليوم أن يحصد رأي مئة عالم في مسألة قبل التفكير والنظر فيها، ولا شك أن تراكم هذه الآراء وتعدد زوايا النظر، هو إرث وثروة تمكِّن الطالب من الإلمام بالمسألة، بينما قديمًا لم يكن مهيأ تواصل العلماء وتبادل أفكارهم.

إذن فرغم أن طالب العلم الحالي أقل قدرًا من العالم الجليل السابق، إلا أن علم الطالب – بفضل الأدوات الحديثة – أكبر وأدق وأشمل.

ثالثًا: المنهج والفتوى

يجب التفريق بين منهج السلف العام وفتاواهم؛ فمناهجهم اختصت بكيفية فهم الوحي وكيفية تطبيقه، ووضعوا لذلك علومًا شرعية وقواعد فقهية ومصادر تشريعية، وبذلك فهي ممتدة، لا تتوقف على زمن.
أما فتاواهم، فقد اختصت بواقعهم هم، ولا تمتد لواقع آخر، لأن الفتوى هي عملية عقلية لإسقاط أحكام الشرع على حدث بعينه، فالفتوى عملية معقدة تربط فقه النصوص بفقه الواقع، لذلك قد تتغير بتغير الزمان، أو المكان، أو الأشخاص، أو الأحوال.
أما استدعاء فتاوى السلف وحفظها لتكرارها في أي موقف، فهو اغتراب زماني، وتطبيق لأحكام في غير محلها، لا يرتضيه السلف أنفسهم.

يقول د. علي جمعه: “إننا في تعاملنا مع التراث لا ينبغي أن نقف عند مسائل السلف، بل لابد علينا أن نأخذ بمناهجهم، فمسائل السلف مرتبطة بأزمانهم، ومشكلات الواقع الذي عاشوه، في حين أن مناهجهم اهتمت بكيفية تطبيق الوحي الإلهي على الوجود، وبمعنى آخر اهتمت بتطبيق المطلق على النسبي”(4).

رابعًا: هم رجال ونحن رجال

إن كان المقصود بالسلف من سبقونا، فكون عالم سبق غيره لا تعد هذه ميزة لرأيه تستوجب تقليده. وإن كان السلف أنفسهم قد اختلفوا من عهد الصحابة والتابعين والفقهاء، فنشأت الفرق والمذاهب، فأي سلف نتَّبع؟!

يقول جمال الدين الأفغاني: “من الخطأ الذي لا يُغتفر أن نقف موقف الجمود عند أقوال أناس هم أنفسهم لم يقفوا عند أقوال من سبقوهم”(5).
والأئمة الأربعة أنفسهم نبهوا إلى عدم تقليدهم:
فقال أبو حنيفة: ” لايحل لمن يفتي من كتبي أن يفتي حتى يعلم من أين قلت”(6).
وقال مالك: “كل أحد يؤخذ من قوله ويُرَد إلا صاحب هذا القبر”(7)، وقال: “إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل مالم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه”(8).
وقال الشافعي: “كل ما قلتُ لكم، فلم تشهد عليه عقولكم وتقبله وتراه حقًا، فلا تقبلوه. فإن العقول مضطرة إلى قبول الحق”(9).
وقال أحمد بن حنبل: “لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا”، وقال: “من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال”(10).

خامسًا: التراث كنز

ليست هذه دعوة لهجر التراث، أو الانسلاخ عن حضارتنا، أو القدح في أئمتنا، وإنما هي دعوة لاعتبار التراث وجهود السلف هي كنز معرفي وفير، ندرسه بعناية، ونقتنص جواهره، ونستخرج درره، ونعيد بناءه بما يتناسب مع عصرنا، ونقبل الصواب ونرد الخطأ، هكذا بكل بساطة دون إثارة أزمة، أو قطيعة، أو إهانة، أو تقديس.

يقول القرضاوي: “الفقه الإسلامي تركة كبرى، مِلك لكل باحث، يُنَقِب في زواياه، مقارِنًا بين قول وقول، وبين دليل ودليل، دون تعصب لرأي، أو تقليد دائم لمذهب، بل قد نأخذ مرة برأي أبي حنيفة، ومرة برأي مالك، بل قد نخرج عن المذاهب السنية إلى مذهب الزيدية والجعفرية والإباضية، إذا وجدنا الحل فيها، وقد نأخذ بالمذاهب المنقرضة، مثل: الأوزاعي، أو الثوري، أو الطبري. بل قد نخرج عن المذاهب كلها إلى الساحة الرحبة لفقهاء الصحابة والتابعين والأتباع، ممن ليس لهم مذهب متبوع، كالخلفاء الراشدين، وابن مسعود، وتلاميذهم، إلخ”(11).

إذن فدعوى توقف الاجتهاد والاكتفاء بفتاوى السلف، وحصر الفقه في الأئمة الأربعة، ونقل فتاوى محفوظة جاهزة هو تقليد أعمى مُضِل، ينهى عنه العقل والشرع، ولذلك التقليد حرام على العلماء، وإنما واجب عليهم الرجوع للنص المقدس نفسه ليجتهدوا بأنفسهم.
بهذا النهج نميِّز المقدس/ الملزِم/ المعصوم/ الثابت .. عن البشري/ الناقص/ المتغير.

المصادر:
1. (قواعد التصوف) ص56 القاعدة (40)
2. (المنقذ من الضلال) ص152
3. (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده - الإصلاح الفكري والتربوي والإلهيات) ص548
4. (المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية) ص392
5. (مسلمون ثوار) ص412
6. (الانتقاء) ص145
7. (المقاصد الحسنة) ص513
8. (إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار) ص72
9. (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) ج9 ص124
10. (إعلام الموقعين عن رب العالمين) ج2 ص139
11. (فقه الجهاد) ج1 ص35

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.