تأخذك إلى أعماق الفكر

الروبوتات الاجتماعية: تواصل الإنسان والذكاء الاصطناعي

في صباح إحدى أيام عام ٢٠٤٠، تركب سيارتك وتتجه إلى العمل، وبينما أنت في الطريق تأتيك مكالمة من أخيك الصغير يخبرك فيها أنه تعرض لإصابة خطيرة في إحدى مباريات بطولة الفنون القتالية، وأنه ينتظر الإسعاف، فتبدأ بالشعور بالتوتر وعدم التركيز نتيجة القلق الشديد عليه، فيقوم المساعد الذكي بالسيارة بتحليل مشاعرك ومدى خطورتها على حياتك أثناء القيادة ويحوِّل السيارةَ إلى نظام القيادة الذاتية حفاظاً على أمانك، وبينما أنت في الطريق، تفتح هاتفك وتقوم بفتح برنامج المعالج النفسي على جهازك، وبعد قيامك بالحديث معه تشعر بتحسن وهدوء أكثر، ثم تقوم بالاتصال بأخيك مجدداً لتطمئن عليه فأخبرك أن الإسعاف قد نقلوه إلى المستشفى وفي آخر اليوم سيقوموا بإعادته إلى البيت مع روبوت ليقوم برعايته ومساعدته في المنزل….

واقع ام خيال؟

والآن بعيداً عن هذه الخيالات، جميعنا شاهدنا أفلاماً تتحدث عن مستقبل الذكاء الاصطناعي وسمعنا عن السيارات التي تسير لوحدها أوتوماتيكياً والروبوتات التي تفحص الأمراض وغيرها.
فما علاقة تصوراتنا عن مستقبلنا القريب بالإنجازات العلمية في الواقع الذي نعيشه؟

سيارة المستقبل


-إحصائيات مرعبة:

هناك العديد من السلوكيات والأحداث المدمرة التي تفتك بالبشرية سنوياً، كالأمراض والتدخين والحروب، لكن هل تعلم ما أكثر هذه الأمور قتلاً للبشر -وتحديداً الشباب-؟
على حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية WHO:
فإن حوادث السيارات تُسبب وفاة حوالي 1,25مليون شخص سنوياً، بمعدل حوالي 3287 إنسان يومياً، بالإضافة إلى أنها تحتل المرتبة الأولى في أسباب وفاة الشباب من عمر 15-29سنة، وتحدث هذه الحوادث نتيجة أكثر من سبب مثل: تعاطي المخدرات أثناء القيادة، القيادة أثناء التشاجر، القيادة وقت التوتر أو الشعور بالغضب، وطبعاً هناك العديد من الإجراءات التي قامت الحكومات باتخاذها للحد من آثار هذه المشكلة في الوقت الحاضر، ولكني سأذكر مثالا واحدا على إحدى الإجراءات التي قد تظهر تأثيراتها في المستقبل القريب.

-سيارات عاطفية

إعلان

عام 2017، قامت شركة Honda بتصميم سيارة Neuv، بجانب كونها سيارة ذاتية القيادة -أي يمكنها أن تسير لوحدها بدون سائق- وأنها تعمل بالكهرباء بدلاً من البنزين، لكن أكثر ما يميزها من وجهة نظري هو نظام الذكاء الاصطناعي المُطور بها، طورت كل من شركة SoftBank وHonda مساعد ذكي في السيارة يمكنه تحليل مشاعر السائق -خصوصاً التوتر- بالاعتماد على نبرة صوته وتعبيرات وجهه، وسمّوا المساعد الذكي باسم HANA -اختصار -Honda Automated Network Assistant- . تهدف هذه التقنية لتحقيق غرضين أساسيين: الأول والأهم هو توفير قيادة أكثر أماناً لحماية السائق، والغرض الثاني ترفيهي: وهو معرفة نمط حياة السائق وميوله لتحسين الخدمات المُقترحة كالأغاني مثلاً .[2] [3]

المعالج النفسي الافتراضي

-فقرة الأمانة:
قبل الحديث عن علاقة الروبوتات بالعلاج النفسي سأسالك سؤالاً:

هل كذبت على طبيبك من قبل؟

مع أن الصدق مع الأطباء والمعالجين هو حجر الأساس للرعاية السليمة، وإخفاء معلومات حياتنا عنهم قد يعوقهم عن القدرة على تشخيص حالتنا بدقة، لكن مع ذلك فعلى حسب دراسة استقصائية قامت بها كل من أكاديمية Cleveland Clinic وOchsner Health System عام 2009، قام الباحثون بالتواصل هاتفياً مع 2000 شخص وسألوهم عن تعاملهم مع طبيبهم، فمن ضمن النتائج الغريبة أن حوالي 28% من الأشخاص اعترفوا أنهم في بعض الأحيان كذبوا أو تعمدوا إخفاء بعض الحقائق على الطبيب[4].وإخفاء المعلومات المهمة أو الكذب، وهذا غالباً ما يكون بسبب الخجل من إحدى الأمور المتعلقة بحياة المريض الشخصية، كتعاطي المخدرات أو الكحول، تاريخه الجنسي، مشاكل متعلقة بصحته العقلية أو الخوف من انتقاد الطبيب له بسبب عدم اتباعه لجرعات الدواء أو إهماله للنظام الغذائي المُطالب به ونظامه الرياضي.
ومع أن هذه المشكلة تواجه كل من المُعالجين النفسيين والأطباء البشريين، لكن الحديث سيكون عن إحدى وسائل حل المشكلة تكنولوجيا ًفي مجال الطب النفسي.

الطبيبة Eillie


عام 2011، باحثون من معهد ICT بجامعة جنوب كاليفورنيا قاموا ببرمجة نظام وغذوه بكل المعلومات التي يدرسها طلبة الطب النفسي في الجامعات، وقاموا بتصميم البرنامج على شكل إنسان افتراضي وسموه Eillie، و زوّدوا الطبيبة Eillie بكاميرا ويب ومستشعرات حتى تتمكن من قراءة تعبيرات وجه المريض ونبرة صوته ولغة جسده؛ لتجمع معلومات أكثر عن صحته النفسية وتتواصل بشكل أفضل معه حيث أنه يمكنها محاكاة اللغة وتُظهر التعبيرات الجسدية المُناسبة لحالة المريض، وبرغم كل المهارات الذكية التي تمتلكها Eillie لكن ما يجعلها مُميزة ليس فقط تفوقها في الذكاء العاطفي بل ومحاكاتها للإيماءات الجسدية التي يظهرها البشر.

-المُعالج اللطيف
عام 2014 أحضر باحثون مجموعة من 239 شخص وقسموهم إلى مجموعتين: المجموعة الأولى أخبروهم أن Eillie ما هي إلا واجهة للطبيب النفسي ويوجد شخص يتحكم بكلامها وسلوكها عن بُعد، والمجموعة الثانية أخبروهم أن Eillie عبارة عن نظام اصطناعي ذكي وأنه يمكنها التعامل معهم لوحدها أوتوماتيكياً.
النتيجة المُدهشة أن المجموعة الأولى أظهروا مستوى عالي من الخوف من الإفصاح والحديث عن أنفسهم Fear of self-disclosure، وأظهروا قدراً أكبر من التحكم في انفعالاتهم وسلوكهم حتى يؤخذ عنهم انطباع جيد Impression management أكثر من المجموعة الثانية.

النتائج السلبية للمجموعة الأولى مقارنة بالمجموعة الثانية

أما المجموعة الثانية فقد أظهرت مستوى أعلى من إظهار عواطفهم أثناء جلسة العلاج النفسي، وأظهروا رغبة أكبر في الإفصاح عن شخصياتهم willingness to disclose للمُعالج الافتراضي أكثر من المجموعة الأولى.[5]

النتائج الإيجابية للمجموعة الثانية مقارنة بالمجموعة الأولى

وهذا هو ما يميز Eillie أكثر عن الأطباء، فهي ليست إنسان، Eillie لن تشعر بالقرف منك أثناء حديثك عن أخطائك، Eillie لن تعاتبك على ماضيك، Eillie لن تمل من كلامك.

ما الغرض من Eillie تحديدا⁦ً؟

على حسب بروفيسور لويس فيليب Louis Philippe Morency -أحد الباحثين المشاركين في تصميم Eillie- فإن Eillie ليست بديلاً عن الطبيب النفسي البشري ولكنها تعتبر وسيلة مُساعدة للطبيب من أجل تجميع معلومات أكثر كماً ومصداقية عن المريض؛ حتى يتمكن الطبيب من تشخيص وعلاج المريض بشكل أفضل، وللتوضيح أكثر فقد شبه البروفيسور علاقة Eillie والطبيب النفسي، بأنها مثل اختبار الدم للطبيب البشري:كلاهما وسيلة لتجميع المعلومات فقط.[6]

مستقبل الطب النفسي

هل يمكن إتمام عملية العلاج النفسي بالإعتماد على الروبوتات فقط؟

حتى نتمكن من الإجابة على السؤال يجب أن نفهم تاريخ تصميم Eillie أولاً ومراحل تطورها، فعندما رغب باحثين معهد ICT في تطوير نظام إصطناعي يساعد في عملية العلاج النفسي لم تكن Eillie أول ما أنتجوه، في البداية قاموا بتصميم نظام ذكي يمكنه تحليل المشاعر فقط اعتمادا على نبرة الصوت و تعبيرات الوجه، ثم قاموا بتصميم النظام على شكل إنسان افتراضي ولكن كان يتحكم به شخص آخر وسموا هذا المعالج (Wizard of Oz)، ثم طوروه وأضافوا له كاميرا الويب والمستشعرات حتى يتمكن من التفاعل لوحده مع البشر.
فإذا كان (Wizard of Oz) مرحلة من مراحل تطور Eillie والتي تقوم بالتواصل مع المريض وتجميع معلومات عنه لوحدها، فهل يمكن أن تكون Eillie مرحلة من مراحل تطور طبيب نفسي افتراضي يمكنه التشخيص والعلاج بدون عنصر بشري؟ هذا ما يخبئه لنا المستقبل.[6] [7]

الروبوتات والرعاية الصحية

-ميزة أم عيب؟
دولة اليابان دولة من أكثر الدول اهتماما بالتكنولوجيا والتقدم، ومن الآثار المترتبة على ذلك:طول فترة حياة المواطن الياباني؛ فاليابان يوجد بها أعلى نسبة لكبار السن في العالم، وعلى حسب مقال تم نشره على موقع Japan Today خلال شهر سبتمبر الحالي: فإن نسبة من تعدّوا ال٦٥ عام في اليابان حتى الآن حوالي 28% من سكانها وعلى حسب المعهد الوطني للتعداد السكاني فإن نسبة كبار السن في اليابان قد تصل إلى 30% بحلول عام 2025، و40%بحلول عام 2040.[8]
بالتأكيد هذا الأمر يدل على عدة أمور جيدة موجودة باليابان كتقدم التكنولوجيا والطب، لكن من ناحية أخرى فإن أكثر من ربع الشعب فئة غير عاملة وفي الغالب تحتاج رعاية خاصة، وبالتالي يجب أن يزداد عدد العاملين في مجال الرعاية المنزلية ولكن هذا يعني أن عدد العاملين في مجالات مهمة أخرى قد يقل خصوصاً مع تزايد نسبة كبار السن سنوياً، إذا ما هي محاولات اليابان لحل هذه المشكلة؟

-فرد جديد بالأسرة:
تخيل أن يكون لديك روبوت في المنزل يمكنه القيام بأعمالك كالتنظيف ورعاية الأطفال والطهي بدلاً عنك ويقوم برعايتك أثناء مرضك، في الحقيقة لا داعي للخيال فالواقع أصبح أكثر دهشة.
-ASIMO:


عام 2000، أنتجت شركة هوندا روبوت ASIMO بهدف إنتاج روبوتات تتمكن من التعايش مع البشر وتكون مفيدة لهم وحتى عام 2011 قامت الشركة بعدة تطويرات له وأخر إصدار منه هو ASIMO 2011.
التطويرات الأخيرة التي قامت بها Honda كانت تهدف لجعل ASIMO أكثر استقلالاً وقدرة على التواصل مع البشر بمفرده وتحسين تعامله في الأماكن المزدحمة بالبشر بدون أن يعجز عن فهم المؤثرات الكثيرة الموجودة حوله والتعامل معها،وسأذكر لك بعض إمكانياته الذكية:

١.تعدد الحواس:

تم تطوير نظام ذكي في ASIMO يساعده على استقبال المعلومات عن البشر من طرق استشعار مختلفة وتشبه بشكل كبير فكرة حواس البشر، فASIMO عنده حواس متعددة كالبصر والسمع واللمس ويمكنه الاعتماد عليها بشكل أساسي في حركته: فهو يتوقف إذا شعر أن هناك شخص أمامه، وقد يغير اتجاهه حسب اتجاه الشخص الذي يسير بجواره؛ ليتجنب الاصطدام به.


وبالاعتماد كذلك على قدرة البصر والسمع، يتمكن ASIMO من التعرف على الوجوه ونبرة الصوت ،وبالتالي تمييز أصوات الأشخاص الذين يتكلمون في نفس الوقت ولو حتى بأصوات متشابهة، وعلى حسب موقع Honda ففي بعض الأوقات تتغلب قدرة ASIMO على قدرات البشر في التمييز بين الأصوات المختلفة.

٢- القدرات الجسدية:

-يبلغ طول ASIMO حوالي 130سم ووزنه 48كجم ،كما أنه مزود بهيكل قوي يمكّنه من المشي، الجري، القفز على القدمين، القفز على قدم واحدة وركل الكرة مما يبيّن تفوقه في قدراته الجسدية والقدرة على التوازن.
– بالإعتماد على حواسه وأصابعه المتعددة يتمكن ASIMO من التمييز بين الأدوات والأشياء المختلفة ويمكنه القيام بعدة مهام متعددة قد تبدو بسيطة لكنها تحتاج برمجة معقدة مثل: القدرة على الإمساك على الأشياء المختلفة مهما كان سُمكها صغيراً كالورقة الشفافة، صب العصير في الكوب بدون إسقاطه على الأرض.


-يتمكن ASIMO من التحدث بلغة الإشارة مما يتطلب مهارات فائقة في استخدام يديه وأصابعه.[9]

عندما يتغلب الواقع على الخيال

ثورة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي غيّرت كل جوانب حياتنا، وجميعنا نقدّر أهميتها بالرغم من كوننا نعيش في دول غير متقدمة كدول أوروبا وأمريكا، فما بالك مع تقدم تطوير الروبوتات الاجتماعية: كيف ستتغير حياتنا. أثرت مواقع التواصل الاجتماعي في تواصلنا مع عائلاتنا وأصدقائنا ومعدل شعورنا بالوحدة، فكيف إذاً سيكون تأثير الروبوتات الإجتماعية؟في العقود الأخيرة، حلت التكنولوجيا محل العديد من الوظائف بشكل شبه تام كالمُزارع، وعامل المصنع، وساعي البريد وغيرها، فكيف إذا سيكون تأثير الروبوتات الاجتماعية على الوظائف الأخرى ومشكلة البطالة؟ وهل قد تظهر وظائف جديدة لم تكن موجودة سابقاً؟ ساعدتنا التكنولوجيا على التقدم في مجالات وعلوم مختلفة، فتمكنّا من اكتشاف المجرات من حولنا، والقضاء على الأمراض وإطالة أعمارنا، فكيف ستؤثر الروبوتات الاجتماعية على هذا التقدم؟
عندما يعرف الناس مظاهر التطورات التكنولوجية الحالية فمنهم من يُبشّر بالمزيد من الخير والسعادة على البشرية، ومنهم من يتشاءم من تأثيرات التكنولوجيا السلبية علينا، ولكن قطار الاختراعات والابتكارات المستقبلية لن توقفه مجرد آراء، ولذلك بدلاً من الفرح المُبالغ به أو القلق منه، يجب أن نسعى ليكون لنا دورٌ فيه.

نرشح لك: الذكاء الصناعي العاطفي ||مشاعر الروبوتات

المصادر:
1. Facts about car's accidents - WHO
2. Neuv - Global Honda
3. Neuv - Honda
4. Better health study - Health Magination
5. Virtual humans increase willingness to disclose - ICT
6. Eillie the machine that can detect depression - The Guardian
7. Eillie - The Washington Post
8. The population of elderly people in Japan - Japan Today
9. ASIMO - Honda

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.