تأخذك إلى أعماق الفكر

الدين والعلمانية في سياق تاريخي؛ قراءة في ثلاثية الدكتور عزمي بشارة

الدين و العلمانية في سياق تاريخي (قراءة تحليلية) .

تعتبر ظاهرتي الدين والعلمانية من أكثر الظواهر التي تمّت مدارستها في العلوم الإنسانية في القرنين الأخيرين، خصوصًا في حقل الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، إذ لم تتوقف بعدُ عجلةُ الأبحاثِ حول هذين الظاهرتين إلى اليوم، ولعلَّ ذلك ما قد يفسر الشعور بالافتقار العلمي إلى فهم وتفسير شبه تفصيلي لكل من الدين والعلمانية. وهو ما يحفز إلى مزيد من المُدارسة والتنقيب بشأن هاتين الظاهرتين.

ولا نحتاج إلى كبير عناء للتدليل والإشارة إلى حُضوة الدين وأهميته وتأثيره الشامل في المجتمعات الإنسانية منذ سالف الأزمان، ولا تقل الظاهرة السياسية وسعة أشكال ممارساتها (كالعلمانية) أهمية وتأثيرًا في المجتمعات البشرية، وذلك ما يمنح أهمية موازية للدين والسياسة في حقل العلوم الاجتماعية لأن فهم المجتمع بكل حقوله (الدين، السياسة، الاقتصاد، الفن، العلم) لا يمكن أن يتجاوز النظر في ثقافة الشعوب التي تحملها بقدر كبير أديانها وأنماط سياساتها.

في هذا السياق يبرز المنجز الفكري للدكتور “عزمي بشارة” الصادر في ثلات مجلدات وقعت فيما يقارب 2000 صفحة، تحت عنوان “الدين و العلمانية في سياق تاريخي” إذ يشكل هذا العمل سابقة في تاريخ التعاطي مع الظاهرة الدينية والعلمانية في المجال التداولي العربي، حيث تمّت قراءة كل من الظاهرتين في السابق بكل أنواع الاعتساف المنهجي والفكراني؛ وهذا ما أنتج تراثًا فكريًا عربيًا يتعاطى مع الدين والعلمانية وفق إملاءات حزبية و أيديولوجية، وذلك ما يمنح لعمل المفكر الفلسطيني “عزمي بشارة” الدارس في ألمانيا و المقيم في قطر، أهميةً لا نظير لها في هذا الحقل العلمي، نظرًا لتعاطيه العلمي و الموضوعي مع الظاهرتين المدروستين، وإن كان، مع الأسف، إلى الآن لم يتفاعل الباحث و القارئ العربي مع هذا المشروع، إن لم يكن جاهل بوجوده أصلًا، لذلك فإن هذه الورقة تتحدد في إطار التعريف أولًا بهذا العمل، إضافة إلى عرض وتحليل بعض مضامينه في أفق استخدامه في قراءة الوضع الراهن للظاهرة الدينية والعلمانية في العالم المعاصر عربيًا و دوليًا.

فإن موسوعة الأكاديمي الفلسطيني “الدين والعلمانية في سياق تاريخي” تتكون من ثلاث مجلدات في جزئين وينتظر أن تُستكمل بمجلدات أخرى، وهي كالتالي:

° الجزء الأول/المجلد الأول- “الدين و التدين” في 498 صفحة.
° الجزء الثاني/ المجلد الأول “العلمنة و العلمانية الصيرورة الفكرية” في 915 صفحة.
° الجزء الثاني/المجلد الثاني تحت عنوان “العلمانية و نظريات العلمنة” في 482 صفحة.

وإذا أردنا إجمال أطروحة الموسوعة قلنا إنها: استقصاء تاريخي للظاهرة الدينية وما احتبل بها من أساطير وقيم وأنساق معرفية، وتاليًا تتبع السياقات التاريخية لنشوء العلمانية (متى وكيف ظهرت) وأشكال تفاعلها مع الدين و الثقافة في مجتمعات القرون الوسطى والعصر الحديث والفترة المعاصرة، كل ذلك بإزاء عرض وتحليل ونقد مُعظم النظريات التي ظهرت في حقل الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية بشأن الظاهرتين، مع تقديم في الأخير نموذج نظري مُبتكر من طرف عزمي بشارة لمقاربة الظاهرة الدينية والعلمانية في سياقها التاريخي وفي تجلياتها المعاصرة.

إعلان

و تاليا تفصيل بعض أفكار و منظورات هذا العمل:

1- الجزءالأول/المجلد الأول- “الدين و التدين”:

استهل عزمي بشارة دراسته كما هو سائد في البحوث العلمية المحكمة بتحديد المفاهيم والمصطلحات وتفريعاتها الدلالية، و هذا لوحده اقتطع من الموسوعة 498 صفحة، ابتدأ بظاهرة الدين وهي الأصل حيث تجنب تاريخ ظهورها إذ تعامل معها على أنها شكل ثقافي قديم وسائد في جميع المجتمعات، وبالتالي بحث عزمي بشارة فيما يتواشج مع الدين كالأسطورة والأخلاق والسحر، كل ذلك كي يحدد بالضبط بمنهج سوسيوتاريخي ما هي الظاهرة الدينية؛ هل هي منظومة أخلاقية؟ أم ممارسة ومنظور سحري للعالم؟ أم بنية تحتية من ثقافات الشعوب تتكون بشكل أساسي من الأساطير و السرديات الرمزية؟

لينتهي الباحث بذلك إلى أن الدين هو كل هذه الظواهر التي ذكرت أعلاه، ومصدر لها أو تفريعات عنها، كما أن للدين وجه ثقافي وكوني، مع بعض الفروقات والخصوصيات التي يتميز بها كل دين عن آخر “1”، إلا أن كل الأديان تشترك في نفس البِنى، وإذا أردنا الإِمتاح من مَعين عِلم الأديان للتدليل على ذلك لوجدنا أهل هذا الفن يحددون أربعة مكونات تشترك في حيازتها كل ديانات البشرية، هذه المكونات هي: الأسطورة- الطقس- المعتقد- السرديات، النهائية الكبرى أو الإسكاتولوجيا، أي الإخبار بنهاية الحياة بالنسبة للفرد والعالم بالنسبة للبشرية وما بعد ذلك من أحداث “2”

فيما بعد انتقل الباحث إلى ظاهرة “التدين” مفككًا عناصره ودلالته وأشكال حضوره في المجتمعات الإنسانية، مبرزًا التقاطعات والخصوصيات التي ميزت التدين حسب فترات التاريخ وتعدد الأديان “3” وبالنظر إلى المقاربة السوسيولوجية التي اعتمدها عزمي بشارة في عمله هذا، فذلك يقتضي بالضرورة الفصل بين الدين والتدين، إذ أن علم الاجتماع و الأنثروبولوجيا لا يدرسان الدين في الواقع كرسالة معيارية روحية، و إنما يدرسان “التَّدين” أي الشكل الاجتماعي للدين، لذلك عرفه ع.بشارة باعتباره “ليس التجربة الأولية للمقدس، بل هو أيضًا نفيها، ونفيها هو الذي يصنع الدين باعتباره ظاهرة” “4”، أي أن التدين هو من يخلق من الدين ظاهرة اجتماعية تاريخية و كونية، وهو ما يجعله بالتبع قابلًا للدراسة العلمية، و بذلك فالدين يجسد الدافع الحيوي والرمزي، والتدين يمثل الشكل الاجتماعي الذي يسعى إلى الاستحواذ والسيطرة على الأول حسب جورج زيمل “5”، أو كما يقول لنا في نفس السياق “بول تيليش Paul Tillich” بأن التدين يتجسد في أَجَّل مظاهره في الوظيفة الجمالية للروح البشرية المتمثلة في الرغبة المطلقة في التعبير عن المعنى النهائي للوجود” “6” وهذا التعبير يجد نفسه في الممارسة اليومية، بما أن تيليش -حسب ما أفاد به “جوناثان سميث”- كان مهتما بدراسة الطقوس خصوصًا طقوس عبادة الأصنام (التديُّن)، لذلك فإنه قدم تعريفًا في الواقع للتدين في أعمق أبعاده “7” وهذا ما يضيف عنصرًا مهما لتعريف التدين الذي انتهى إليه ع.بشارة.

بعد ذلك في الفصل الثالث قام ع.بشارة بعرض نقدي للنظريات الفلسفية والسوسيولوجية لكبار المفكرين الغربين منذ كانط حتى ماكس فيبر، إذ رد على هذا الأخير في اعتباره أن الدين يناقض ويعرقل سيرورة الحداثة “8”، و هو ما نقده ع.بشارة بتبيان أن هذا التناقض وهمي لأن مدار اشتغال الدين هو في أصله خارج مدار نفوذ الحداثة، فهذا في طبقة والحداثة في أخرى، غير أن هذا النقد الذي قدمه بشارة حسب وجهة نظري بعيد عن الواقع، إذ أن الدين يخترق كل مستويات المجتمع و بإزاءه تنفذ فاعلية الحداثة، وهو ما يؤدي إلى تصادمهما بشكل حتمي، والتجربة الأوربية خير شاهد، فإن حصل و تقوت شوكة الدين شموليًا في المجتمع و سادت سطوته في نسختها التقليدية والأصولية، فإنه بالقطع يعيق مسيرة التقدم والحداثة، والدليل العيني على ذلك الدول الإسلامية الناطقة باللغة العربية.

ثم يعرج مدير المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات إلى المفهوم الأساسي للدراسة، وهو مفهوم “العلمانية”، وفيه قدم تعريفًا ومنظورًا جديدًا كليًا لهذا المفهوم خصوصًا في التداول الفكري العربي، إذ أن أغلب المفكرين العرب يربطون العلمانية بالكنيسة المسيحية ودورها التخريبي وحدِّها من الحريات وتضييقها على الحركة العلمية في أوربا “9”، و بذلك انتهى الأوربيون إلى فصلها عن أكثر حقل اجتماعي له تأثير قوي وسلطة على باقي الحقول وهو السياسة، أما ع.بشارة من جهته قد تجاوز هذه التفسيرات الاختزالية الضيقة واعتبر العلمانية هي الانفصال الذي يقع بين حقلين اجتماعيين أو ثقافيين في سياق التاريخ، كانفصال الدين عن الخرافة، انفصال الفلسفة عن الأسطورة، انفصال الدين عن العلم، انفصال الاقتصاد عن السياسة المحلية (بالذات)، انفصال الفن عن التقاليد القديمة وغيرها، أي أن العلمانية -وفق هذا المنظور- هي “انفصال عنصرين اجتماعيين أو ثقافيين عن بعضهما، في السبيل الذي يجعل لكل منهما استقلالية ذاتية انطلاقًا من مرجعيته الخاصة التي تتطور في دخلانيته، الشيء الذي ينفي حاجته إلى مرجعية بنائية تقع خارج حقله الاجتماعي”.

و لضرب الأمثال على ذلك وجد بشارة التاريخ غاصًا و مليئًا بهذه النماذج، فمثلًا تعتبر اللحظة التاريخية التي انفصل فيها التفكير الفلسفي اليوناني عن التفكير الأسطوري (الذي كان مرجعًا لأي تفكير آنئذٍ) لحظة تاريخية علمانية، إذ لم يصبح للتفكير الأسطوري أي أهمية خارج نسقه الديني الخاص، على الأقل في حقل الفلسفة، حيث أصبح هذا الحقل الوليد مستقلًا عن أي مرجعية تقع خارج الفلسفة و العقل.

و يمكن أن نضيف إلى ذلك مفهوم الله نفسه كمفهوم خضع لعلمنة روحية لو جاز التعبير، و بيان ذلك يقع في أحداث تاريخ هذه الفكرة، فالبشرية ابتدأت تؤمن بتعددية في ملكوت الآلهة، هذه الأخيرة كانت محايثة للعالم الأرضي، غير أنه ومع ظاهرة “التوحيد” منذ الديانة الزرادشتية، سوف تتوحد هذه القوى الرمزية (الآلهة) في شخص مفهومي واحد هو “الله”، بإزائه سوف يبتدئ الله في الانقطاع عن المحايثة للبشر وللأرض ويصعد إلى السماء تدريجيا، إلى أن يغيب فيها كليا مع الإسلام، و هذا يعتبر حدثًا ثقافيًا علمانيًا إذ أصبح الله منفصلًا عن الأرض والتشبيه والمحايثة، وأصبحت له خصائص امتدت له من غير الأديان القديمة (كمرجعية لهذا المفهوم)، وأصبح مفهومًا جديدًا بمرجعية الأديان التوحيدية المنفصلة عن مرجعية الأديان الوثنية التعدية، وبذلك يظهر أنه ليس فقط مفهوم الإله التوحيدي هو المعلمن عن أصله القديم، بل حتى الأديان التوحيدية تعتبر أديانًا معلمنة ضد امتداد أديان التعدد “10”، أي أنها شكلت مرجعية خاصة بها لشرعنة عقائدها منفصلة عن مرجعية أديان التعدد.

غير أن هذه السيرورة التاريخية، في أي اتجاه تسلك على المستوى الاجتماعي؟

الحاصل من قراءة مشروع ع.بشارة يأكد بأن العلمانية تبدأ في حقل الثقافة والقيم، خصوصًا في طريقة التفكير والنظر إلى الذات والآخر والعالم، فحينما تنفصل هذه النظرة عن نظرة الأجداد ونسقهم الثقافي، إلى الحد الذي يصبح فيه كل جيل يشترك في وعي يتحدد في استقلاله الفكري وضرورة مواكبة إنتاجه الثقافي لمستجدات الواقع الاجتماعي فإن ذلك يعتبر بداية العلمنة، التي هي بحق انقطاع عن السابق أو القديم وبناء ما هو مستقل ومستحدث باستمرار، دون التنكر طبعًا للقديم الذي يعتبر ذاكرة ثقافية وتراثًا وليس مرجعية آنية للقيم والثقافة والتنظير للواقع خصوصًا المادي، هكذا عندما تتعلمن الثقافة، يصل الأثر إلى كل حقول المجتمع (دين- علم- سياسة- اقتصاد- فن- قيم- …)، فيحدث استقلال كل هذه الحقول عن بعضها البعض، فتصبح مرجعية لذاتها، و بذلك لا يعود الدين مثلًا مرجعية للسياسية، بل تصبح السياسة مرجعية لنفسها، و قل ذات الشيء عن الدين.

من جهة أخرى لا يعود العلم في حاجة إلى مرجعية خارج حقله وإنما مرجعيته يحددها العُلماء والإبستيمولوجيون (عُلماء العِلم)، وليس كما كان في القرون الوسطى حيث كان العلم ممتزجًا بالدين ولا يُعترف به إلّا انطلاقًا من تأكيده لأطاريح الأديان، فمنذ أن انفصل العلم الحديث عن الدين، صارت مرجعيته تتحدد داخل ميدان اشتغاله وهو الماديات، وبذلك انقطعت الروحانيات عن توجيه نتائجه و نظرياته باعتبارها مرجعية غير علمية.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.