تأخذك إلى أعماق الفكر

علم الأعصاب السلوكي ودراسة الدماغ ” الجينات والسلوك 1″

نتساءل دوماً عن دور الجينات في سلوك البشر ، فهل للجينات دور سلوكي عصبي غير دورها البايولوجي الحيوي ؟
إن هذا الباب يعد أحد أهم أبواب علم الأعصاب السلوكي، والجواب أن للجينات دور أساسي في سلوكياتنا وتبدأ القصة أثناء التطور الجنيني حيث تتولى الجينات تطور الدماغ الجنيني، و تكون المسؤولة عن تطور كتلته العصبية الخام أي بلا أي خرائط أو مسارات عصبية ، وتعطيه الجينات بنيته العامة و تربط بين الأعصاب البصرية والسمعية والشمية في مراكزها بالدماغ ، وتعطي الدماغ شكله العام ولكنه يكون خالي من أي خرائط ومسارات عصبية التي تتشكل عبر اتصال الخلايا العصبية ببعضها البعض .
وتكون الجينات مسؤولة أيضاً عن تحديد حجم الدماغ وأيضا عن عدد الخلايا العصبية فيه وقدرتها على البقاء وأيضا قدرتها على تشكيل وصلات عصبية ( مدى مرونة الدماغ )، وهي المسؤولة عن تطور مناطق الدماغ المختلفة وتباينها، بمعنى أن ولدت وكان فصّاك الجداريين كبيرين نسبياً فهذا يعني أنك ستكون موهوباً جينياً بالرياضيات والبرمجة ولكن بشرط جوهري أساسي ( إذا توفرت لك البيئة لذلك ) سنأتي لهذا بعد قليل .
إذن الجينات هي ماتحدد الملامح العامة لدماغك وبالتالي شخصيتك وتعطيه القالب العام، ولكن في هذة المرحلة يكون دماغك فارغ من أي معاني أو خبرات .
وتحدد الجينات أيضا نسبة ذكائك رغم أنه لايوجد تعريف موَّحد للذكاء، ولكنني يمكن أن أقول متأملا أن نقترب من معناه الحقيقي أنه قدرة دماغك على تشكيل وصلات عصبية بين مناطق مختلفة فيه، فكلما زادت التشعبات ازداد قدرة دماغك على تحليل المعلومات التي تسري عبر هذه الوصلات وربطها ببعضها البعض، وبالتالي الحصول على أجوبة وصور ورسم سيناريوهات والخ.
بالطبع قدرة الخلايا العصبية على تشكيل وصلات يمكن للإنسان أن يمرنها خلال فترة حياته بالتفكير والإطلاع والبحث المستمر في مواضيع مختلفة، ولكن تبقى هذه القدرات متفاوتة بحسب جينات كل منا، وعلى العكس تماما يمكن بقلة استخدام دماغك أن تضعف قدرته على تشكيل تلك الوصلات ولو ولدت بقابلية عالية لذلك .
مايحدث بعد ذلك أي بعد الولادة أن دماغك يبدأ باستقبال الإشارات من البيئة الخارجية التي تتحول لنبضات كهربائية داخل الخلايا العصبية التي تقوم بتشكيل خرائط ومسارات عصبية ( عبر الوصلات العصبية ) للخبرات والمعاني وبالتالي للسلوكيات ، وهنا ياتي دور البيئية في ملئ القالب الدماغي الذي صنعته جيناتك في المرحلة الجنينية، إذا كان لديك قابلية جينية للإقبال على الأعمال الخطرة والمجازات ووجدت في بيئتك مايدعم هذا، فستجد نفسك مدفوعا بشده نحو هذا ، ونسمع كثيرًا بأن معلومة أو الة موسيقية أو كتاب غير حياة فلان خصوصا إن كان طفلا، فأينشتاين كان مولعاً بالموسيقى ولم يكتشف أنه لديه ميول للفيزياء وعالم الأرقام إلا عندما وقع بين يديه للصدفة كتاب بالهندسة ، والعكس صحيح فقد تولد بقابلية عالية لتكون موسيقياً محترفا أو عبقريا بالفيزياء ولاتجد في بيئتك ما ينبهك لهذا ( بيئة رثة ) فتعيش وتموت وأنت شخص بسيط هامشي لاتدري بنفسك ، وهذا حال الكثيرين في المجتمعات الرثة ، وكذلك الأمر في قابلية إدمان المخدرات والإقبال على الجريمة فحتى هذه تؤثر فيها جيناتك، طبعاً للادمان الف سبب غير جيني وللجريمة ألف سبب غير جيني والجينات لاتصنع من فلان عالم رياضيات أو مدمن مخدرات ولاحتى مجرم، ولكنها ترفع نسبة أن يصبح فلان كذا إذا ماتوفر له الجو المناسب لكذا … المجرم ليس مجرم بالفطرة ليس هذا المعنى وسأعود لهذا قريبا جدا لأن نقاشه مهم جدا من الناحية السلوكية والأخلاقية، وقد أتى عالم الكيمياء الحيوية نيك لين في كتابه الاختراعات العشر العظيمة للتطور ( مترجم ) لذكر ( القابلية للجريمة ) أنا أفهم مقصده هنا وهو مانشرحه نحن الآن ولكنني ضد تسمية القابلية للجريمة لأن الحقيقة أنه لايوجد قابلية جينية لارتكاب جريمة قتل بالتحديد، ولكن هناك قابلية جينية للقتال والمجازفة بالنفس وهذا لايعني الجريمة بالضرورة، بل قد يعني الرياضات الخطرة والأعمال الهجومية، والقابلية للقتال موجودة عند كل البشر فنحن ورثناها عن أسلاف لابشرية عاشوا بالغابات، ولكن هذة الغريزة القتالية قد تتفاوت من شخص لآخر حسب جيناته، لهذا ستجدونني بعد قليل أصف هذه الحالة بالقابلية للقتال والمجازفة بالنفس من باب الإنصاف لأبطال حقيقيين حاربوا ضد الجريمة باستخدام نفس الطبيعة ومدفوعين بنفس الغريزة القتالية هذه، وأيضا كي لا أحد يأتي ويصطاد بالماء العكر ويبرر القذارات والجرائم ، كما فعل هتلر بنظرية التطور .
هولندا تعتبر من أقل الدول بالعالم في معدلات الجريمة واغلقت معظم سجونها نتيجة التنمية الإجتماعية والبيئية العالية …
ولكن هل الذي لديه قابلية للقتال والمجازفة بالنفس وكان في مجتمع صحي فإلى ماذا يحتمل أنه سيميل ؟
تظهر بعض الدراسات اليوم أن الذين يحترفون ألعابا عنيفة جدا ( مثل UFC الالعاب القتالية المختلطة) وعندهم ميول كبير نحو الشرطة والجيش وغيرها من المهن التي تتطلب قابلية هجومية وقتالية أو روح قتالية باللغة العامة، فهؤلاء لديهم تشابه كبير جدا في بنيتهم العصبية .
وسنستطرد قليلا في هذا ونشرحه في نقاش الحتميات ( هل نحن محتم علينا أن نكون مانكون؟) لأن تسمية (القابلية للجريمة) ليس دقيقاً أبدا ويعتبر اهانه للذين نجحوا في مجالات هجومية نبيلة بسبب ميولاتهم الجينية ( طبعا هناك من حقق انجازات كبيرة في أمر ما وليس شرطا أن يكون لديه ميول جيني ولكن صاحب الميول الجيني له أفضلية أعلى بكثير بالنجاح في مجاله ) ، لكن زبدة الحديث الأن أنه يمكن للبيئة بإختصار أن تحول شخص من مجرم إلى شرطي ويكون بطلاً في البيئة الصالحة ، أما في بيئة رثة فقد شهدت رجال شرطة كلمة مجرمين عليهم قليلة . وسنعود لنقاش الحتمية السلوكية قريبا جدا .

أما مايحدث عصبياً بعد ولادة الطفل أن دماغه يبدأ في استقبال الإشارات من البيئية فيقوم الدماغ بتشكيل وصلات عصبية لكل شيئ تقريبا ( تلريونات الخلايا ) ويبدأ بملئ القالب الأساسي الذي صنعته جيناتنا وتبدأ المعاني بالتشكل ولكن مع التقدم بالعمر والخبرة يحدث كما وصفه جيرالد إيدلمان ( الحائز على نوبل عام 1972 ) بإنتخاب طبيعي للخلايا العصبية ومساراتها التي شكلتها واسماها بالداروينية العصبية ، فالأفكار والسلوكيات الأكثر استخدما ستغزز وستقوى مساراتها العصبية، وتصبح أكثر رسوخاً ، أما تلك التي لن نستخدمها مجددا فستتموت وتزول …
ولكل منا شخصيته التي ترسمها بشكل أساسي جيناته ونحن متفاوتوا القدرات بشكل كبير وليس كما روجت بعض العلوم الزائفة كالبرمجة العصبية ….
هذا كان عبارة عن مقدمة فقط للسلوك الجيني وسنكمل في المقال القادم هل الجينات تعطي قالبا عاما وميولات عامة فقط أم تصنع سلوكيات محددة جدا أيضا ؟
الجواب سيكون صادما ، أنا شخصيا عندما درسته غيرت نظرتي لكثيرًا من الامور ..

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

صراع فلسفي :هل القلب مكمن الشعور والروح ، أم أنه مجرد مضخة ؟

حقائق و تجارب تزيدنا إعجابا بـ الميتوكوندري

إعلان

اصطدام نجمين في زمان الديناصورات ينتج تريليونات الأطنان من الذهب ويثبت نظرية آينشتاين

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.