تأخذك إلى أعماق الفكر

مِنْ رِحلةِ “البيغل” إلى “رحلة اليقين”

مراجعة لسلسلة رحلة اليقين للدكتور إياد قنيبي - 3

فإذا سألنا على سبيل المثال: ما هي وظيفة الزائدة الدودية في الحيوانات؟ ستكون الإجابة أنها لهضم الألياف، إلا أن في الجسم البشري فقدت الزائدة وظيفتها الأساسية تلك -بل ويستحسن التخلص منها أحيانًا-؛ وإذا سألنا ما هي وظيفة العضلات، فالإجابة هي تحريك الأعضاء؛ فوجود عضلات أُذُن في البشر رغم عدم قدرتنا على تحريك آذاننا معناه أن هذه العضلات فقدت وظيفتها، ذات الحال مع عظامِ الحوت، فعظام الحوض والأرجل وظيفتها المساعدة على المشي وحمل وزن الكائن، فإذا كان الكائن لا يمشي (بل يسبح) فإنّ عظام الحَوض قد فقدت وظيفتها الأساسية، ولهذا من الطبيعي أن تكون متقلّصة في هياكل الحيتان، وألا تكون موجودة بالأساس عند الأسماك (إذا كانت تلك العظام مفيدة كما صورها القنيبي، فكان من المنطقي أن توجد أيضًا عند الأسماك!).

كما سبق للدكتور ذكر هذه الحجة في الحلقة 30 حين تحدث عن جناحَي البطريق والنعامة، مبررًا أن الكائنين يستعملانهما في حياتهما اليومية؛ ولكن كما قلنا فإنّ وظيفة الجناح هي الطيران، وفقدان وظيفة الطيران لا ينفي أن للجناح استعمالات أخرى لدى الكائن. فوصف الدكتور للكائنات الضامرة بأنّها “لا فائدة لها” مطلقًا غير دقيق، وهو شبيه برجلٍ فقدَ حاسّةَ السمع لكنّه يستعمل أُذنيه لسند نظارته، فيتحجّج أن وجود أذنيه مهمٌ لحياته اليومية.

إلا أن هناك أمثلة أخرى للأعضاء الضامرة -والتأسلات أيضًا- أكثر وضوحًا من عظام الحوض التي تعرّض لها الدكتور في حلقاته. فعلى سبيل المثال: يمتلك الدجاج جينات مخصصة لإنبات الأسنان، وفي إطار تصوّر نشوء الطيور من الزواحف فهذا منطقي. بالإضافة أيضًا إلى وجود عيونٍ للخُلد تحت غشاءٍ من الجلد (فهي عمياء تمامًا)، ووجود عظام حوضٍ للثعابين، بالإضافة إلى عظام أصابع القدم عند الحصان. لم يذكر الدكتور قنيبي أيًا من هذه الأمثلة واكتفى بالذيل البشري للرّد عليه؛ ولم يذكر، مثلًا، طائر “الكيوي” الغريب في نيوزيلندا، فناهيك عن صفاته الغريبة الأخرى، فهو طائر ذو جناح لا يكاد يرى، وجناحه بالفعل لا استخدام له في حياته اليومية، فلن تنفع حجة الدكتور إياد في حالته.

 

هذه بعض الأمثلة لما سبق وأشرنا له من التعامل غير المُنصف مع نظرية التطوّر وعرض أدلتها.  نستكمل في الجزء التالي عرض ونقد تعامل الدكتور إياد مع الأبحاث العلمية التي يستدل بها.

[1] Bringing Fossils to Life: An Introduction to Paleobiology (3rd ed.), Columbia University Press, p. 21
[2] Why Evolution is True, p. 95
[3] Campbell Biology, Ninth Edition; Pearson. p.463

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: زياد حسنين

تدقيق لغوي: نَدى ناصِر

تدقيق علمي: هشام هارون

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.