تأخذك إلى أعماق الفكر

التطور الأحيائي

ما المقصود بالتطور؟

التطور الأحيائي هو المصطلح الذي يصف التغييرات التراكمية التي تظهر في الكثافة الاحيائية “Population” خلال الزمن. هذه التغيرات تنتج على المستوى الجيني (genetic level) حينما تتطور أو تتطفّر (mutate) جينات الكائن الحي وتتحد بطرق مختلفة خلال عملية التكاثر وتمرر إلى الجيل التالي. في بعض الأحيان، يرث الأفراد صفاتٍ جديدة تمكنهم من الحصول على فرصِ بقاء وتكاثر أكبر في بيئتهم المحلية. هذه الصفات الجديدة يزداد ظهورها ضمن الكثافة الأحيائية، بينما يقل ظهور تلك الصفات التي لا تقدم فائدة تكاثرية أو بقائية. هذه الآلية المبنية على البقاء التفاضلي والتكاثر تُدعى بالانتخاب الطبيعي. إن تلك التغيّرات غير الجينية التي تظهر خلال فترة حياة الكائن الحي كما هو الحال في زيادة العضلات نتيجة للتمرينات والأنظمة الغذائية لا يمكن تمريرها الى الجيل اللاحق ولا تُعتبر نوعًا من التطور.

أليس التطور مجرد فرضية لا تزال غير مثبتة؟

في العلم، النظرية هي عبارة مختبرة بشكل صارم لمبدأ عام توضح جوانب قابلة للمشاهدة أو التسجيل من العالم. لذا فالنظرية العلمية تمثل مستوًى أعلى من مستويات الفهم قادرة على ربط الحقائق مع بعضها البعض. النظرية العلمية تبقى قائمة حتى يثبت خطؤها حسب مبدأ القابلية للتكذيب. إن نظرية التطور نجحت في كل الاختبارات خلال الزمن وبآلاف التجارب العلمية ولم يثبت شيء ما خطأها منذ اقترحها داروين قبل حوالي 150 سنة خلت. وبالتأكيد فالتطور العلمي في مختلف المجالات المعرفية من فيزياء وجيولوجيا وكيمياء وعلوم الحياة الجزيئية (molecular biology) قد أيّد وعدّل ووسّع مفاهيم نظرية التطور وبطرق لم يحلم بها داروين يومًا!

ما هي الأنواع؟

أعضاء النوع الواحد لا تتزاوج في العادة مع أعضاء نوع آخر في الطبيعة. ولكن في بعضِ الاحيان فأعضاء نوعين مختلفين كما هو الحال في الأسود والنمور يمكن أن يتزاوجوا إذا تم احتجازهم في مكان واحد، ولكن في الطبيعة فإن العزل الجغرافيّ والتباين السلوكي -كما هو الحال في اختيار الموطن- تُبقي هذه الأنواع القريبة من بعضها منفصلة. وفي المقابل فإن أنواع النباتات القريبة من بعضها ممكن تهجينها عن طريق البستنة (horticulturists)، ولكن نادرًا ما توجد مثل هذه الهجائن في الطبيعة. إذن يعرف النوع على أنه مجموعة من الكثافة الأحيائية التي تتزاوج فيما بينها والمعزولة تكاثريًا عن باقي المجموعات.

إعلان

ما علاقة الجينات بالتطور؟

الجينات هي أجزاء من DNA الكائن الحي والتي تحوي المعلّمات (Code أو الشيفرة) المسؤولة عن بناء الكائن الحي بصورة دقيقة. ولذا فالجينات -وبالتالي الصفات التي علّمت فيها- تنقل من الآباء إلى الذرية، ومن جيل إلى آخر. تقوم الآليات الجزيئية وبطريقة مفهومة جدًا بخلط ومضاعفة وتبديل الجينات بطريقة تؤدي إلى توليد تغيّرٍ جينيّ. هذا التغيّر الجيني هو المادة الخام للتطور.

اقرأ أيضًا: هل يُعد التطور علمًا؟

هل التطور عملية عشوائية؟

التطور ليس عملية عشوائية، ربما يبدو التغيير الجيني الذي يتصرف الانتخاب الطبيعي فيه عشوائيًا، ولكن الانتخاب الطبيعي ليس عشوائيًا على الإطلاق. إن بقاء ونجاح فردٍ ما في التكاثر يتناسب مباشرةً مع أفضلية سماته traits الموروثة ضمن بيئته المحلية. إن بقاءَ الفردِ وتكاثره مرتبطٌ بامتلاكه للجينات التي تُعطي سِمات أكثر تكيفًا مع البيئة التي يعيش فيها.

هل التطور و”البقاء للأصلح” هما نفس المبدأ؟

التطور والبقاء للأصلح ليسا الشيء نفسه. التطور يُشير إلى التغيّر في الكثافة الأحيائية أو الأنواع خلال الزمن. البقاء للأصلح هو تعبير شائع يشير إلى الانتخاب الطبيعي، وهي الآلية التي تقود التغيّر التطوري. الانتخاب الطبيعي يعمل عن طريق إعطاء الأفراد الأكثر تكيّفًا في مجموعةٍ من العوامل البيئية أفضليةً على أولئك غير المتكيفين مع تلك العوامل البيئية. البقاء للأصلح يجعل أحدنا يُفكر بأن الفرد الأقوى والأكبر والأذكى يكون هو الفائز. ولكن من وجهة النظر الأحيائية، فالأصلح من المنظور التطوري تُشير إلى القدرة على البقاء والتكاثر في بيئة معينة. الفهمُ الشائع لمبدإ البقاءِ للأصلح غالبًا ما يُهمل التكاثر والتعاون، فبقاءُ الكائن بلا توريثٍ لجيناته إلى الجيل التالي، لا يعتبر في النظور الاحيائي صلاحًا. والكثير من الكائنات الحية تكون الأصلح لأنها تتعاون بينها بدلًا من التنافس فيما بينها.

كيف يعمل الانتخاب الطبيعي؟

في عملية الانتخاب الطبيعي، يكون هنالك أفضلية للأفراد في كثافة أحيائية معينة ممن هم أكثر تكيفًا لمجموعة من العوامل البيئية على أولئك غير المتكيفين نسبيًا لتلك العوامل. الأفضلية تكون من خلال البقاء والنجاح في التكاثر. على سبيل المثال فأولئك الأفراد القادرون بصورة أفضل على إيجاد موارد الغذاء من غيرهم يعيشون –في المعدل- أطول من غيرهم وسينتجون ذرية أكبر. السمات الموروثة التي تزيد من صلاحية الفرد تُورّث إلى الذرية وهكذا تمنح ذريتها نفس الأفضلية.

كيف يتطور الفرد (أو الكائن الحي)؟

الفرد الواحد لا يتطور، وإنما المجموعة الأحيائية هي ما تتطور. بما أن الأفراد في الكثافة الأحيائية يتنوعون فيما بينهم، فبعضهم يكون أكثر صلاحًا للمعيشة ضمن مجموعة من العوامل البيئية، هؤلاء الافراد بصورة عامة يبقون وينتجون ذرية أكبر وهكذا يمررون تلك السمات الأصلح للبقاء إلى الجيل التالي وبمرور الوقت فإن الكثافة الأحيائية تتغير.

   

نرشح لك: التطور: العشوائية التي من حولنا

المصادر:
1) https://www.sciencedirect.com/topics/earth-and-planetary-sciences/biological-evolution

2) https://www.thoughtco.com/biological-evolution-373416

3) https://www.dummies.com/education/science/biology/how-to-define-biological-evolution/

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دعاء بركات

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق علمي: زياد حسنين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.