تأخذك إلى أعماق الفكر

الإعجاز في سورة الكوثر ( أقصر سور القرآن )

في هذا  المقال سأتحدث عن سورة الكوثر والرد على من يقول بإمكانية وسهولة معارضتها

مصطلحات بعض الكلمات في سورة الكوثر

لفظ الكوثر في أول السورة لا توجد كلمة واحدة في قواميس اللغة جميعها يمكن أن تحل محلها هنا ونتحدى إلى أن تقوم الساعة أن يأتينا أحد بذلك، ومعناه في اللغة: البالغ منتهى حدود الكثرة في الخير فقط دون الشر، فلو قال الكثير لاحتمل أن يكون في الخير أو الشر فضلا عن صيغة المبالغة التي تربوه معنى، ولقد جاء في المعجم الجامع للمعاني : الكوثر هو الكثرة الكثيرة في الخير، ورجل كوثر أي رجل سخي جواد دائم الخير والعطاء، وقد ورد أن الكوثر هو نهر في الجنة، ولكن ذلك لا ينفي معناه السابق، فقد جاء في تفسير الإمام الطبري : ” حدثني يعقوب ، قال ثنى هشيم قال : أخبرنا أبو بشر وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : الكوثر هو الخير الكثير الذي أعطاه الله لنبيه. قال أبو بشر : قلت لسعيد بن جبير : أوليس نهرا في الجنة ؟ فقال سعيد : النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه ”
أما الأبتر في اللغة : فهو الخاسر المنقطع عنه كل خير أو من لا عقب له أو من لا ذكر له بخير، ( ولنا مع كلمة الأبتر وقفة أخرى مهمة ) ..
أما عن موقع لفظ الكوثر في أول السورة وموقع لفظ الأبتر في آخرها فهو مما تقتضيه البلاغة واللغة وتأبى أن يحل غيرهما محلهما .. وورودهما في هكذا سياق على هكذا نحوٍ يفضي إلى بديع إصابة المعنى وإلى جمال التقابل بين الكلمة وضدها وبداية السورة وخاتمتها .. وهو جمال يطرب له علماء البلاغة والبيان وخبراء اللغة وفطاحلها ..

وكان مما قاله الزمخشري إمام اللغة والنحو عن أول آية في سورة الكوثر :
” ثم تبصّر كيف نكت في كل شيء تنكيتا، يترك المنطيق سكيتا ، حيث بنى الفعل على المبتدأ فدل على الخصوصية، وجمع ضمير المتكلم فأذن بعظم الربوبية، وصدر الجملة المؤخرة على المخاطب أعظم القِـسم، بحرف التوكيد الجاري مجرى القَسم، ورد الفعل بلفظ الماضي على أن الكوثر لم يتناول عطاء العاجلة دون الآجلة دلالة على أن المتوقع من سيْب الكريم في حكم الواقع، والمترقب من نعمائه بمنزلة الثابت الناقع، وجاء بالكوثر محذوف الموصوف لأن المثبت ليس فيه ما في المحذوف من الإبهام والشياع، والتناول على طريق الاتساع، واختار الصفة المؤذنة بإفراط الكثرة، المترجمة عن المعطيات الدثرة، ثم بهذه الصفة مصدرة باللام المعرفة لتكون لما يوصف شاملة، وفي إعطاء معنى الكثرة كاملة ”

لماذا قال أعطيناك ولم يقل آتيناك ؟

الإيتاء يحتمل النزع، بمعنى أنه ليس تمليكا بالضرورة بينما العطاء تمليك ..
قال أبو الفضل النيسابوري صاحب مجمع الأمثال : ” وفي الإعطاء دليل التملك دون الإيتاء ”
وعقب عليه أبو هلال العسكري صاحب كتاب الفروق اللغوية فقال ” ونجد ذلك مراعى في كتاب الله في ” إنا أعطيناك الكوثر ” و ” ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ”
ففي الكوثر فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان له منع من شاء منه كالمالك للملك، وأما القرآن فحيث أنه للناس كافة ولم يكن له التصرف فيه كما يشاء بدليل قول الله تعالى ” يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ” لأجل ذلك قال هنا آتيناك ولم يقل أعطيناك ”

وأقول : ويوافق ذلك أيضا قول الله عز وجل ” وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ” فلو قال الذي أعطاكم لكان لهم حق التصرف فيه كما يشاءون، إن شاءوا تصدقوا وإن شاءوا منعوا، ولكنه قال الذي آتاكم وبالتالي فهو ليس تمليكا بالضرورة ولكن أعطاكم هو تمليك بالضرورة كما سلف.
ومن ذلك أيضا قول الله لسيدنا سليمان بعد أن سأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده : ” هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ” فقال عطاؤنا ولم يقل إيتاؤنا ليؤدي ذلك معنى التمليك بالضرورة، ولذلك قال بعدها : ” فامنن أو أمسك بغير حساب ” وناسبت هذه الجملة غير المشروطة طلب سليمان عليه السلام لأن طلبه كان طلب هبة وعطاء الهبة يكون غير مقيد ولا ينزع، ولذلك قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس في البخاري :” العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ليس لنا مثل السوء ”
ولأن الإيتاء ليس تمليكا بالضرورة فهو يحتمل النزع، ولذلك قال ربنا : ” قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ”
وقال في معرض الحديث عن قارون :” وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ” ثم قال بعدها بآيتين ” فخسفنا به وبداره الأرض ”
وأيضا لفظ ” أعطيناك ” في سورة الكوثر يناسب ما قاله الله قبلها في سورة الضحى إذ قال ” ولسوف يعطيك ربك فترضى ” وسبحان ربنا القائل : ” أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ”

إعلان

” فصل لربك وانحر “

كان الأقرب في الظاهر لنا أن يقول ” إنا أعطيناك الكوثر فصل لنا وانحر ” فلماذا قال فصل لربك ولم يقل فصل لنا ؟
أولا : لأن ذلك محقق للالتفات، والالتفات من أمهات أبواب الفصاحة والبلاغة.
ثانيا : أن الله سبحانه وتعالى قال : ” إنا أعطيناك ” باستخدام ضمير الجمع للتعظيم، فلو قال ” لنا ” أي باستخدام ضمير الجمع أيضا وانتهت السورة على هذه الهيئة بعد الآية الأخيرة لأوهم ذلك أن لله تعالى شركاء وأن الضمير هنا دال على تعدد الآلهة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وإيراد هذه النقطة ليس من التكلف في شيء، ففي القرآن كله لا يوجد موضع ذكر فيه ضمير التعظيم إلا سبقه أو تبعه إفراد بما يفيد وحدانية الله تعالى ” ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع .. إنا لله وإنا إليه راجعون ”
” كلوا من طيبات ما رزقناكم … واشكروا لله ”
” إنا أنزلناه في ليلة القدر …. تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم ”
” ألم نشرح لك صدرك …. وإلى ربك فارغب ” ولم يقل وإلينا فارغب ..
وهكذا .. لم يذكر ضمير التعظيم في القرآن كله إلا سبقه أو تبعه ما يدل على الإفراد تجنبا للإيهام بالشرك.

لماذا قال فصل لربك ولم يقل فصل لله ؟

لأنه قال قبلها أعطيناك، والعطاء من الرعاية، والرعاية أقرب للربوبية منها إلى الألوهية، وهذا أيضا ليس تكلفا ولا ترقيعا كما يدعون، ففي القرآن كله على تعدد أساليبه وتنوعها لم يرد فيه لفظ العطاء إلا مع لفظ الرب:
” ربنا الذى أعطى كل شيء خلقه ” ، ” كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ” ، “جزاء من ربك عطاء حسابا ” ، ” ولسوف يعطيك ربك فترضى “.

لماذا قال فصل لربك وانحر .. ولم يقل فصل لربك وانحر لربك أو وانحر له ؟

لأن المتعلق الأول ( لربك ) كأنما يغني عن المتعلق الثاني وهو ما يسمى بتحقق المراد، أي يفهم من الآية، كما أن الصلاة أهم من النحر وهي لا تسقط عن العبد بأي حال من الأحوال أما النحر فلا يكون إلا مع الاستطاعة.
والصلاة لا تكون إلا عبادة، أما النحر فقد يكون لغير العبادة، فلو قال ” وانحر لربك ” لأوهم أنه لا يجوز النحر لغير العبادة أبدا.

لماذا جمع بين الصلاة والنحر ؟

ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية شيئين : الأول يتعلق بالله وهو الصلاة والثاني يتعلق بالعباد عطية وبالله تعبدا وهو النحر، فشكر النعم يكون بشكر الله مباشرة وبالإحسان إلى خلقه، وجملة العبودية لا تخرج عن هذين الأصلين.

لماذا قال الأبتر ولم يقل المبتور ؟

لأن الأبتر صفة مشبهة على وزن أفعل تفيد الثبوت : كالأحمر والأعرج.
أما المبتور فلها أن تدل على الحدوث فترة مثل مهموم ومحزون ومسرور ولها أن تتحول ولا تدل على الثبوت.

لماذا لم يقل وجعلنا شانئك هو الأبتر ؟

ليدل على أن الصفة هنا ليست حادثة أو طارئة وإنما هي اصيلة فيه .. فهناك فرق بين جعل الإنسان بصفة معينة وبين أن هذه الصفة أصيلة فيه راسخة عنده ..

من اللطائف في هذه السورة، أنها جرت مجرى البشارة التى تحققت فيما بعد، فهذه السورة مكية نزلت أول الإسلام في عهد الاستضعاف بمكة، والنحر لا يكون إلا عند القدرة والاستطاعة، يقول الرازى : ” وكان الأمر بالنحر جاريا مجرى البشارة بحصول الدولة وزوال الفقر والخوف ”
يقول الإمام الألوسي : هذا واعلم أن هذه السورة الكريمة قد اشتملت على ما ينادي على عظيم إعجازها، ثم ذكر رحمه الله أن قوله تعالى ” وانحر ” متضمن الإخبار بالغيب وهو سعة ذات يده صلى الله عليه وسلم وقيل مثله في ” إن شانئك هو الأبتر ”
وكان ذلك بعيدا عن الأذهان في الوقت الذى نزلت فيه هذه السورة .. لذلك قيل أن ” أعطيناك ” هنا على سبيل ” أتى أمر الله فلا تستعجلوه “.

علاقة سورة الكوثر بما قبلها ( سورة الماعون ) وعلاقتها بما بعدها ( سورة الكافرون ) :

الكوثر

فأما عن علاقة سورة الكوثر بسورة الماعون :
ففي سورة الماعون وصف الله تعالى المنافق بأمور أربعة : أولاها البخل ويدل عليه قوله تعالى ” يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين “، ثانيها ترك الصلاة، ويدل عليه قوله تعالى ” الذين هم عن صلاتهم ساهون “، ثالثها الرياء أو المراءاة، ويدل عليه قوله تعالى ” الذين هم يراءون “، ورابعها منع الزكاة أو الصدقة .. ويدل عليه قوله تعالى ” ويمنعون الماعون ”
فذكر في سورة الكوثر لتلك الصفات الأربع صفات أربع أخر تقابلها :
فذكر في مقابلة البخل : إنا أعطيناك الكوثر، أي الخير البالغ منتهى حدود الكثرة، وهذا موقف ينافى البخل من جهة الله، وأما من جهة الرسول والمؤمنين فيتمثل في قوله تعالى ” وانحر “، وهذا أيضا مقابل ل ” ويمنعون الماعون “، فهاتان صفتان تقابلان صفتين ..
ثم إن ” الذين هم عن صلاتهم ساهون ” هناك يقابلها هنا ” فصل ” وعندما قال لربك جعله مقابلا ل ” الذين هم يراءون ”
أي ائت أنت بالصلاة لرضا ربك لا لمراءاة الناس.

وأما عن علاقة سورة الكوثر بما بعدها وهي سورة الكافرون :

تنتهي سورة الكوثر ب ” إن شانئك هو الأبتر ” والشنآن هو البغض، ولا يبغض الرسول صلى الله عليه وسلم إلا كافر، فجاءت سورة الكافرون لتوضح موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكافرين ولتأمره أن يعلن مفاصلته في عبادته ودينه لهم، قال بذلك سعيد حوى في الأساس.
وقال الدكتور سامح القلينلى : في سورة الكافرون يأمر الله تعالى نبيه أن يكفرهم بقوله ” يأيها الكافرون “، ومعلوم أن عسف الناس على مذاهبهم وأديانهم أشد من عسفهم على أرواحهم وأموالهم، حتى أنهم يبذلون أرواحهم وأموالهم في نصرة أديانهم، ولذلك فإن الطعن في مذاهب الناس وإبطال عقائدهم لمن أعظم ما يثير العداوة والبغضاء والشنآن، فلما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكفر كل من لم يتبعه ويبطل معتقداتهم لزم أن يصير جميعهم في غاية العداوة والشنآن له، وذلك أمر غير ذى مأمن، ألم تر إلى موسى كيف كان يخاف من فرعون وعسكره، فهى إذن مهمة ذات صعوبة وخطر، فلزم أن يقدم لها بسورة الكوثر التي تتضمن إعطاءه الخير الكثير وإيضاح عاقبة من يشنئونه بما يزيل الخوف ويربط على الفؤاد ويبث العزيمة والإقبال والإقدام على مهمة كهذه ببصيرة ترى النهاية والعاقبة قبل خطوة البداية، فلما امتثلت أمرى فانظر كيف أنجزت لك الوعد وأعطيتك كثرة الأتباع والأشياع، ألم تر إلى الناس يدخلون في دين الله أفواجا، وهو ما جاء متضمنا في السورة التي تلي سورة الكافرون .. وهي سورة النصر ”
وهذا قول ذو وجاهة يؤكده نفس المنهج الذى سرى في قوله تعالى ” يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك …. والله يعصمك من الناس ” فجمع الأمر بالبلاغ بالطمأنينة والتسرية.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.