تأخذك إلى أعماق الفكر

قوة العلم في مواجهة تعاطي المخدرات والإدمان (ج1)

كيف يعطّل الإدمان نظام المكافأة بالمخ؟

قوة العلم في مواجهة الإدمان

إنّ المؤسسة الوطنية لسوء استخدام العقاقير (الإدمان) هي جزءٌ من منظماتِ الصحةِ الوطنية، تختصّ بتزويد العلم بالقوة اللازمة لكي يستطيع التأثير فى المجتمع، وتستطيع التأثير على من يسيئون استخدام العقاقير ويصلون للإدمان.

في البداية، وعندما يفكّر الشخص بتعاطي المخدِرات فإنّ القرار يكون -عادة- قرارًا إراديًا؛ أي أنه ربما يكون من باب الفضول… فيقول الشخص لنفسه “ربما يجب عليّ أن أرى كيف يبدو الأمر.. فقط هذه المرة ثم سأتوقف” ربما يكون القرار قرارك، أو هو اقتراح من صديق تحبه، أو هو فقط من باب أنك تريد أن تشعر بالتحسّن، أو حتى تنسى متاعبك.

معظم العقاقير التي يُساء استخدامها مثل النيكوتين، والكحوليات، والماريجوانا والكوكايين والهروين، تقوم بتنشيط ما يسمي بـ “نظام المكافأة” -وهو ما سنعرض إليه في المقال- تجعلك تشعر بالتحسن في البداية فقط ولفترة وجيزة.

أخطر الأمور على الإطلاق أنّ المداومة على استخدام مثل هذه العقاقير يؤذّي إلى تغيّرات أساسية في المخّ والتي تدوم لفترة طويلة، وفي النهاية يكون من العسير عليك أن تحصل على نفس القدر من السعادة من أيّ نشاط طبيعي آخر مثل لعب الرياضة، الطعام، وحتى ممارسة الجنس.

وبعد تكرار استخدام هذه العقاقير فإنك تصل فى النهاية إلى نقطة اللاعودة، وبالتالى عندما تقرّر أن تتوقف عن تعاطي هذه العقاقير لن تستطيع أن تفعل ذلك، أو لنقل على الأقلّ لن تستطيع أن تفعل ذلك بسهولة لأنّ القرار –للأسف– لم يعد في يدك.. لم يعد إراديًا.

إعلان

ولدى العلماء الآن أدلة أن هذه العقاقير بلا شك تغيّر من مخّك، إنها تبدو كما لو أنها تعطله.. وخلال هذه العملية يصبح متعاطي المخدرات مدمنًا عليها.

إنّ الإدمان عبارة عن مرض مزمن يصعب التخلّص منه، ويوصف المريض بأنه شخص يتوسّل الحصول على المخدّر بدون وعي، بدون القدرة على التحكم فى ذاته، وبصعوبة كبيـرة في مقاومة عدم حصوله عليه.

فضلاً على أنّ بعض الناس يظنّون أنّ الأمر بسيط، ولكـن في الحقيقة أنّ إدمان المخدرات يحتاج إلى مساعدة متخصصة واحترافية، وعلاج مكثّف لكي يساعد المتعاطي على التعامل مع المتغيّرات ويعيد المخ إلى ما كان عليه قبل ما أحدثته هذه العقاقير.

المخّ.. العضو الأشدّ تعقيدًا

المخ هو عضو مكوّن من شبكات معقدة من مليارات الخلايا العصبية والتي تسمى “نيرونات”، وككلّ الأعضاء الأخرى فإنّ المخ محاط بالعظام لحمايته؛ عظام الجمجمة.

ويزن المخ الطبيعي ما يقرب من 3 باوندات = 1.3 كيلوجرام، وهو مصدر معظم الخواصّ التي تميزك وتجعلك أنت.

وتعتبر النيرونات التي في المخ وفي الحبل الشوكي أجزاءً من الجهاز العصبي وهي بمثابة “القيادة المركزية” للجسم.

وبينما يظنّ بعض الناس أنّ المخ يتوقف أثناء النوم فإننا نقول أنّ المخ يعمل باستمرار وبلا توقف، حتى وأنت غارق في النوم، وسواء كنت نائمًا أو مستيقظًا فإنّ المخ يحتاج ما يقرب من 20% من كلّ ما يخرجه القلب من دم، وحوالي 20% من الأكسجين والجلوكوز لكي يعمل جيدًا وبشكل صحيح. (والجلوكوز هو نوع من السكّريات؛ أو على الأحرى هو سكّر أحاديّ وهو الغذاء الأول والرسمي لمخنا.)

يُنتج المخ من الطاقة الكهربية ما يكفي لتشغيل لمبة ضوئية قدرتها الكهربية 40 وات لمدة 24 ساعة وهذه طاقة كبيـرة بالنسبة لعضو بشري أكبر قليلاً من كرة البيسبول.

كيف يعمل النيرون؟

أما عن النيرونات فإنها متفرّدة لأنها تستطيع إرسال المعلومات من المخ إلى باقي الجسم. فمخك يتواصل مع باقي جسدك بإرسال رسائل من نيرون إلى آخر، وفي النهاية تصل إلى العضلات والأعضاء الأخرى فى الجسم. والنيرونات كذلك يمكنها أن تحتفظ بالمعلومات كالذاكرة.

والنيرون يتكون من 3 أجزاء رئيسة مهمة:

  1. جسم الخلية: وهو يوجّه كل أنشطة النيرون.
  2. تشعبات الخلية: وهي ما تشبه فروع الأشجار، وهي عبارة عن ألياف قصيرة تتلقى الإشارات والرسائل من النيرونات الأخرى وتوصلها إلى جسم الخلية.
  3. والمحور العصبي: وهو عبارة عن ليفة واحدة طويلة، تنقل الرسائل أو الإشارات من جسم الخلية إلى التشعبات لنيرونات أخرى.

وكل لحظة، تنتقل الرسائل والإشارات بسرعات كبيرة جدًا ذهابًا وإيابًا من نيرون إلى آخر.. وفي حقيقة الأمر، فإنّ العلماء غالبًا ما يقارنون أنشطة النيرونات بطريقة عمل الكهرباء.

وتلتقي النيرونات أو تتواصل مع بعضها البعض في أماكن معينة تسمى “سينابس” أو نقاط الاتصال العصبي. ولكي تقوم بإرسال رسالة، فلابدّ للنيرون أن يفرز مادة كيميائية تسمى “النواقل العصبية” في المنطقة التي بين كل نيرون وآخر..

ومن هنا، فإنّ هذه النواقل العصبية تعبر إلى نقاط الاتصال العصبي وتصل إلى أماكن مفتاحية تسمى “المستقبلات”. وعندما تصل هذه النواقل إلى المستقبلات فإنها تسبب تغيرات في النيرون المستقبِل وهكذا تكون الرسالة قد وصلت.

تتصل النيرونات مع بعضها البعض عبر شبكة من الخلايا المتصلة، والتي مايزال العلماء حتى الآن يحاولون فهمها جيدًا. ويعلم العلماء تمام العلم أنّ هذا النظام المتشابك والمعقّد المتّصل ببعضه من الممكن أن يتم تعطيله أو تخريبه عن طريق المواد الكيميائية الموجودة في المخدّرات. فمثلاً، يوجد في الماريجوانا أكثر من 400 مركب كيميائي، وأكثر من 4000 مركب كيميائي إلى جانب النيكوتين فى التبغ.

المخ القوي ونظام المكافأة

يظنّ الكثير من الناس أنّ المخ يتحكم فقط فيما تفكر فيه، ولكن على الحقيقة فإنّ تحكّم مخك لا يقتصر على ذلك؛ فالمخ يتحكم في أحاسيسنا الجسدية وحركات جسمنا، وكيف نفهم ما نراه ونسمعه ونشمّه ونتذوقه ونلمسه.

وكذلك يتحكم في شعورنا بالتوازن والتناسق، والذاكرة وأحاسيسنا بالسعادة والمكافأة والقدرة على إصدار الأحكام. وعندما نلتقط كرة، نرقص، نجري، نتحدث، نغني، نضحك، نصفر، نبتسم، نبكي هذا هو مخنا وهو يستقبل، يعالج، ويرسل الرسائل إلى أجزاء الجسم المختلفة.

وعندما نشعر بالتحسن لأي سبب – نضحك مع الأصدقاء، نرى فيلمًا جيدًا، أو نأكل الآيس كريم المفضل لنا.. فإنّ نظام المكافأة لدينا يتم تنشيطه. وكما قلنا سابقًا فإن نظام المكافأة هو جزء من المخ وهو الذي يجعلك تشعر بالتحسن.

ونظام المكافأة هو عبارة عن تجمعات من النيرونات والتي تفرز الدوبامين، والنواقل العصبية. وعندما يفرز الدوبامين من هذه النيرونات فإنّ الشخص يشعر بالسعادة. ويربط العلماء بين الدوبامين وكلّ الموادّ المخدّرة بما فيها الكوكاين، والماريجونا، والهروين، والكحوليات، والنيكوتين.. وهذه المواد المخدرة تقوم بتنشيط جهاز المكافأة وتجعل النيرونات تفرز كميات كبيرة من الدوبامين.

وبمرور الوقت، فإنّ المواد المخدرة تقوم بتدمير هذا الجزء من المخ، وبالتالي فإنّ الأشياء التي كانت تجعلك سعيدًا أو تشعر بالتحسن -مثل ما أسلفنا ذكره من أكل الآيس كريم المفضل لديك، أو التزلج، أو الحصول على عناق- لن تجعلك سعيدًا كما كنت..

 

يتبع في الجزء الثاني.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد ياسر رزة

تدقيق لغوي: ضحى حمد

الصورة: pixabay

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.