تأخذك إلى أعماق الفكر

إدواردو غاليانو: أرجل للبيع

إلى آنْخَل رْوُوكُّو Ángel Ruocco

حتى بابا روما توقف عن السفر طوال شهر، وهي مدة مونديال إيطاليا[1]. وأنا أيضا سأتفرّغ طوال شهر لمشاهدة كرة القدم [2]، كما سيفعل عدة ملايين من البشر الفانين، الأمر ليس غريبًا بالمرة، أردت أن أكون لاعب كرة قدم عندما كنت صغيرًا، مثل كل الأوروغويّين، وبما أنني لا أملك أية موهبة تُذكر، لم يسعني إلّا أن أكون كاتبًا. ليتني استطعت أن أكتب بشجاعة أوبدوليو ورشاقة غارينشا وأناقة بيليه وقوة اختراق مارادونا.

في بلادي، كرة القدم هي الدين الوحيد بلا ملحدين؛ كما أُدرك أن الأوروغويّين القلائل الذين يحتقرون علنًا كرة القدم أو يتهمونها بكل شيء، يتعاطونها سرًا وخفيةً عندما لا يراهم أحد، إذ يحجب اغتياظ المدعين العامين حبًّا يستحيل الاعتراف به، فالذنب كله ذنب كرة القدم، ولو لم توجد كرة القدم فمن المؤكد أن الفقراء سيصنعون ثورة اجتماعية وسيصبح كل الأميين دكاترة، ولكن كل أوروغويِّ أصيل  – عاجلاً أم آجلاً-  يستسلم للرغبة الجامحة في حب أفيون الشعوب.

الحق يقال إن هذه الفرجة الجميلة، هذه المتعة للأعين، هي كذلك تجارة عفنة، إذ لا توجد مخدرات تضاهي كرة القدم في جني الأرباح الطائلة في كل أرجاء العالم. فاللاعب الجيد سلعة ثمينة تُسعَّر وتُشتَرى وتُباع وتُعار، وفقاً لقانون السوق ولمشيئة التجّار. هو ذا قانون السوق، قانون النجاح، فكل مرة يتقلص فضاء الارتجال والعفوية المبدعة، كل مرة تهم النتيجة أكثر فأكثر والفن يفقد من أهميته، والنتيجة هي عدوة المخاطرة والمغامرة. تُلْعب المباراة للفوز، أو في سبيل عدم الخسارة،  لا في سبيل الاستمتاع بفرحة منح الفرحة. تبرد أجواء كرة القدم عامًا بعد عام، والماء الذي يجري في الشرايين يضمن النجاعة، ويصبح كل من شغف اللعب في سبيل اللعب وحرية الاستمتاع ومنح المتعة والمراوغة العفريتية التي لا فائدة منها والرائعة مواضيع ذكرى حنينية.

يبدو أن كرة القدم الأمريكية الجنوبية، التي لا تزال ترتكب أكبر عدد من هذه الذنوب ضد النجاعة، محكوم عليها بالقوانين الكونية للحسابات الاقتصادية. هو ذا قانون السوق، قانون الأقوى. وكرة القدم الأمريكية الجنوبية هي في النظام العالمي اللامتساوي عبارة عن صناعة مُوجَّهة للتصدير؛ إذ هي تصنع من أجل أطراف أخرى. وظيفة منطقتنا هي خدمة السوق الدولي، فبلداننا فقدت حقها في التطور على الذات في مجال كرة القدم كما هو الحال في كل المجالات. يكفي فقط أن نرى لاعبي منتخبات الأرجنتين، البرازيل والأوروغواي في هذا المونديال 1990. يتعارف اللاعبون في الطائرة، فقط ثلث منهم يلعب في بلده، أما الثلثان المتبقيان فهم مغتربون وكلهم تقريبا ينتمون إلى الفرق الأوروبية، الجنوب لا يبيع فقط السواعد، بل يبيع الأرجل كذلك، أرجل من ذهب، للمراكز الأجنبية الكبرى الموجودة في مجتمع الاستهلاك، وفي نهاية المطاف يُعتبر اللاعبون الجيدون المهاجرين الوحيدين الذين تستقبلهم أوروبا من دون عراقيل بيروقراطية ولا مخاوف عنصرية.

يبدو أن القوانين الدولية ستتغير قريباً، إذ ستستطيع الأندية الأوروبية ضم أربعة أو ربما خمسة لاعبين أجانب.،وحينها سأتساءل عن مستقبل كرة القدم الأمريكية الجنوبية، لن يتبقى لنا ولا الدلّاكون.

إعلان

لا يزال المرء يعتقد في هذا العصر المليء بالشك أن الأرض كروية الشكل لأنها تشبه كثيرًا الكرة التي تدور بشكل سحري فوق عشب الملاعب، إلّا أنّ كرة القدم تبيّن كذلك أنّ هذه الأرض ليست كروية جداً كما نقول.

مصدر النص: كتاب إدواردو غاليانو Ser como ellos y otros artículos, Siglo XXI de España editores, Madrid, 1993

العنوان في الأصل: Se venden piernas

[1]  يشير غاليانو هنا إلى كأس العالم لكرة القدم التي نُظّمت بإيطاليا سنة 1990.

[2]  یستعمل غالیانو في المتن الأصلي عبارة  cerrado por fútbol وهي تعني حرفيا “مغلق من أجل كرة القدم” للدلالة على تفرغه لمشاهدة مباريات كأس العالم 90 في إيطاليا.

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: محمد وليد قرين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.