تأخذك إلى أعماق الفكر

أعراض قد يسبّبها اضطراب ما بعد الصدمة المعقّد

يتناسب عدد الكلمات الموجودة في حصيلة مفرداتنا طرديًا مع قدرتنا على التعبير عمّا نريده وعما يزعجنا ويدفعنا للغضب؛ لأنّ الغرض من اللّغة هو مساعدتنا لإحكام قبضتنا على الواقع وفهمه بشكل أفضل، وبالتّالي سنطلب المساعدة عند حاجتنا الماسة لها.
وبإمكانها أن تساعد إذا كانت الكلمات التّي يتعيّن علينا أن نقولها جميلة بل والأجمل أن يكون لها تاريخٌ طويلٌ ومميّزٌ، ولكن في الواقع كلّ ما نحتاجه حقًا هو أن تساعدنا، ينطبق هذا على واحد من أكثر المصطلحات فائدة في علم النّفس الحديث، يسمّى اضطراب ما بعد الصدمة المعقد.

يرمز PTSD إلى Post Traumatic Stress Disorder اضطراب ما بعد الصدمة المعقد وهو اضطراب تمّ الاعتراف به رسميًا في عام 1980م؛ لوصف التّعرّض لحدث قصير نسبيًا ولكنّه مدمّر: مثل الحرب أو الاغتصاب أو حادث أو حدث إرهابيّ، ويصف اضطراب ما بعد الصدمة المعقد الذّي تمّ الاعتراف به في عام 1994م أنّ التعرّض أيضًا لحدث مدمّر على مدى فترة طويلة جدًا تحصل عادةً في أوّل 15 عامًا من الحياة مثل الإهمال العاطفيّ والإذلال والتّنمّر والتّعلّق المتقطّع والعنف والغضب.

يتجوّل في العالم ما يقارب 20% منّا كمصابين غير مشخّصين بـ اضطراب ما بعد الصدمة المعقّد، فنحن نعلم  أن ليس كلّ شيء على ما يرام، ولكن ليس لدينا أيّ مؤشرات لمعرفة المشكلة، ولا توجد علاقة تربطها بالأمراض التي نعاني منها، وليس لدينا أدنى فكرة عمّا نبحث أو ما هو العلاج الذّي يمكنه مساعدتنا.
فيما يلي 12 عرضًا رئيسيًا لاضطراب ما بعد الصدمة المعقّد، فلنفكر في كلِّ واحد منها وإذا انطبق علينا أكثر من 7 علامات فيتوجّب علينا الحذر:

1.الشّعور بعدم الأمان:
لدينا شعور دائم بالخوف من أن شيئًا فظيعًا على وشك الحدوث، وأننّا في حالة من فرط اليقظة، وتوقّعنا المفاجئ بتكرار حدوث الكارثة يفقدنا ويحرمنا الاستمتاع باللّحظة الرّاهنة ويجعلنا نشعر بالإهانة، وربما سيضعنا في سجنٍ يحرمنا من الشّعور بأي شيء إيجابي. ولن نُقتل بالضرورة بل إنّ حياتنا قد انتهت إلى نهاية كلّ المقاصد، وقد يحاول النّاس بثَّ الطمأنينة في قلوبنا من خلال المنطق بأنّ الواقع لن يكون بهذا السوء في أي وقت من الأوقات، إلّا أنّ المنطق لن يساعدنا، لأنّنا لسنا مشوّشين قليلًا بل نحن في قبضة مرض ما.

2. لا يمكننا أن نشعر بالرّاحة أبدًا ويظهر هذا جليًا في أجسادنا المتصلبة والمشدودة بسبب التّوتر الدّائم، ونواجه مشكلة إذا تمّ لمس مناطق معيّنة في أجسادنا، إذ إن ممارسة رياضة اليوغا أو التّأمل ليست فكرة جذابة، قد تكون فكرة مقزّزة بشكل إيجابي وقد نطلق عليها بتهكّم وسخرية “الرّوحانية” وبشكل أعمق إنها فكرة مرعبة، وربّما نشعر بتهيّج القولون أيضًا لأنّ القلق لدينا له صلة مباشرة بالجهاز الهضمي.

إعلان

3. لا يمكننا النّوم بعمق، وعادةً نستيقظ مبكرًا جدًا ونحن في حالة من الانزعاج الشّديد كما وأنّنا في أثناء الرّاحة فقدنا حذرنا وأصبحنا في خطر أكبر من المعتاد.

4. لقد كونّا صورة ذاتية مروّعة عن أنفسنا في أعماقنا، فنحن نكره أنفسنا ونعتقد أنّنا قبيحون ومتوحشون ومنفّرون، وأنّنا فظيعون وربما نعتقد بأننا من أفظع الأشخاص في العالم، فحياتنا الجنسيّة مضطربة بشكلٍ خاص حيث نشعر بالافتراس والاشمئزاز والخزي.

5. كثيرًا ما نلجأ إلى أشخاص غير موجودين، ونخبر أنفسنا أنّنا نكره الناس الذين يحتاجون المساعدة، وما نكرهه حقًا هو وجود أشخاص قريبين منّا أكثر من اللازم، إذ نحن نمثّل الخط المباشر للنّاس المنسحبين الذّين لا يريدون استمداد الدّفء من أنفسهم، والذّين يكافحون مع مشاكلهم غير المُشخّصة والتي تتعلّق بالتّلافي والتّجنُّب.

6. لقد سئمنا من الأشخاص الذين يريدون أن يشعروا بالرّاحة معنا، ونحن نسمّي هؤلاء الأشخاص بالجِراء أو المثيرين للاشمئزاز أو اليائسين.

7. ففي بعض الأحيان نحن عُرضًة لفقدان أعصابنا بشكل سيّء عند تعاملنا مع الآخرين، ولكننا في كثير من الأحيان نفقد أعصابنا فقط عندما نكون وحدنا، نحن لسنا غاضبين بقدر ما نشعر بالقلق الشديد؛ خشية أن يصبح كلّ شيء فظيعًا للغاية مرة أُخرى، إنّنا نصرخ لأنّنا نشعر بالرّعب، فنحن ننظر للأمر على أننا في واقع لا نملك أي وسيلة للدفاع عن النفس.

8. نحن نعاني إلى حدٍ كبير من جنون الارتياب، ولكن ليس بتوقعنا بقيام أشخاص آخرين بتسميمنا أو اتباعنا في الشوارع، فنحن نشك بأنّ الآخرين أعداءنا، وسيبحثون عن الفرص لسحقنا وإذلالنا، وبوسعنا أن نستخلص أمثلًة على ذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، والبيئة الأكثر قسوة وتعسّفًا، ويمكن لأي شخص يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة المعقد الشعور بالتشويش من العالم بأسره، ويرجع ذلك أساسًا لعالمهم العشوائي السّيء.

9. نحن نجد أنّ الأشخاص الآخرين في غاية الخطورة ونشعر بالقلق للحدّ الذّي يجعلنا نعيش وحيدين في كونٍ يشتمل على عواملَ جذبٍ هائلة لنا، فقد نفضّل أن نذهب ونعيش تحت صخرة إلى الأبد، وفي بعض الأمزجة التّي نمر بها نربط الراحة بعدم ضرورة رؤية أيّ شخص مرّةً أُخرى.

10. نحن لا نعتبر أنفسنا انتحاريين ولكن في الحقيقة نجد حياتنا مرهقة جدًا وغالبًا ما تكون مزعجًة للغاية، وفي بعض الأحيان نضطر ألّا نكون متواجدين لفترة طويلة.

11. لا يمكننا أن نُظْهِر الكثير من العفويّة، لأننا صارمون بشأن الروتين، ونلتزم بأن يكون كلّ شيء مرتبًا على نحوٍ معيّن، في محاولة لدرء الفوضى التّي تلوح في الأفق، قد ننظف كثيرًا، وقد لا يمكننا تفريق وتمييز الشّعور بالتّغيّيرات المفاجئة في الخطط عن الانهيار الذي نخشاه.

12. فقد نُشغل أنفسنا بالعمل لجمع المال واكتساب الشهرة والسمعة والهيبة محاولين إيجاد الأمان من خلالهم، ولكن هذا لا ينجح بطبيعة الحال، لأنّ الشُّعور بالقلق والاشمئزاز من الذّات مصدره من داخلنا، لذا لا يمكننا أن نشعر بالأمان من مصادر خارجيّة.
من المُمكن أن يقوم شخصٌ واحدٌ بجعلك تشعر بالاشمئزاز من ذاتك بعد قيام مليون شخص بتشجيعك قبله، وهذا بسبب الشعور الذّي تركته بداخلك دون علاج، وقد تشعر بقلق خاصّ من فترات الرّاحة من العمل، فالتّقاعد والعطل يخلقون بداخلك مشكلات لا نظير لها.

ما هو علاج الأعراض المضنية والمتعبة لاضطراب ما بعد الصدمة المعقّد؟

يحتاج جزء من العلاج إلى أن ندرك بشجاعة أنّنا مررنا بشيء فظيعٍ لم نستوعبه بشكل صحيح حتّى الآن؛ لأنّنا لم نكن في بيئة مستقرّة وطيّبة لندرك ذلك، ومن الصّعب دائمًا أن نتسم بالشّجاعة؛ لأننا كنا حريصين على تجنّب القيام بذلك.
نحن متزعزعون بعض الشيء لأن الوضع كان فظيعًا حقًا منذ فترة طويلة، شخص ما جعلنا نشعر بعدم الأمان عندما كنّا صغارًا ومن المحتمل أن يكون هذا الشخص أحد والدينا، فقد جعلنا نعتقد أن لا شيء قد يكون مقبولًا؛ وباسم “الشجاعة” كان علينا أن نتحمل حالات انفصال بالغة الصعوبة، وربما تكرّر ذلك على مدى سنوات ولم يجعلنا أحد ننتبه إلى قيمة أنفسنا، لقد تم الحكم علينا بقسوة لا تطاق وقد يكون الضّرر واضحًا جدًا، ولكن أكثر الأحداث شيوعًا حدثت في ظروف موضوعيّة غير مقصودة.

ربما لم يلحظ الزّائر العادي ذلك قط، وربما كان هناك سرد ما زال باقيًا مفاده أنّنا كنا جزءًا من أسرةٍ سعيدةٍ، ومن بين الاكتشافات العظيمة التّي توصل إليها الباحثون في اضطراب ما بعد الصّدمة المعقّد أنّ الإهمال العاطفيّ داخل الأُسر التّي حققت أهدافها بوضوح عالٍ، قد يكون ضارًا بقدر العنف النّشط في الأُسر المحرومة بوضوح.

يتعين علينا أن نكفّ عن شجاعتنا إذا دقّ أيّ من أجراس الخطر هذه، وينبغي لنا أن نسمح لأنفسنا بالشّعور بالتّعاطف مع أنفسنا، وقد لا يكون هذا سهلًا؛ نظرًا لمدى صعوبة ميلنا إلى أن نكون مع أنفسنا، وتتمثّل الخطوة التّالية بمحاولة اختيار مختص للمعالجة أو مستشار مدرّب على كيفية التّعامل مع اضطراب ما بعد الصدمة المعقّد، وقد يكون هذا الشخص مدربًا على العمل الذّي يتمّ فيه التّعرّف على الصّدمات النّفسية، وهذا يؤكّد على توجيه كميّات هائلة من التّعاطف نحو الذّات الأحدث سنًا من أجل التّحليّ بالشّجاعة الكافية لمواجهة الصّدمات والإدراك لتأثيرها على حياة المرء.

بالأحرى وبشكل مؤثّر وبسيط، السّبب الجذري لاضطراب ما بعد الصّدمة المعقّد هو غياب الحب، وعلاجه يجب أن يتّبع نفس المسار: فنحن بحاجة للعودة إلى الذّاكرة لكي نحبّ شخصًا نكرهه ظلمًا إلى حدّ كبير ألا وهو أنفسنا.

مصدر الترجمة

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: فرح سلمان

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

تدقيق علمي: عمر العجيمي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.