تأخذك إلى أعماق الفكر

ثلاثة أسئلة لم تجب عنها صورة الثقب الأسود

في العاشر من أبريل الماضي تحققت آمال الفلكيين حول العالم بالحصول على أول صورة لثقب أسود، وبالتحديد صورة أفق حدث الثقب الأسود الواقع في مركز مجرة مسييه 87، على بعد نحو 55 مليون سنة ضوئية من الأرض، وتسابق الجميع حول العالم في الاحتفال بالصورة التي ترقبها العالم طويلًا.

سنوات عديدة سبقت هذا الإنجاز تم خلالها إجراء عملية تزامن دقيقة باستخدام الساعات الذرية لربط ثمانية من أهم التلسكوبات اللاسلكية المنتشرة حول العالم، لتشكل معًا تلسكوبًا كبيرًا بحجم الكرة الأرضية، أطلق عليه “تلسكوب أفق الحدث“.

وفي النهاية احتاج الأمر تعاونًا وثيقًا بين علماء الفلك في تلك المراصد ومجموعة من خبراء الذكاء الصناعي، أخذوا على عاتقهم مهمة ابتكار مجموعة من الخوارزميات بغرض تحويل مجموعة البيانات الهائلة التي تم الحصول عليها من التلسكوبات إلى صورة يمكن عرضها على الجميع حول العالم. بالتأكيد كانت الصورة إثباتًا لصحة التنبؤات السابقة حول سلوك الضوء بالقرب من الثقوب السوداء، لكن اليوم وبعد أن خمدت جذوة الاكتشاف فإن كثيرًا من المهتمين بالفيزياء عمومًا والفيزياء الفلكية خصوصًا، قد أعربوا عن عدم رضاهم عن ذلك الإنجاز الفريد.

فالإعلان عن الصورة في رأيهم قد خلا تمامًا من المفاجآت، فلم تظهر الصورة أي دلائل على انهيار الفيزياء التي نعرفها، وهو الأمر الذي يؤكد العلماء حدوثه داخل الثقوب السوداء، ولم تظهر لنا الصورة أي ملامح غير متوقعة عن الثقوب السوداء. بالعكس جاءت مطابقةً تقريبًا لتلك الرسوم التوضيحية للثقوب السوداء التي اعتدنا على رؤيتها في كتب العلوم وثقافة البوب، ناهيك عن أن الصورة كانت مشوشة قليلًا.

عمومًا فقد انفض المولد كما يقولون وما زالت العديد من الأسئلة حول الثقب الأسود دون حل.

السؤال الأول:

كيف تنتج الثقوب السوداء تلك التدفقات الهائلة من المادة الساخنة؟

تتميز الثقوب السوداء بقدرتها على التهام المادة التي تقترب منها، واستيعاب معظمها فيما وراء أفق الحدث، في حين تقذف الباقي في الفضاء بسرعة تقارب سرعة الضوء، في صورة نفثات ملتهبة، تم رصدها على هيئة أشعة من المواد المتأينة، تظهر مندفعة من مراكز  الثقوب السوداء في قلب المجرات النشطة، يطلق العلماء على تلك النفثات مصطلح “التدفقات النسبية” relativistic jets، لأنها تعد دليلًا على صحة تنبؤات نظرية النسبية الخاصة حول سلوك المواد المنطلقة بسرعات تقترب من سرعة الضوء، ويتميز الثقب الأسود في مجرة مسييه 87 بواحدة من بتلك النفثات المثيرة، عابرة المجرات، كما تبينها تلك الصورة الملتقطة بواسطة تلسكوب هابل الفضائي.

إعلان

تلسكوب أفق الحدث
مجرةة مسييه 87 ينبعث منها تدفق نسبي، كما يتضح من مرصد هابل الفضائي.

 

 

 

 

 

 

 

 

ويرجع علماء الفيزياء هذه الظاهرة إلى قوى القصور الذاتي التي تدفع جزءًا من المادة إلى الفضاء على صورة تلك التدفقات النسبية أو النفثات الملتهبة نتيجة للسرعات القصوى التي تندفع  بها باقي المواد في جاذبية الثقب الأسود، إلا أن التفاصيل الدقيقة لتلك العملية تظل موضع جدل بين العلماء، لكن الصورة الجديدة وما رافقها من أوراق بحثية لم تعطِنا أي تفاصيل جديدة حول تلك النقطة، ويأمل العلماء في أن يتمكنوا يومًا من ربط ملاحظات تلسكوب أفق الحدث -التي ترصد جزءًا محدودًا من الفضاء- مع الصور التي تم الحصول عليها من تلسكوبات أخرى لتلك النفثات الملتهبة من أجل فهم أفضل لكيفية تكونها. في حين أن الفيزيائيين ليس لديهم حتى الآن إجابات، ويجب عليهم الانتظار حتى تظهر الصورة التالية من إنتاج فريق تلسكوب أفق والتي يتوقع أن تكون للثقب الأسود العملاق ساجيتوريس A* الموجود في مركز مجرتنا درب التبانة، والذي لا ينتج نفثات مثل الثقب الأسود في مجرة مسييه 87. وربما تمدنا المقارنة بين الصورتين ببعض التفاصيل الجديدة.

السؤال الثاني:

متى يتم الجمع بين النسبية العامة وميكانيكا الكم؟

كلما اجتمع الفيزيائيون معًا للحديث عن اكتشاف جديد مثير حقًا، يظهر على الفور شخص ما يوحي بأن ذلك الاكتشاف قد يساعد على شرح “الجاذبية الكمية”.

فالجاذبية الكمية واحدة من أكبر ألغاز الفيزياء، فمنذ حوالي مائة عام تقريبًا والفيزيائيون يتعاملون مع الظواهر الطبيعية  باستخدام نظريتين مختلفتين: نظرية النسبية العامة، التي تتعامل مع أشياء كبيره جدًا مثل الجاذبية، ونظرية ميكانيكا الكم، تفسر بدقة سلوك الأجسام الصغيرة جدًا فيما دون الذرة. والمعضلة  التي عجز علماء الفيزياء عن حلها حتى اليوم هي أن قوانين الجاذبية وقوانين الكم يتناقضان بشكل مباشر. ميكانيكا الكم لا يمكن تفسير الجاذبية، والنسبية لا يمكن تفسير السلوك الكمي.

وما زال الفيزيائيون يأملون في إمكانية ربط الاثنين معًا في إطار نظرية واحدة، من المرجح أن تنطوي على نوع من الجاذبية الكمية. وقبل الإعلان عن صورة الثقب الأسود، كانت هناك تكهنات بأنه قد يتضمن بعض الاختراق بشأن هذا الموضوع، وتوقع البعض رؤية الجاذبية الكمية، قريبه جدًا من أفق الحدث نظرًا لأن حافة الثقب الأسود من الأماكن القليلة الفريدة التي تشهد تأثيرًا للقوى التي تدرسها النظرية النسبية في فضاءات كمية ضئيلة للغاية، تمامًا كما كانت الصورة عند نشأة الكون من مفردة لامتناهية في الصغر، إلا أن الصورة جاءت مطابقة لمنظور النسبية العامة، ولم تساهم في ظهور الفيزياء الجديدة التي قد تغلق الفجوة بين النظريتين، ويبدو أن الأمل في ذلك لا يزال بعيدًا حتى مع التطورات المقبلة لتلسكوب أفق الحدث.

السؤال الثالث:

هل كانت نظريات (ستيفن هوكينغ) صحيحة مثل نظريات (آينشتاين)؟

كانت فكرة “إشعاع هوكينغ” -أن الثقوب السوداء ليست سوداء في الواقع الفيزيائي، ولكن تنبعث كميات صغيرة من الإشعاع مع مرور الوقت- مساهمة عظيمة من عملاق الفيزياء الراحل ستيفن هوكينغ في بداية حياته المهنية، كان ذلك اختراقًا هامًا في مجال دراسة الثقوب السوداء، لأنه أظهر أنه بمجرد أن يتوقف الثقب الأسود عن النمو، فإنه سيبدأ بالانكماش ببطء شديد نتيجة فقدان الطاقة.

هوكينغ

ولكن  تلسكوب أفق الحدث لم يؤكد أو ينكر هذه النظرية، فالثقوب السوداء العملاقة -مثل الثقب الذي تم تصويره، تبعث كميات ضئيلة من الإشعاع هوكينغ مقارنة بحجمها الإجمالي. ورغم أن فريق تلسكوب أفق الحدث قد توفر لديهم الأدوات الأكثر تقدمًا للكشف عن الموجات الصادرة من أفق حدث الثقب الأسود.

إلا أن تلك الأدوات ليست قادرة حتى الآن على الأقل من رصد إشعاع هوكنج الخافت جدًا الصادر من سطح ذلك الثقب الأسود.

نرشح لك: ما يجب أن تعرفه عن الثقب الأسود

المصادر:

https://www.nytimes.com/2019/04/08/opinion/black-hole.amp.html

http://www.astronomy.com/news/2019/04/the-nature-of-m87-a-look-at-a-supermassive-black-hole?utm_source=asyfb&utm_medium=social&utm_campaign=asyfb

https://www.theguardian.com/commentisfree/2019/apr/14/how-our-capacity-was-challenged-by-black-hole-image?utm_source=dlvr.it&utm_medium=facebook

http://www.astronomy.com/news/2019/04/the-decades-long-struggle-to-draw-a-realistic-black-hole?utm_source=asyfb&utm_medium=social&utm_campaign=asyfb

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.