تأخذك إلى أعماق الفكر

أخطر من الوباء

في كل لحظة، تصبح السياسة الإسبانية أكثر سُميَّة من فيروس الوباء. فيوماً بعد آخر، منذ أوائل هذا الشهر الكئيب، أيلول/سبتمبر 2020، نرى أخباراً عن زيادة في العدوى والوفيات وهي تتفاقم بالمشهد القذر للخلاف السياسي، وعدم الكفاءة المتحالفة مع الفئوية، واللامسؤولية التافهة التي أخذت تتحول شيئاً فشيئاً الى إهمال إجرامي. إن السياسة الإسبانية مدمِّرة بقدر ما هو الفيروس كذلك.

اللقاح ضد الفيروس آتٍ، والعلاجات المخففة سوف تتحسن؛ أما السُّم الإسباني للسياسة الدنيا فلا يبدو أن هناك علاجاً له. يقول لنا العلماء إن بلدنا لديه مواطن ضعف أكبر من بلدان أخرى. ويقارن علماء الأوبئة الأرقام التي تضعنا في طليعة أوروبا من حيث عدد المرضى والوفيات والعاملين في مجال الصحة المصابين بالعدوى. وتحذرنا المؤسسات الاقتصادية الدولية من ركود اقتصادي أخطر من أي بلد آخر من بلدان الاتحاد الأوروبي. لم يتراجع اقتصادنا على هذا النحو منذ الحرب الأهلية، ويرى جيل بأكمله مستقبله معلقاً لأنه لا يعلم ما إذا كانت المدارس ستبقى مفتوحة. لكن الطبقة السياسية الإسبانية، والأحزاب، ووسائل الإعلام التي تذيع مشاجراتهم وتبجحاتهم، تعيش في نوع من الفقاعة حيث لا يوجد موقف إلا التباهي العدواني، والدفع باتجاه إلحاق الأذى، واستخدام حصيلة المفردات القذرة التي لا تنفع إلا في تسميم أكبر للجو الجماعي، لتجنب المسؤوليات والبحث عن أكباش فداء، وعن أعداء ينحى عليهم باللائمة عن كل الأخطاء.

إن الفيروس هو من يقتل، لكنه كان سيقتل أقل بكثير لو أن عدم الكفاءة والفساد والزبائنية السياسية لم تكن قد أضعفت منذ أعوام عديدة الإدارات العامة، طاردةً منها كثيراً من الأشخاص المقتدرين، ومغرقةً من تبقى في الإحباط، حارمةً إياهم من الموارد الضرورية التي انتهت إلى التبدد في عمليات الخصخصة غير النزيهة أو جداول الرواتب السخية للطفيليين.

إن الحكومة الصالحة، والعدالة الاجتماعية، تحتاجان قبل أي شيء آخر إلى إدارة نزيهة وفعالة. وأفضل النوايا تغرق في العدم أو في التفاهة إذا لم يكن ثمة هياكل فعالة ومرنة وموظفون قادرون على إبقائها قيد العمل. إن إنجازاً ضرورياً كالحد الأدنى للدخل الحيوي يبقى متعثراً جرَّاء العوز في إدارة مُثقَلَة. فإسبانيا هي بلد خطابات رنانة وهواتف رسمية لا ترد أبداً، ومستشارين لا حصر لهم، ومراكز صحية تنقص فيها المواد الصحية حتى تلك الخاصة بالنظافة، وقادة سياسيين يَعِدُون بجنة الاستقلال أو المساواة، وأطباء ينبغي عليهم أن يوقعوا عقوداً لأسبوع أو ليوم واحد من أجل البقاء.

يعاني إقليم مدريد وتيرة العدوى الأعلى في العالم ويدشِّن نائب رئيسها بهيُّ الطلعة موزعَ هلام (مائي كحولي) في محطة مترو. وقد نشر مائة وخمسون عالماً من المرتبة الأولى بياناً في مجلة The Lancet طالبوا فيه الإدارات الإسبانية بالقيام بفحص شامل ودقيق ومستقل لكيفية إدارة الوباء في بلدنا. ظهر البيان في أوائل آب/أغسطس، عندما كان منحنى العدوى صاعداً بالفعل: لم تستجب ولا حتى مؤسسة واحدة؛ في أواسط أيلول/سبتمبر، فقط بعد نشر بيان ثان أكثر مدعاة للقلق، اقترح وزير الصحة على العلماء لقاء في تشرين الأول/أكتوبر. من الواضح أن لا داعي للعجلة!

إعلان

أطباء، ممرضون، عمال نظافة، موزعو أغذية، عمال التخزين في كبرى المخازن، رجال الشرطة، عسكريون، مقدمو رعاية في بيوت المسنين، معلمون، صيادلة: إن أعداد ونوعية الأشخاص الذين كرسوا حيواتهم قائمين بالأعمال الأساسية خلال الأيام الأكثر ظلمة في فترة الحجر تمنحنا ثقةً في صلابة بلدنا هي أكثر جدارة بالتقدير لأنها تبقى في حدود الممكن على الرغم من المناخ السياسي المدمر والعقيم، وطبقةٍ سياسية لا يوجد أدنى شك في وجود أفراد شرفاء ومقتدرين فيها، رغم أنها تحولت، في مجموعها، في الواقع اليومي لعملها، إلى عقبة ليس أمام التعايش المتحضر، بل أمام استدامة البلد بحد ذاتها وبقاء المؤسسات والقواعد الديموقراطية.

ليس الأمر أنهم يظهرون في كل يوم غير أكفاء أو عديمي المسؤولية في إدارة المشكلات التي تثقل كاهلنا؛ بل إنهم يتفرغون بنشاط لمفاقمتها، حائلين دون أي نوع من أنواع الاتفاق البنَّاء، وغالباً ما يخلقون مشكلات أخرى توجد فقط لأنهم اخترعوها، بهدف إلقاء المزيد من الحطب على نار الشجار اليومي. يعيشون أسرى مصالحهم بحيث أن لا قدرة لديهم على التوجه بكرم وبلاغة إلى عامة المواطنين الذين يمثلونهم، وبفضلهم يعيشون. يخطبون في العامة ولا يتكلمون إلا إلى خاصتهم. وفي سبيل إيذاء خصومهم هم قادرون على تخريب  ما سوف يكون نافعاً للغالبية. وبدلاً من النقاش العام، وتبادل الأفكار، والبحث عن ممارسات أفضل، يفضِّلون السيرك السام لوسائل التواصل الاجتماعي، وهي اللعبة والعرض التي انضموا إليها جميعاً.

ما عاد أحد يتذكر الآن، لكن قبل عام كان علينا أن نعيد الانتخابات، لأن الأحزاب الأكثر تفضيلاً من قِبَلِ المواطنين في الانتخابات السابقة في نيسان/أبريل لم تكن قادرة على التوصل إلى اتفاق حكومي، الأمر الذي اضطرنا إلى حالة مؤقتة طويلة (حكومة تصريف أعمال) ما كدنا نبدأ بالخروج منها، على نحو متعثر، حتى دهمنا الوباء ووضع أمامنا بدون أعذار جميع مواطن الضعف التي انقضت أعوام كثيرة وهي تزحف جرَّاء إهمال وعجز الطبقة السياسية.

بدا حينذاك، في أوائل آذار/مارس تقريباً، أن العبء الثقيل للواقع الراهن سيجبر القادة والأحزاب على إظهار قدر من الحصافة وإحساس بالمسؤولية، مساو لذلك الموجود عند المواطنين الذين غيروا عاداتهم بين ليلة وضحاها والتزموا بالإغلاق، إن لم يكن مثل الذي عند العاملين بالمجال الصحي والموظفين العموميين الذين كثيراً ما مارسوا بطولة هادئة في ظروف مؤسفة طيلة شهور.

كان جلياً للغاية ما كنا بحاجة إليه بحيث بدا مستحيلاً عدم صياغة اتفاقات كبرى من أجل تحقيق ذلك. لكنني أتذكر أن اليمين الإسباني في الأيام الأكثر ظلمة كان مخيفاً للغاية في ضراوته، كفيروس كورونا، وكان متواطئاً تماماً مع ذلك اليمين الأصولي الآخر الذي يبدو للبعض يسارياً لمجرد أن يعلن نفسه مناهضاً لإسبانيا antiespañola : إن أكثر من يشبهه الاستقلاليون الكتالونيون الآن في عدم تضامنهم وفي رغبتهم في الشجار واستغلال الكارثة هم الوطنيون الإسبانيون الذين يسيئون إدارة إقليم مدريد. هؤلاء وأولئك، يهتمون بالأذى الذي يمكنهم أن يلحقوه بالحكومة المركزية أكثر مما يهتمون بضرر يصيب الجميع. وفي الحكومة نفسها، غير المنسجمة وفاقدة الاتجاه، يعرقل الثرثارون والمستهترون عمل أولئك الذين يعلمون حقاً ما يفعلون.

لا أعلم، بصراحة، ما الذي يمكننا عمله نحن المواطنين العاديين، غير المصابين بعدوى الكراهية، الذين نود أن نرى الحياة السياسية محكومة بمبادئ البراغماتية والتوافق نفسها التي يسترشد بها الجميع تقريباً في الحياة اليومية. نضع الكمامة، نحافظ على التباعد، نخرج قليلاً، نغسل الأيدي، نقوم بعملنا بأحسن ما نستطيع. إذا لم نفعل شيئاً آخر فإن هؤلاء الناس سيغرقوننا جميعاً.

رابط الأصل الإسباني:

 

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: زياد الأتاسي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.