كيف للفيزياء أن تبني رؤيتنا للوجود؟ “ميتافيزيقا وايتهد نموذجًا”

مقــدَّمــة

تتقدَّم المعرفة عادة على هيئة اكتشافات مذهلة أو اختراعات نافعة أو حتى فرضيات قابلة للتجريب، لكن هذا كله لا يعدل تقدُّم المعرفة بتغيُّر رؤيتنا للطبيعة والعالَم، لأنه حتى ولو لم ير العالِم فى مختبره أو رجل الشارع أكثر من بضع خطوات أمام كل تقدُّمٍ للمعرفة، فما زال الفيلسوف هناك حيث يرى الصورة كاملة كما لو كان يقف على تلة عالية يرقب علمًا يُعَاد تنظيمه، ورؤية تُعَاد صياغتها، وشغفًا لا بُدّ وتوجيهه، وقد كان فى تاريخ العلوم والفَلْسَفة عديد المرَّات أن حدث هذا التحوّل الجذريّ فى رؤيتنا للطبيعة والوجود، لعل آخرها الثلاثة عقود الأولى من القرن العشرين، وتحديدًا ثَوْرات الكوانتم والنِّسْبيَّة والرياضيات وهذا الانقلاب الذي أحدثته في مُسلَّمات العِلْم المتربع على عرش العقل الحديث حينها.

الفيزياء الحديثة

حيث في قلب الكوانتم يقع مبدأ هايزنبرج للا حتميَّة: أن كل المقادير الفيزيقيَّة التي يمكن ملاحظتها تخضع لعواملٍ لا يمكن التنبؤ بها تجعل قيمها غير محدَّدةٍ؛ الإلكترون مثلًا محاولة تعيين موقعه بدقةٍ لا بُدّ وأن ترتبط بانخفاض الدقة في تعيين سرعته والعكس صحيح، وهذا الثابت ضئيل جدًا ولا يمكن ملاحظته في حياتنا اليوميَّة، لكننا نلحظه في المجال الذَرِّيّ، وليس الأمر غايته هنا إهْمَالنا في وسائل القياس، بل في صلب الطبيعة نفسها. أما أينشتاين في نظريته النِّسْبيَّة فقد نقض المُطْلق النيوتينيّ تمامًا حين أكَّد استحالة وجود الجسم الساكن المُطْلق ولو نظريًّا، فالقمر مُتَحرِك بالنسبة للأرض، والأرض مُتَحرِكة بالنسبة للشمس، والكل في حركةٍ دائبة، كذا استحال الزمان المُطْلق حين أكَّد أنه لا يسري في أنحاء الكون بالتساوي، بل بالنسبة لنا نحن الراصدون، حتى أن كُلًّا مِنَّا سيدرك سماءً مختلفة ونُقدِّر زمنًا مختلفًا تبعًا لسرعة ومكان مختلف، أي أنه يمكننا تصوّر النِّسْبيَّة ووصف الأحداث عن طريق تصوّرٍ إستاتيكيٍّ في إطار خلفية من المُتصِل الزمانيّ والمكانيّ رُباعيّ الأبعاد، لأن القسمة بين الزمان والمكان ليس لها أي معنى موضوعيّ ما دام الزمان لم يَعُد مطلقًا بل نسبيًّا.

كل هذا أباح لنا أن نرى حادثًا بعينه ماضيًا لمُشاهِدٍ ومستقبلًا لمُشاهِدٍ آخر، واستحالة الحُكْم بأن حادثًا وَقَعَ قبل آخر أو بعده، وأثبت قصور تطبيق الهندسة الإقليديَّة على العالَم واستبدل بها هندسة ريمان، حتى وإن احتفظت كلٌ منها بالضرورة المنطقيَّة. هذا ما برَّرته الثَّوْرة المنطقيَّة الرياضيَّة على يَدّ برتراند راسل وألفريد نورث وايتهد في كتابهما الشَّهير “مبادئ الرياضيات principia mathematica”، وذلك برد الرياضيات للمنطق. فما هي -أي العمليات الرياضيَّة والهندسيَّة- إلا تحصيل حاصل يربط المنطق بين طرفيها، نبدأ بمُسلَّماتٍ مثل المستقيم والنقط على السطح والمستوى وغيرها، ونخرج بنظرياتٍ هندسيَّة فارغة عن أي ضرورة فيزيقيَّة، ذلك أن الواقع إنما يعتمد على شيءٍ ما خارجيّ، أي قضايا تركيبيَّة وليس العكس.

هذا ما أحدثته ثَوْرة الكوانتم والنِّسْبيَّة والرياضيات، وقلبت به مفاهيم المجتمع العِلْميّ بأمورٍ كانت راسخة لا يجرؤ أحدٌ على ردها، كالحتميَّة الميكانيكيَّة والعِليَّة واطراد الطبيعة والزمان والمكان المُطْلَق. ومن عجيب الأمر أن رَجُل الشَّارع لم يكد يؤمن بالعِلْم يومها حتى كفر به العالِم والفيلسوف (أعني القانون العِلْميّ والحتميَّة)، ذلك أن انهيار الفيزياء الكلاسيكيَّة وجدواها يومئذ أصاب العلماء بحالةٍ من التوجُّس والريبة، حتى أن أينشتاين نفسه يقول مقولته الشَّهيرة: “الله لا يلعب النرد”.

إعلان

ما أشبه الليلة بالبارحة

من قبل كان قانون الجاذبية كما نَصَّ عليه نيوتن، كان قد قدَّم تصوّرًا لمكانٍ وزمانٍ مطلقين، تعود فيه قوانين الحركة لمجرَّد تفاعُل من الصدمات والتجاذُبات بين جُسيمات الكَوْن كله، ما تحت فلك القمر وما فوق فلك القمر، وليس كما نظَّر أرسطو وأتباعه من قبل. لماذا يتطاير الدُّخان؟ ولماذا تسقط الأحجار؟ وأجابوا أنها تتابع هدفًا أو غاية تسحبها إلى اللحاق بمكانها الطبيعي، فضلًا عن رؤيته للحركة ككيفيَّات الدائريَّة أكملها، حيث حركة الأفلاك السماويَّة الإلَهيَّة، وليس مجرَّد تغيُّر في الحركة يُقَاس كما واتجاها.

تطير الأجسام الخفيفة إلى الأثير الإلَهيّ وتسقط الأحجار الثقيلة إلى الأرض مركز الكَوْن والوجود، حيث تدور حولها الشمس والقمر والنجوم والكواكب، كل ذلك يدور حول الإنسان وفي فلكه، ولقد تبنتها الكنيسة الكاثوليكيَّة كما لو كانت وحيًا مُنزَّلًا قبل أن تتخلَّى عنها متأخرة تحت معاول كتابات كوبرنيكوس وأفكار برونو ومشاهدات جاليلو وكبلر وذروة الأمر عند نيوتن وبعد أن فعلت في الذود عنها ما فعلت، وهكذا انْهَارَ هذا التصوُّر عن الكَوْن المغلق المتراتب المُحدَّد بغاياتٍ والمُنظَّم كما ينبغي وَفْق عقولنا، وما دام أنه آلةٌ مُجْبرة على نظامٍ حتميٍّ ميكانيكيٍّ فلسنا استثناءً، وليس لنا أن نختار ما شئنا أو نتخلَّف عن حتميته الصارمة شأن باقي ما حولنا. هذا دَيْدَن الفلاسفة وقتها، وإن حاول بعضهم صَدّ التيار ولو على استحياءٍ.

كان هذا كُله قبل أن يَطُلّ ديفيد هيوم -فيلسوف إسكتلندا الشكَّاك- على العقل التجريبيّ العِلْميّ المُغْتَرّ بانتصاراته ومبادئه الكُليَّة يومها: كالحتميَّة والعِليَّة والقُدْرَة على التنبؤ. يَطُلّ يومها بشكّيته المُتطرِّفة حين أرجع كل شيءٍ إلى التجربة، بمعنى الخبرة النَّفسيَّة بالمحسوسات أي الانطباعات، مُنْكرًا ما دونها. وإن كان قانون العِليَّة -عمود العِلْم الطبيعيّ آنذاك- لا يستند إلى مقابلٍ حسيٍّ إلا تعاقبًا بين الأحداث، فما هي إلا عادة نَفسيَّة: هذا ما قاله. وهل يمكن أن نُقيم صَرْح العِلْم الشامخ على مجرَّد عادة نَفسيَّة؟! هذا حال المجتمع العِلْميّ وما يُعَانيه من شيزوفرينيا خانقة –كما يصفه برتراند راسل- أحد قطبيها ثَوْرة الكوزمولوجيا الحتميَّة وذروتها عند نيوتن، وقطبها الآخر نزعة الشَكّ عند هيوم التي دوت في أوروبا كُلها.

أيقظ هيوم بشكيَّته إيمانويل كانط -صاحب كتاب نقد العقل المحض- من سباته الدجماطيقيّ، وراح يبحث عن مصدرٍ آخر يقيم عليه صَرْح العِلْم المتهاوي غير التجربة نفسها، مصدرًا يقدِّم له اليقين والضرورة على صورة فيزياء نيوتن، المثل الأعلى للعلوم وقتها، والمعين الثاني لكانط في فلسفته بعد شكيَّة هيوم.

وقد قابل كانط تناقضات صريحة ومحيرة، حين حاول تطبيق أفكارنا عن الزمان والمكان والعِليَّة على الكَوْن ككل، ففهم من ذلك أن على الإنسان ألا يتجاوز حدود خبراته: أي حسه وتجاربه وعالَمه الفيزيقيّ، ليطبِّق عليه قوالب عقله المحض: أي الزمان والمكان والعِليَّة وغيرها، فإن كنا ننظر للطبيعة ونستمد منها خبراتنا، إلا أننا نفرض قوانيننا عليها، لكن لنتذكَّر، إن كنا نفرض قوانيننا عليها فإننا لا نستطيع أن نتجاوزها، ذلك أن الزمان والمكان -وإن لم يُنْكِر كانط موضوعيتهما لكنه يُنْكِر واقعيتهما المُطْلقة- ما هما إلا قالبان مفطوران في عقولنا شأنهم شأن العِليَّة، التي يتم وَفْقًا لها تنظيم عقولنا لخبراتنا في معرفةٍ وعِلْمٍ مضبوطين، وتلك ثَوْرة كانط الكوبرنيقيَّة، فليست الشمس هي من تدور حولنا، بل نحن من ندور حول الشمس، وليست الطبيعة هي التي تنظِّم معارفنا، وإنما عقولنا هي التي تفعل ذلك. أما على المستوى الأخلاقيّ، فنحن أحرار نُشرِّع لأنفسنا أخلاقنا وواجبنا تجاه غيرنا كما نُشرِّع للطبيعة. ما أشبه الليلة بالبارحة وما أشبه عصر ثَوْرات الكوانتم والنِّسبيَّة ومنطق الرياضيات ودعوات موت الميتافيزيقا وما أحدثه ذلك كُلّه من هزاتٍ في مُسلَّمات الفِكْر الإنسانيّ يومها، ما أشبهه بحال الفِكْر يوم بُعِثَ كانط، وما أحوجهم في القرن العشرين إلى كانطٍ جديدٍ، مثلما ترى الفيلسوفة المُعاصِرة دروثي إيميت Dorothy Emmet. فقد أيقظ أينشتاين وايتهد من سباته الدجماطيقيّ، كما أيقظ هيوم كانط .

ميتافيزيقا وايتهد

ألفريد نورث وايتهد (1861-1947)، هو أحد فلاسفة الواقعيَّة المُحدَثة في العالَم الأنجلوسكسوني رغم خروجه عن مألوفها في فَلْسَفته المتأخرة. تطبَّع في بداية حياته الفِكْريَّة بالطابع الرياضياتيّ من خلال تدريسه في جامعتيْ كامبريدج ولندن في إنجلترا، ليُخْرِجُ لنا مع صديقه الفيلسوف البريطانيّ الآخر برتراند راسل عملهما الضخم الشَّهير في القرن العشرين “مبادئ الرياضيات principia mathematica”، قبل أن يتوجَّه إلى العِلْم الطبيعيّ ويهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكيَّة ليُعيَّن في جامعة هارفارد ويختم الطور الأخير من حياته الفِكْريَّة بنزعةٍ ميتافيزيقيَّةٍ أنطولوجيةٍ في كتابه “الصيرورة والواقع” عام 1929م، الذي كان يهدف فيه إلى خَلْق مذهب متجانس متناسق من العلوم الطبيعيَّة والميتافيزيقا والدِّين.

ولأن الفَلْسَفة ما انْفَكَّت تخدم أغراض الناس وحاجات عقولهم ونفوسهم منذ ولدت عهد الإغريق، تطمئن دهشتهم من هذا الكَوْن المتناغم وتُساير سلوكهم وَفْقه، ثُمَّ من بعدها جاءت القرون الوسطى في الشرق الإسلاميّ والغرب المسيحيّ وما زالت الميتافيزيقا مخلصة في عملها؛ تخدم عقائدهم الدِّينيَّة وتُطمئِن عقولهم بما آمنت به قلوبهم. أما الآن في عصر العِلْم،يماذا يسع الميتافيزيقا أن تفعل فى هذا العصر إلا أن تخدم سيدها الإنسان فيما يشغله. لذا فهنا يدعونا وايتهد، كما دعانا كانط من قبل، إلى أنه بدل من أن نسعى لإسْقَاط الميتافيزيقا باسم العِلْم كما عند الوضعييين المناطقة، أو إسْقَاط العِلْم باسم الميتافيزيقا كما عند برجسون، أو إسْقَاطهما معًا باسم الإنسان كما عند ماركس، فلنسعى لتطويعها كما عند من سبقونا من الفلاسفة الكبار على طول التاريخ وَفْق العِلْم لغاية المعرفة، ذلك أن شأن الميتافيزيقا والعِلْم أن يتبادلا النقد وأن يدفع كلٌ منهما بالآخر للتقدُّم. وما مسيرة العِلْم إلا مدى نجاح هذا المشروع أو فشله!

رأى وايتهد أن مهمة الميتافيزيقا تنحصر في محاولة تشكيل نسق مترابط كُليّ منطقيّ وضروريّ من الأفكار العامة القابلة للتطبيق، والتى تسمح لنا بتفسير كل شيءٍ يقع تحت خبرتنا أو علومنا، ثُمَّ إن فاعلية محاولة تشكيل النسق تلك، لا يأمل العقل التأمليّ –كما يسميه– خلالها تحقيق النسق تحقيقًا كاملًا إلا على نحوٍ تقريبيٍّ، ذلك أن ضعف الاستبصار وقصور اللُّغة يَحُولان دون ذلك، لكن ما عساه يكون منهج هذا العقل التأمليّ؟ يجـــيـــب وايتهد: أنه في ماهيته لا بُدّ وألا يكون مُقيَّدًا بمنهجٍ، لأنه في عملياته بالأساس يتضمَّن البحث عن منهجٍ أو مبادئٍ أولى في مقابل العقل الاستنباطيّ أو القياسيّ أو التحليليّ، وتلك ثَوْرة العقل اليونانيّ ودَيْدن الميتافيزيقيين الكبار من بعدهم. ذلك أنهم أخلصوا العقل من طابعه الفوضويّ من الداخل واكتفو به عن الوحي أو الإلهام من الخارج، ومن ثَمَّ انتهجوا هذا العقل التأمُليّ الذي يتجاوز حدوده ومناهجه بإبداعٍ، هذا ما كشفناه بعدهم. ذلك إن ما لحظناه إجرائيًّا على مدى عشرين قرنًا هو تاريخ الميتافيزيقا الذي نلنا ثمرته دونهم وخبرنا جدواه وكفرنا بدجماطيقيته عنهم، ولو أن في وسعنا أن نعفي عقل وايتهد التأمُليّ عن تقيُّده بمنهجٍ، فإنه لا يسعنا أن نعفيه من السؤال عن موضوع تأمُّلاته، يجيب وايتهد: بأنها خبراتنا المباشرة بل هي التبرير الوحيد لأي فِكْر، مُتحديًا بذلك كانط الذي يرى وايتهد أن فَلْسَفته نالت فوق ما تستحق من التقدير باستثناء فلسفته في الجمال، كون المعرفة تتم بالخبرة من الخارج عن آخرها، وهي موضوع تأمُلاتنا وليس بقوالب ذاتية كما نظَّر كانط من قبل، لكن لننتبه إلى أن وايتهد يشير هنا إلى أمرٍ هام، فرَّق به بين ما يطلبه العِلْم التجريبيّ وما تطلبه الميتافيزيقا من خبراتنا، ألا وهو قابلية ما يقع تحت خبرتنا للتغيُّر Variability، فالأشياء التي تتغيَّر تثير انتباهنا وملاحظاتنا، وهي موضوع التجربة، شرط أن تُبْقي ما يكفي لإثارتنا، أما الأشياء الثابتة على وتيرةٍ واحدةٍ، فمظلمة وغامضة ويصعب الإمساك بها، وهي موضوع الميتافيزيقا، وعلى كلٍ فلا بُدّ من الملاحظة الموجَّهة بنظريةٍ حتى لا يفلت المتغيِّر وينتبه للثابت، ولقد فطن فلاسفة العلوم لذلك فأنشأوا مفهوم الفرض العامل Working hypothesis الذي يستعيره وايتهد هنا ليُطبِّقه أيضًا على التأمُّل العقليّ، لكن السؤال هنا: من أين لنا بهذا الفرض العامل؟ يجيب وايتهد: أن منشأه إنما هو الاستبصار المباشر Direct Insight في خبراتنا وفي ذواتنا، ولا يتم ذلك الاستبصار إلا في مرحلةٍ متقدِّمةٍ من الفِكْر على ربوة من المعارف والعلوم وتحليلاتها، عندها ينشأ ما نسميه بالتعميم التخيُّلي Imaginative Generalization، وبعدها نُقولبه في نموذجٍ رياضيٍّ ونقصد اختبار فروضنا فيما وراء منشأ خبراتنا بها لنكشف عن ثباتها وكُليّتها وقابليتها للتطبيق من عدمها.

وانطلاقًا من فَلْسَفته تلك، تركَّزت جهود وايتهد في إبْدَاع تلك الميتافيزيقا العِلْميَّة التي تتوافق وفيزياء القرن العشرين، فاعتبر أن تصوُّر وقائع فرديَّة باعتبارها جزيئات ماديَّة مستقلة كما تتصوَّر الفيزياء الكلاسيكيَّة لا يتسق مع أفْكَار الحركة وكميَّتها والسرعة وما أنجزته الفيزياء الحديثة لغاية النظريَّة التموجيَّة للمادة والنِّسبيَّة، وأنه لا بُدّ من اعتبار الحادثات Events هي وحدة الوقائع الطبيعيَّة، اللازمة لوجود زمان ومكان، والمحتاجة إلى وجود زمان ومكان، والممتدة بحيث لا يمكن تصوّر حادثة منها في استقلال عن غيرها من الحادثات. وبسبب وعي وايتهد بعدم تجريبيَّة تعميمه التخيُّليّ هذا -أعني التصوُّر العُضويّ للعالَم Organic Conception كما يسميه- على النظريَّة الموجيَّة للضوء والمادة، فضلًا عن كُليَّة هذا التخيُّل، فقد لجأ للتجريد وجعلها مبحثًا للميتافيزيقا، بما هي تصوُّر الواقعة الكُليَّة على امتداد ما فيها من وقائعٍ أو كياناتٍ فعليَّة، حتى وإن كان استبصارنا بفرضها العامل منشأه الفيزياء النظريَّة التي تفترض وجود دائرة كهربية مغناطيسيَّة نشطة تتخلَّل الزمان والمكان وتَحْكُم سيلان وقائع العالَم. لا شَكّ أن لخبراتنا اليوميَّة ولُغتنا أثر في استساغة تقبُّل فِكْرة دوام الأشياء رغم ما يطرأ عليها من تغيُّرٍ، فنفس الشَّجرة الخضراء المُزهَّرة في الربيع عارية في الخريف، ونفس الشَّخص المريض البارحة سليم اليوم، كان طفلًا منذ زمنٍ وسيصير عجوزًا فيما بعد، بمعنى أن تعميمنا الخياليّ لخبراتنا اليوميَّة التي نعيشها أيضًا هي ما أوصلته إلى تصوُّر شيءٍ يبقى على ما هو عليه مهما تغيَّر. هما عالمان اذًا (أو جانبان من عالَمٍ واحد)، أحدهما عالَم المُمكنات الثابتة في صورة صيغ رياضيَّة مجهولة الدلالة تتبادل وتتوافق وتتغيَّر ويمحو الله منها ما يشاء ويثبت أيًّا من الكيانات الفعلية ويحرِّرها من كمونها وإمكانها وقوتها لتخرج في خبراتنا، والثاني عالَم الحادثات والكيانات الفعلية المتغيِّرة والتي نرصدها ونعيش فيها، ويظهر هنا مدى تأثُّر وايتهد بالرياضيات، فضلًا عن تأثُّره بأفلاطون، الذي لا تملك كل الميتافيزيقا من لدنه إلى وقتنا هذا إلا أن تكون هوامش على متنه الفَلْسَفيّ – كما يقول – حتى وإن جاوزته، كما سيفعل وايتهد نفسه، حيث رغم تشابه عالميه مع فلاسفة آخرين ممن بنوا أنساقهم على عَالَمين متمايزين: الظاهر والباطن، عالَم الواقع وعالَم المُثَل، عالَم المادة وعالَم العقل. نراه يتبرَّأ منها، ذلك أنها جميعها أخلَّت بمبدأ الترابط الذي اشترطه من قبل، فأفلاطون يفترض عالمين منفصلين بلا داعٍ، ومن ثَمَّ يخلع الصيرورة عن الموجود الأبديّ منهما ويلبسها بالية على عالَم خيالات الكهف الحِسيَّة، أي عالَمنا الوهميّ. وديكارت يفصل تعسُّفيًّا بين عالَميه: الفِكْريّ والماديّ، ويجعل جوهرهما الفرديّ لا يفتقر في وجوده إلا لذاته، وحينما حاول تبرير اتِّحاد النَّفس والبدن لم يستطع إلى ذلك سبيلًا. أما المذاهب الواحدية Monism كسبينوزا، فقد جعلوا الجوهر هو وحده الموجود اللا متناهيّ والذي لا يخضع للصيرورة، أما الموجودات فلا تعدوا أن تكون أعراضًا فانية، أما مونادات ليبنتز الفرديَّة فهي مستقلة عن بعضها مغلقة بلا نوافذ، أما الماديَّة الميكانيكيَّة ونسقها المبني على كَوْن المكان مجال كُتَل المادة، والزمان مجال الأحداث، فقد أنْكَرتها العلوم الطبيعيَّة بعد الكوانتم والنظريَّة الموجيَّة والنِّسبيَّة، مما أخلَّ بالترابُط و التناسُق الذي أشترطناه سابقًا مع خبراتنا وعلومنا.

ولكننا إذ سايرنا فيلسوفنا في وجود الكيانات الفعليَّة وتحققها، وسايرناه بخضوعها للصيرورة والتغيُّر، فحريُّ بنا أن نسأله: كيف له أن يُحقِّق لها شروط الترابُط والتناسُق والكُليَّة والتي اشْتَرَطها على نفسه وعلى كل ميتافيزيقا حقة وأنْكر على غيره تخليه عنها في هذا الذي يصفه بالثبات والتغيُّر في آنٍ واحد؟ أي كيف يدَّعي للكيانات الفعليَّة فرديتها ووحدتها في مثل تلك الصيرورة؟ والحق أن تلك أعقد وأنضج وأبدع ما في فَلْسَفته، وقد كانت مرمى نُقَّاده على الدوام. يجيب هنا وايتهد: بأن سوء الفهم حاصل من تصوّرنا للصيرورة كعملية متصلة أشبه بصيرورة هيراقليطس، لكن تصوّرنا لعملية الصيرورة لا يستلزم بالضرورة اتصالها، وإلا لأنكرنا الحركة والانتقال كما فعل زينون الإيلي ( 490-430 ق.م )، لأن الصيرورة كعملية متصلة تعني الإحْلال المستمر والمتصل لجزء أو فعل من الصيرورة محل آخر. فإذا نظرنا إلى فعلين وليكن A و B وعلى B أن تَحِلّ محل A، فإن الذي يحدث حينها أن الجزء المبكر من B يَحِلّ محل الجزء المتأخِّرمن A، قبل أن يَحِلّ الجزء التالي محل الجزء الذي يليه، وهكذا إلى ما لا نهاية طبقًا لحُجَّة زينون الإيلي أو الحُجَّة الثُنائيَّة، فلكي يَمُرّ جسمٌ ما من نقطةٍ في مكانٍ ما إلى نقطةٍ أخرى في مكانٍ ما، فإنه لا بُدّ أن يَمُرّ بكل النقاط المتصلة بين المكانين، أي لا بُدّ أن يتجاوز المنتصف ثُمَّ منتصف المنتصف إلى ما لا نهاية، لذا فأخيل عداء أثينا الشَّهير لن يلحق بالسلحفاة أبدًا. لقد تجاهل ديكارت مفارقة زينون وقال بالامتداد المكانيّ دون الزمانيّ، بإنْكاره الفراغ، وأن الكَوْن ملاء كله بالمادة وإن لم تكن كلها محسوسة، تتحرَّك في دوائر فضلًا عن كَوْنه لم يُنْكِر حقيقة الوجود الفعليّ كما فعل زينون، لكنه في الحقيقة لم يُقدِّر معضلة زينون حقها، أما وايتهد هنا فيؤكِّد صحة مفارقة زينون وأن هذا التراجع الفاسد إلى ما لا نهاية نابع من تصوّرنا لصيرورة متصلة، ولا مفر لنا إلا بإنْكار هذا الاتصال وتصوّر صيرورة الكيانات الفعليَّة في وحداتٍ حِقَبيَّة تتحقَّق فيما هو ذريّ Atomic وتُحقِّق الاتصال والامتداد في العالَم الفيزيقيّ كما يظهر لنا.

المصادر:-

  1. ألفريد نورث وايتهيد، مغامرات الأفكار، ترجمة: أنيس زكي حسن، مراجعة: محمود الأمين، تقديم: عبد الرحمن خالد القيسي (منشورات دار مكتبة الحياة ومكتبة النهضة، بغداد، 1960).
  2. كامل محمود عويضة، ألفريد نورث وايتهيد: فيلسوف العلم والعلماء (دار الكتب العلمية، بيروت، 1995).
  3. لوسيان برايس، محاورات ألفرد نورث هوايتهد، ترجمة: محمود محمود، تقديم، زكي نجيب محمود (مؤسسة هنداوي، 2020).
  4. إيفور ليكليرك، ميتافيزيقا وايتهد: عرض تمهيدي، ترجمة وتقديم وتعليق: علي عبد المعطي محمد (ملتقى الفكر، الإسكندرية، 1999).
  5. محمود رجب، الميتافيزيقا عند الفلاسفة المعاصرين (دار المعارف، ط2، القاهرة، 1986).
  6. جيمس جينيز، الفيزياء والفلسفة، ترجمة: جعفر رجب (دار المعارف، القاهرة، 1981).
  7. فيرنر هايزنبرج، الفيزياء والفلسفة، ترجمة: أحمد مستجير (المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1993).
  8. يمنى طريف الخولي، الزمان في الفلسفة والعلم (مؤسسة هنداوي، 2014).
  9. ــــــــــــــــــــــــــــ، فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول، الحصاد، الآفاق المستقبلية (مؤسسة هنداوي، 2014).
  10. زكريا إبراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة (دار مصر للطباعة، القاهرة، 1968).
  11. إ. م. بوشنسكي، الفلسفة المعاصرة في أوروبا، ترجمة: عزت قرني (عالم المعرفة، الكويت، 1992).
  12. زكي نجيب محمود، حياة الفكر في العالم الجديد (مؤسسة هنداوي، 2020).

إعلان

فريق الإعداد

تدقيق لغوي: أمل فاخر

اترك تعليقا