تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف ساهم أمراء التمويل في انهيار الاقتصاد العالمي؟

سلسلة أشهر الكتب الاقتصادية : Lords of Finance: the bankers who broke the world

” أمراء التمويل (Lords of Finance) ”  احد أشهر الكتب الاقتصادية في التاريخ الاقتصادي الحديث ، هو  الكتاب الأول في سلسة المراجعات الأسبوعية التي انوي القيام بها خلال  الفترة القادمة. ولقد اخترت الاستهلال به  لأنه الكتاب الوحيد الذي أوصى بقراءته بن بيرنانكي ( Ben Bernanke) رئيس بنك الاتحاد الفيدرالي الأمريكي في ٢٠١٠م ردَا على سؤال لجنة التحقيق حول الأزمة المالية التابعة للكونجرس : “ماهي الكتب التي توصي بقراءتها لفهم الأزمة؟”.

نُشر هذا الكتاب في يناير ٢٠٠٩م، وهو من تأليف الخبير الاقتصادي لياقات أحمد (Liaquat Ahmed )، ويتناول الأحداث التي أفضت إلى حدوث الكساد العظيم في العشرينيات من القرن العشرين، وكان ذلك عبر رواية الحياة الشخصية والمهنية لمحافظي البنوك المركزية الكبرى، وقد حصل على جائزة البوليتزر عام ٢٠١٠م، واكتسب أهمية خاصة بين قائمة أشهر الكتب الاقتصادية لانه نُشِر خلال فترة الأزمة العالمية (٢٠٠٧- ٢٠١٠).

مؤلف كتاب أمراء التمويل:

ولد لياقات أحمد في كينيا عام 1952م، أكمل دراسته في بريطانيا بداية، ودرس الاقتصاد في جامعة كامبريدج وهارڤارد ،  ثم عمل خبيراً اقتصاديًا في الثمينينيات في البنك الدولي، ثم في مجال الاستثمار المصرفي مع شركة “فيشر، فرانسيس، تريز و واتس”، في نيويورك ، وترقى إلى منصب المدير التنفيذي لها. ولقد فاز الكتاب بجائزة فاينانشيال تايمز / غولدمان ساكس للعام، وجائزة بوليتزر أيضا.

فكرة تأليف الكتاب:

خطرت فكرة تأليف هذا الكتاب (أمراء التمويل)،  وهو من أشهر الكتب الاقتصادية في التاريخ ، على خاطر مؤلفه عندما كان يقرأ خبرا كان في صحيفة التايم عام 1999م بعنوان: ” لجنة إنقاذ العالم” يدور حول الجهود الناجحة التي بذلها آلان جرينسبان، رئيس بنك الاتحاد الفيدرالي آنذاك، وروبرت روبين وزير الخزانة في عهد الرئيس الأمريكي ونائبه لورانس سامر نائبه عندما نجحا في حشد مليارات الدولار من الأموال العامة لمواجهة مخاطر الأزمة المالية الآسيوية التي هددت بهدم الاقتصاد العالمي.

وشعر (لياقات) آنذاك بأن هناك قصة أخرى يمكن روايتها عن رؤساء أربع بنوك مركزية كبرى في العالم في القرن العشرين ١٩٢٠م، وهم: محافظ بنك إنجلترا، ومحافظ بنك نيويورك الفيدرالي، ومحافظ بنك الرايخ الألماني، ومحافظ بنك فرنسا، لقد كان العالم ينظر إليهم كما ينظرون إلى (بن بيرنانكي) على أنهم النجوم الحكماء، أصحاب الرأي السديد، كان لهم قيمتهم في عالم الأرقام، فالسوق في مأمن إذا ما تحدث أحد منهم.

إعلان

والحقيقة ان  أمراء التمويل هؤلاء الذي حملوا على أكتافهم مهمة إعمار العالم بعد الحرب العالمية الأولى أسهموا للأسف في انهيار الاقتصاد العالمي واسقطوه في مستنقع الكساد العظيم، وذلك بشكل مشابه لسياسة جرينسبان النقدية التوسعية، التي أسهمت من جوانب عديدة في خلق (الكساد العظيم ٢٠٠٨-)٢٠١٠.

مكونات كتاب أمراء التمويل lords of finance

يتكون الكتاب من مقدمة، وخمسة أجزاء، الجزء الأول بعنوان: “عاصفة غير متوقعة”، ويضم ستة فصول، والجزء الثاني بعنوان: “بعد الطوفان” ويضم ثلاثة فصول، والجزء الثالث بعنوان: “بذور رياح جديدة” ويضم ستة فصول ، والجزء الرابع بعنوان: “حصاد دوامة جديدة” ويضم خمسة فصول، أما الجزء الخامس فهو بعنوان: “مابعد ذلك” ويضم ثلاثة فصول.

موضوع الكتاب:

يروي الكتاب، قصة الأحداث التي سبقت يوم الثلاثاء الأسود الذي انهارت فيه بورصة وول ستريت بالكامل عام ١٩٢٩م، وردود الأفعال الكارثية التي اتخذتها البنوك المركزية الكبرى تجاه هذه الأزمة، ولقد تتبع الحياة الشخصية والمهنية لمحافظي البنوك المركزية الأربعة الكبار، مع ظهور متفرق لجون مينارد كينز الاقتصادي البريطاني الشهير في أفكار انتقادية لهؤلاء المحافظين.

وفيما يلي عرض موجز للخطوط العريضة لهذا الكتاب الذي يتصدر قائمة أشهر الكتب الاقتصادية في التاريخ:

(أ) أبطال كتاب أمراء التمويل

مونتاجو نورمان محافظ بنك إنجلترا، وبنجامين سترونج محافظ الاحتياطي الفيدرالي لنيويورك، وهيلمار شاخت محافظ بنك الرايخ الألماني، واميلي مورو محافظ بنك فرنسا، هناك أبطال آخرين في هذا الكتاب، إضافة إلى جون مينارد كينز مؤلف كتاب (النتائج الاقتصادية للسلام) و كتاب آخر عن النقود، والنظرية العامة، ووينستون تشرتشيل الذي اتسم بحسن إدراكه للأحداث وفهمه لنورمان واستعداده لتلقي النصح من الخبراء من حوله، وصفات أخرى جعلت منه زعيما عظيما، وكذلك جورج هاريسون الذي بذل جهدا كبيرا من داخل الفيدرالي الأمريكي لتجنب الكارثة.

حجم أزمة الكساد العظيم والأزمات المالية المصاحبة.

كان حجم الانهيار الاقتصادي الذي حدث عام 1929م حتى عام 1933م كبيرا للغاية، ولايقل بأي حال في حجمه عن الخراب الذي صاحب الأزمة المالية عام ٢٠٠٨م، فخلال فترة ثلاث سنوات، انخفض الانتاج المحلي الإجمالي الحقيقي في الاقتصادات الكبرى بأكثر من 25%، وفقد ربع السكان الذكور البالغين وظائفهم، وانخفضت أسعار السلع الأساسية إلى النصف، وانخفضت أسعار المستهلك بنسبة 30%، وانخفضت الأجرة بمقدار الثلث. وتقلص الائتمان المصرفي في الولايات المتحدة بنسبة 40%، وفي العديد من البلدان انهار النظام المصرفي بأكمله، وتعثرت تقريبا كل الدول تقريبا بما في ذلك ألمانيا، التي تعد ثالث أكبر اقتصاد في العالم عن السداد. ولقد أدت الاضطرابات الاقتصادية إلى خلق صعوبات كثيرة في كل ركن من أركان المعمورة، بِدءًا من كندا حتى مدن آسيا، ومن قلب أمريكا الصناعي، إلى أصغر قرية في الهند.

من المسؤول عن الكساد العظيم؟

أولا : السياسيون.

إنهم أول من نوجه لهم الاتهام بالتسبب في كارثة الكساد العظيم، والذين أداروا مؤتمر باريس للسلام، حيث حملوا الاقتصاد العالمي الذي كان لازال يحاول التعافي من اثار الحرب العالمية الأولى بجبال من الديون، بدءاً من ألمانيا في العشرينيات، التي تدين بنحو ١٢ مليار دولار كتعويضات لبريطانيا وفرنسا، ثم فرنسا التي تدين للولايات المتحدة وبريطانيا بنحو ٧ مليار دولار ديون حرب، بينما كانت بريطانيا تدين بنحو ٤ مليار دولار إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا تدين بنحو ١.٤ ترليون، وبريطانيا ٨٠٠ بليون دولار. ولقد استنزفت هذه المطالبات من طاقة رجال المال والبنوك وسُمِّمت العلاقات الدولية، وترتب على هذه الديون تصدعات في النظام المالي العالمي، الذي انهار تحت كل هذه الضغوط..

ثانيا: محافظو البنوك المركزية

يتحمل محافظو البنوك المركزية الكبرى، وخاصة الشخصيات الأربعة التي دار حولها هذا الكتاب: (مونتاجو نورمان، بنجامين سترونج ، وهيلمار شاخت، واميلي مورو)  مسؤولية حدوث هذا الكساد، وعلى الرغم من أن شاخت ونورمان بوجه خاص بذلا جهدا خارقا خلال هذا العقد للتخفيف من آثار أعظم الأخطاء السياسية المرتبطة بالتعويضات، وديون الحرب إلا أنهم كانوا مسؤولين أكثر من أي شخص آخر عن الخطأ الأعظم في السياسات الاقتصادية في عشرينيات القرن العشرين، وهو إعادة العالم إلى قاعدة الذهب.

الختام.

إذا كان  صناع القرار الاقتصادي اليوم قد تعلموا من الأخطاء الرهيبة التي أدت إلى الأزمة المالية عام ٢٠٠٨م، فإن هناك الكثير من الذي ينبغي أن يتعلموه من أزمة الكساد العظيم، أوله قراءة هذا الكتاب الشيق، الذي يتربع على قائمة أشهر الكتب الاقتصادية في التاريخ، يُنصح به لمحبي الاقتصاد و هواة التاريخ.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سمير الشناوي

تدقيق لغوي: رجاء العطاونة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.