تأخذك إلى أعماق الفكر

إيرين كوري حياتها وإنجازتها العلمية

لقد اكتشفت إيرين كوري ما أنقذ حياة الملايين، فهي أول من استطاع تصنيع عناصر مُشعّة داخل المختبر والتي تُستخدم الآن في عشرات الملايين من الإجراءات الطبية كل عام، وهو ما حصلت بفضله على جائزة نوبل في الكيمياء مُتَبِعةً بذلك خطى والدتها (مارى كورى) والتي حصلت على جائزتي نوبل.

نشأة إيرين كوري

وُلدت إيرين فى الثاني عشر من سبتمبر عام 1897 فى باريس لماري كوري وبيار كوري، ولم يكن أي منهما معروف بَعد وهو ما سيتغير قريبًا.

حيث تشارَك والديها فى جائزة نوبل في الفيزياء عام 1903، وحصلت والدتها على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1911 لتصبح بذلك العالمة الوحيدة التي نالت كلتا الجائزتين  في التاريخ.

كانت إيرين فتاةً خجولةً جدًا في طفولتها، ودائمًا ما وجدت العلم ينافسها فى حب واهتمام والديها، فقد شعرت أنهما لا يقضيان معها ما يكفى من الوقت، ومع نموها شعرت بأنها تتوق لاهتمام والدتها بشكل متزايد.

عقب ولادة إيرين بفترة قصيرة، انضم والد بيار (أوجين كوري) إلى المنزل والذي توفيت زوجته من فترة وجيزة، كان أوجين طبيب متقاعد والذي سيصبح قريبًا صديق إيرين المفضل وأول معلّم لها، كأن كل منهما يبحث عن رفيق ووجده في الآخر.

إعلان

ذهبت إيرين كوري إلى المدرسة عام 1903، وقد كتبت والدتها عنها فى خطابها إلى أخيها جوزيف سكلودوفسكي:

صغيرتي إيرين بخير، سوف تذهب قريبًا إلى مدرسة صغيرة بعيدة إلى حدٍ ما عن المنزل، فإنه من الصعب أن تجد في باريس مدرسةً جيدة لطفل صغير.

دروس وأحزان

فى ربيع عام 1906، وفي عام إيرين كوري الثامن، توفي والدها نتيجة اصطدامه بعربة في الشارع، وبعد وفاته طلبت ماري من والدة أوجين بأن يستمر فى العيش مع الأسرة والتي تتكون الآن من مارى وإيرين والأخت الصغرى لإيرين (إيف) والتي وُلدت عام 1904.

كان للجد أوجين تأثيرًا كبيرًا على التكوين الفكرى لإيرين، فقد تعلق بها بشدة وبدأ يقدم لها العلوم بعناية، وعرّفها بأعمال كاتبه المفضل فيكتور هوجو، وفى عام 1910، توفي الجد أوجين عن عمر يناهز 83 عامًا، وقد بلغت إيرين حينها الثانية عشر.

تعليم مميز

وقد سارت ماري على خطى الجد أوجين، فكانت تستيقظ باكرًا كل يوم لتعطي طفليها بعض الدروس قبل ذهابها إلى المختبر، وكانت تؤمن بامتلاك البنات للقوة الجسدية، فجعلت ابنتيها تشتركان في ركوب الخيل والسباحة والتزلج والألعاب البهلوانية والمشي لمسافات طويلة.

وأثناء حديثها إلى زملائها في جامعة السوربون (جامعة باريس المرموقة)، وجدت عدم رضا مشترك عن التعليم المتاح للأطفال فى باريس، فقرروا إنشاء مدرسة تعاونية حيث يستخدم كلٌ منهم خبرته لتعليم فصل يتكون من جميع أطفالهم.

وبذلك بدأت إيرن تتعلم تحت أيدي مجموعة من الأكاديمين البارزين، فكانت مع تسعة أطفال آخرين تتعلم:

  • الفيزياء بواسطة ماري كوري.
  • الكيمياء بواسطة جان بيرين (والذي فاز فيما بعد بجائزة نوبل في الفيزياء).
  • الرياضيات بواسطة الفيزيائي العظيم بول لانجفين.

قليل من الأطفال نالوا فرصة ذهبية كهذه يتعلموا فيها على يد مثل هؤلاء العظماء، وعلى الرغم من أن إيرين كانت تحضر درس واحد فقط في اليوم، إلا أنه سيطر عليها شغف كبير بالعلم وأصبحت تدرس بلا هوادة.

وإستمرت المدرسة لمدة عامين، ألا إن إعداد وتقييم الدروس للأطفال بجانب مهام المعلمين الأخرى كانت مرهقة جدًا عليهم لدرجة إنهم إضطروا في النهاية إلى حل المدرسة غير رسمية، وعلى كلٍ فالأطفال بحاجة إلي تعليم معترف به رسميًا لكي يتمكنوا من الإلتحاق بالجامعة.

السفر آينشتاين وإنذار بالحرب

سافرت إيرين كوري إلى مدينة ستوكهولم السويدية عام 1911، لترى والدتها أثناء حصولها على جائزة نوبل في الكيمياء.

بعد ذلك قامت الفتاة ذات الأربعة عشر عامًا بالكثير من السفر، وأثناء سفرها درست الرياضيات والفيزياء، وكانت تقوم بحل المسائل التى ترسلها إليها والدتها، بالإضافة إلى تعليم نفسها من الكتب، وخلال ذلك الوقت، كانت والدتها مريضة ويتم العناية بها بهدوء.

وفي صيف عام 1912، قابلت صديق والدتها آينشتين لأول مرة، كان آينشتاين يقضي عطلته في جبال الألب السويسرية، وقد أُعجبه شغف الفتاة بالفيزياء وفهمها الكامل لها.

عادت إيرين إلى باريس فى سبتمبر عام 1913، لتحضر دراستها العادية بكلية سيفيي، وفي غضون عام من عودتها بدأت الحرب العالمية الأولى.

نداء الحرب

صممت ماري كوري على مساعدة البلد التي تبنتها في التصدي للغُزاة الألمان، فأنشأت وحدات أشعة متنقلة، وكانت تنوي استخدام التصوير بالأشعة السينية لتشخيص الجروح وتحديد مكان الشظايا الموجودة في أجسام الجنود.

حصلت إيرين (والتي بلغت السابعة عشر حينها) على دورة في التمريض، بالإضافة إلي دراستها لأجل شهادتها المدرسية والدورات التي بدأتها في جامعة السوربون.

وقريبًا ستقوم إيرين بتدريس الأشعة للممرضين والممرضات الذين عينتهم ماري للعمل في وحدات الأشعة التي أنشأتها.

خدمت إيرين كوري في مستشفيات ميدان المعركة بنفسها مستخدمة أشعة إكس، كانت أحيانًا في رعب حقيقي أثناء مواجهة الجراح الخطيرة والمعاناة الفظيعة التي يعاني منها الجنود الذين يخدمون فى الخنادق، فهي على كلٍ عاشت حياة محمية مريحة.

كانت إيرين ناضجة ذات عقلٍ قوى عقب كل تلك السنوات، جاءت والدتها لزيارتها ووجدتها بمثابة صخرة جديرة بالثقة ويمكن الاعتماد عليها إذا ما وُجدت مشكلة، فإبنتها قوية بما يكفي، وذكية بما يكفي للتغلب على أي عقبة، وفي نهاية الحرب منحت الحكومة الفرنسية إيرين ميدالية عسكرية.

حياتها العلمية

عقب انتهاء الحرب، أتمت إيرين شهادتها في الرياضيات والفيزياء في جامعة السوربون، وكانت فى الحادي والعشرين من عمرها آنذاك، ثم عملت مع أمها في معهد الراديوم (والذي أسسته ماري) وأصبحت مساعدة لها، قد كان غالبية العاملين في الأبحاث في المعهد من النساء  فكثير من الرجال قد قُتلوا خلال الحرب.

حينما كانت ماري تترك المختبر، كانت تترك المسئولية في يد ابنتها الصغيرة والتي تثق بها تمامًا، ولكن سبب ذلك شعور بالغيرة لوجودها بين بعض العلماء الأكثر خبرة.

تجاهلت إيرين ذلك وركزت على بحثها وعمل المختبر، وكانت أحيانًا مباشرة وصريحة للغاية مع من يتهاون في عمله.

وفى عامها الخامس والعشرين، حصلت إيرين على درجة الدكتوراة في العلوم عن دراستها للإشعاع المنبعث من البولونيوم، وهو أحد العناصر التي اكتشفها والديها.

قالت إيرين كوري (مكرسة حياتها للبحث العلمي):

“من ناحيتي، أعتبر أن العلم هو الأهمية القصوى لحياتي”.

على الرغم من أن أهمية العلم في حياتها، إلا أنه كانت هناك اعتبارات أخرى، ففي أحد الأيام، طلبت والدتها منها بأن تقوم بتدريب وافد جديد إلى المختبر على كيفية التعامل مع المواد المشعة، وكان اسمه فريديريك جوليو.

استمتع كل منهما بصحبة الآخر وتزوجا في عام 1926، وقررا عام 1928 توقيع أعمالهم البحثية بشكل مشترك بلقب Joliot-Curie.

كانت إيرين كوري تميل للعمل على الجوانب الكيميائية بينما اهتم فريدريك بالجوانب الفيزيائية.

المساهمات العلمية ل Joliot-Curie

وقد أجرى الزوجان بحث علمي بارز كان من الممكن أن يفوز بثلاث جوائز نوبل منفصلة إلا إنهم أساءوا تفسير نتائج مجموعتين من التجارب، وإن تمكنوا من تفسيرهم بشكل صحيح لأدت إحدى التجربتين إلى إكتشاف النيترون ولأدت الأخرى إلى اكتشاف البيزترون.

عادةً ما تتنافس المختبرات المختلفة بشكل مكثف مع بعضها البعض، فالباحثون في جميع أنحاء العالم يريدون أن يكونوا الأول، وقد قال إرنست رذرفورد ذات مرة عن أبحاث الإشعاع :

“يجب أن أستمر دائمًا في التقدم، فهناك أشخاص على طريقي، لذا عليّ أن أنشر عملي الحالي بأسرع ما يمكن حتى أستمر في السباق، وأفضل العدّاءِين في طريق البحث هذا هم بيكريل وكوري.

وفى بداية ثلاثينيات القرن العشرين، تبدلت الأسماء لكن استمر السباق، فبدلًا من ماري وبيار كوري ضد إرنست راذرفورد، كانت إيرين وفريديريك جوليو يتسابقان مع جيمس تشادويك (نائب مدير الأبحاث في مختبر رذرفورد).

قرأ تشادويك في بداية عام 1932 أن جوليو-كوري إستطاعا الحصول على البروتونات من الشمع باستخدام أشعة جاما، الأدلة كانت مقنعة لكن تشادويك لم يعتقد أن أشعة جاما كانت بما يكفي من القوة لتقوم بذلك.

توصل تشادويك إلى استنتاج بأن البروتونات طردت فعليًا بواسطة الجسيم الذي كان يبحث عنه (النيوترون) وهو الجسيم الذي اقترحه رئيسه رذرفورد وتم تسميته عام 1920.

كرر تشادويك  تجربة جوليو-كوري ووجد أن البروتونات تتصرف تمامًا كما يجب إذا ما اصطدمت بجزيئات محايدة كهربائيًا بكتلة تشبه كتلة البروتون، وبذلك اكتشف تشادويك النيوترون.

أخبر بسرعة المجلة العلمية المرموقة Nature باحتمالية وجود النيترون، مما جعله يفوز بجائزة نوبل عام 1935.

وبذلك نُسى فضل جوليو-كوري في هذه التجربة، فالعلم أحيانًا قاسي لا يقبل الهفوات، لكن ربما كان العزاء الصغير لهم حصولهم على جائزة لكونهم أول من قام بقياس كتلة النيوترون بدقة.

الحصول على أول عنصر مشع اصطناعي

قام الزوجان بتنحية خيبة أملهم جانبًا وبدءوا بحث جديد مستخدمين جسيمات ألفا تتحرك بسرعة (وهي عبارة عن نواة هيليوم موجبة تم طردها من عنصر البولونيوم المشع).

وفي الخامس عشر من يناير عام 1935, بعد قصف رقائق الألومنيوم بجزيئات ألفا، لاحظ فريدريك شيئًا محيرًا، كانت رقائق الألمنيوم التي تم قصفها بجزيئات ألفا تبعث بوزيترونات، وواصلت ذلك حتى بعد أن توي  حددت على الفور ما كان يحدث، قصف جسيمات ألفا حوّل ذرات الألمنيوم المستقرة إلى ذرات مشعة، وبذلك هى أول ذرات مشعة يتم إنشاؤها صناعياً.

في الواقع، استطاع جوليو-كوري  تحويل ذرات الألمنيوم إلى الفسفور المُشع 30، وهو أحد نظائر الفسفور (ذو عمر يبلغ 150 ثانية) والذي لم يتم ملاحظته في الطبيعة.

وتطبيقًا لكلام رزرفورد “عليّ أن أنشر عملي الحالي بأسرع ما يمكن حتى أستمر في السباق”، قدم جوليو-كوري أدلة على اكتشافهم الجديد إلى أكاديمية العلوم الفرنسية في التاسع عشر من يناير، لقد كانوا مصممين هذه المرة على أن يكونوا في المرتبة الأولى.

يقول فريدريك جوليو:

قد فات الأوان مع النيوترون، وتأخرنا جدًا أيضًا مع البوزيترون، لكن الآن نحن في الوقت المناسب.

استمروا في تكرار نجاحهم، فقصفوا عددًا من العناصر الأخف وزنًا بجُسيمات ألفا، فحصلوا على النيتروجين المُشع من البورون والسيليكون المشع من المغنيسيوم.

يُقال أحيانًا أن جوليو-كوري كانوا أول من حققوا حلم الكيميائيين في تحويل عنصر إلى آخر، إلا أن هذا غير صحيح، فهم أول من حول الذرات المستقرة إلى ذرات مشعة.

لقد كان رذرفورد أول من إستطاع تحويل ذرات مستقرة إلى أخرى مستقرة فى عام 1919 حيث قام بتحويل النيتروجين إلى أكسجين بقصفه بجسيمات ألفا.

كان رذرفورد نفسه من أول من قام بتهنئة جوليو-كوري على اكتشافهم، فكتب لهم:

أهنئكم على عملكم الجيد والذي أنا متأكد من إنه سيثبت أهميته في النهاية، أنا شخصيًا مهتم للغاية بنتائج تجربتكم، ففي الماضي أجريت عددًا من التجارب ولكن لم ينجح أيًّا منها.

لذا يبدو أن الحظ ابتسم ل جوليو-كورى هذه المرة، فبدلًا من الخسارة أمام مختبر رذرفورد، استطاعوا تحقيق ما لم يقدر على تحقيقه.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

إعداد: محمود غنيم

تدقيق لغوي: نَدى ناصِر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.