تأخذك إلى أعماق الفكر

الجانب المُظلم من المعطف الأبيض: أفكار حول الاكتئاب في المجتمع الطبي والسبيل دونه.

“لقد بدأت مؤخرًا فصلي الدراسي الثاني. تسلل إليّ إدراك مروّعٌ بأن الأشياء قد لطّخها بعض الأسود، في الحقيقة، لقد طُمست كلّها سواد.” -كارين جوس، طالبة في الفرقة الثالثة من الطب البشري. جامعة ايدنبرج. اسكوتلندا.

بينما كُنت أُتم خطوة البحث قبل الكتابة، أغمضت عينيّ لبرهة حتى أُريحهما، وشغلت قائمة أغانيّ، فغمز لي القدر متآمرًا، إذ أخذت كلمات أغنية Iron Man لفرقة الروك البريطانية Black Sabbath تنشر عبقها في الغرفة :

?Has he lost his mind
?Can he see or is he blind
?Can he walk at all
?Or if he moves will he fall
?Is he alive or dead
?Has he thoughts within his head
?We’ll just pass him there
?Why should we even care

الحقيقة أنني وجدت هذه الأغنية مُسجلةٌ خصوصًا للأطباء. ملائكة الرحمة، يتجولون في أرديتهم البيضاء الساحرة، يطببون هذا، ويكففون دموع ذاك. من بوسعه أن يظن أن ملاك الرحمة ذلك هو في صراعٍ دائمٍ مع شياطين نفسه المُستعرة؟ وإن حدث وراود الناس فكرٌ من هذا القبيل، كيف سيستطيعون التعامل مع ملاكٍ قد دنسته الشياطين؟ الأفضل ألّا يهتموا، اللامبالاة دائمًا أفضل حل، غضّ البصر دائمًا الحل الأسهل؛ والذي بالضرورة يُفضي إلى العواقب الأشد.

والحقيقة التي لا يُمكننا بأي شكلٍ أن نغضّ أبصارنا عنها، هي أن ثُلث الطلبة في المجال الطبي حول العالم يعانون من الاكتئاب (1)، وأن الاكتئاب يلقى رواجًا أكبر بين هؤلاء الذين يرجون الطب عن رواجه بين الناس العاديين(2)، وأن ملائكة الرحمة الذين لا يزالون تحت التأهيل .. يغشو الاكتئاب أراضيهم على نطاق أوسع من هؤلاء الذين يؤهلون لأي شيءٍ آخر(3)، وأن الانتحار، طبقًا لـمُنظمة AAMC في عام 2016، هو السبب الثان للوفاة بين طلبة المجال الطبي، أي أن الطالب عندما يقول “يا اما هخلص يا اما هنتحر” لا يكون الأمر على سبيل المزحة إطلاقًا.

طفلٌ مروّض.

مُنذ نعومة أظافري، والجميع يراني كطبيب، لا أرى لذلك سببًا واضحًا في الحقيقة، كُنت أُدفع في طريقٍ قد قُدر لي من قبل أن أولد، وكنت مستسلمًا لذلك الدفع بشكلٍ يدعو إلى الخزي.

إعلان

في الابتدائية، أحصد أعلى الدرجات، وفي الإعدادية، أشارك في مسابقات المتفوقين، ويستمر الأمر هكذا في المرحلة الثانوية، لا تغيير يُذكر. كُنت، كما كان المعظم في كليتي، الطفل الهادئ المنعزل، المروّض إن صح القول، فالترويض في معجم المعاني هو “وسائل إخضاع الحيوانات وتهيئتها لعملٍ خاص”.

والحقيقة أننا، ولا أجد أي خطأ في استخدام صيغة الجمع بدلالةٍ استقرائية، لم نُرد يومًا أن نكون أطباءً، بل هم أرادونا كذلك، فزينوا لنا الأمر وأسرجوا لنا القناديل؛ ولكنهم ويا للأسف، لم يعلمونا كيف نزرع وردةً أو نُشعل قنديلًا إن هو انطفأ.

لم يُعلمنا أحدٌ في صغرنا كيف نؤمن، كيف نثب فوق حواجز الواقع لنطأ الأحلام، كيف نلتمس ذلك النور في داخلنا ليذيب جليد الروتين ويبدد برودة الضغط. تركونا نرتجف بأسى تحت وطأة الانخفاض القاسِ لدرجات الشغف.

ما أقصده، وحتى لا تغوينني المجازات، أنهم انهمكوا غالبًا في تلقيننا ما نريده وما لا نريده، وغفلوا تمامًا عن أن يعلمونا كيف نعرف ما نريده أصلًا. فأن “تُريد” هو أمرٌ في ظاهره جدّ سهل، لكن أن تعرف ماذا تريد، ولماذا تريده، وبماذا قد تضحي من أجله، وكم من الوقت قد تصبر لتنوله، وما الذي ستتخطاه في سبيله، كل ذلك قد يستغرق عُمرًا بأكمله لتدركه.

دخلت الحياة الجامعية، دخلتها كما دخلها أمين معلوف “بيدي كأس، وفي قلبي تمرد، حاسبًا أنني أدخل حياة الراشدين”، ومن ثمّ وجدتني أشد وحدة، فالناس هنالك لم يكونوا مختلفين عني، بل كانوا يشبهونني تمامًا، كانوا فارغين.

والحقيقة أننا إذ نلتحق بكليةٍ طبيةٍ، ينفخنا المُجتمع كما البالونات، ننوّط بالاحتفاء في كل أرضٍ نخطوها، دون أن يكون هنالك سببٌ واضحٌ يجعلنا نستقبل هذا الاحتفاء على أنه إطراءٌ واقعي. أدركت هذه الحقيقة في عاميّ الأول، حينما لقيت والدة أحد أصدقائي حدفها إثر خطأ مهني لطبيب امتياز، ووجدتني أفكر وأنا أحاول إذابة الدموع في حلقي : لماذا قد يحتفون بشخصٍ مُهملٍ سيصير في المستقبل سببًا لسلب الناس أرواحهم؟ لماذا قد ينظرون إليّ على أنني ملاك رحمة في حين أنني أندفع بلا هوادة لأصير ملاك موت؟ وفي ظلّ إهمالي لدراستي، وإحساسي الجاثم بذنب لم أقترفه بعد، وجدتني أدفع، مرةً أخرى باستسلام يدعو إلى الخزي، إلى اكتئاب كاد يؤدي بحياتي أنا الآخر.

ما الذي يدفع الطالب إلى الاكتئاب؟

بينما كُنت أجول بين اعترافات طلبة الطب، وجدت تعبيرًا مسّني، قالت إحداهن : I found myself feeling “fatigued”.

وال Fatigue بتعريفه الطبي : هو عجز العضلة عن أداء أي مهمة، والناتج عن إنهاكها إثر تحفيزها بمؤثرات متتالية. وقد أثبتت الدراسات أن خمسين بالمئة من طلبة المجال الطبي يعانون من ال “burnout”، وهي حالة من الإنهاك العاطفي، الذهني، والجسدي، والناتجة عن الضغط الشديد الجاثم لفترات مطوّلة.(4)

ليس الأمر متعلقًا فقط بالتنشئة الخاطئة، فتلك ندبةٌ غائرةٌ تُميزنا نحن الطلّاب المصريون -والعرب إجمالًا- عن غيرنا، ولكنه مُتعلق بالوتيرة السريعة للدراسة الطبية بشكل عام، والحمل الدراسي الهائل، والمسئولية الجمّة التي نحسّها تجاه واجبنا كعاملين في المجال الطبي، وكيف يُصيبنا الكبر فيمنعنا من أن نعترف بأننا، نحن الذين نرعى الصحة، نفتقر إليها في حقيقة الأمر.

طبقًا لبيان منظمة الصحة العالمية، والصادر عام 1946 ، فالصحة هي الحالة التي ينعم فيها الفرد بالراحة جسديًا، اجتماعيًا، ونفسيًا. وليست فقط غياب المرض أو العجز.

فمؤشر الصحة، أعلاه ذلك التعريف، وأدناه الاكتئاب الحاد الذي قد يؤدي إلى الانتحار، وأننا وإن قد سلمنا من غياهب المرض الجسدي، ولم يطرق الاكتئاب بابنا بعد، فذلك لا يعني بأي شكلٍ من الأشكال أننا أصحاء تمامًا.

الأنشطة الطلابية كوسيلة لتفريغ الضغط واكتشاف الذات.

إن ما دفعني إلى كتابة هذا المقال في الأساس، هو حدثٌ خيريٌ نظمته المؤسسة المُستقلة EMSA Minya، أي الجمعية المصرية لطلبة المجالات الطبية بالمنيا “Egyptian Medical Students Association”، كان الحدث تحت اسم “Med-Up” ، والذي تم بالأمس الإثنين الموافق 4/2/2019 بمسرح الواي بالمنيا، كان الحدث يتناول في ظاهره موضوع “ريادة الأعمال الطبية”، إلا أن ما وجدته كان مختلفًا تمامًا.

كان مُبهرًا أن هذه المؤسسة طلابيةٌ صرف، رئيسها طالبٌ في الكلية، ومرؤوسيها كذلك، وأن ينجح مجموعةٌ من الطلّاب في إنتاج ذلك الشكل الاحترافي كان أمرًا يستحق التقدير بلا شك، وما يستحق التقدير أكثر أنهم لم ينالوا فلسًا من الأمر برمته.

كان الحدث يحمل طابعًا وجوديًا إلى أقصى حد، إذ قدّم سبعة نماذجٍ لأشخاص نجحوا في اقتناص السعادة والنجاح من براثن القدر، والذين كانوا معظمهم يحملون شهادات طبية، منهم من استعملها ليفك أقفال القدر، ومنهم من ارتأى أن تلك الأقفال تحتاج إلى أكثر من مجرد سماعة لتُفك.

مسّني الكثير من حديثهم، فرأيت أن أنقل بعضًا منه علّه يضيء شيئًا مما أضاء في داخلي:

“اقف واسأل نفسك، انا فين من اللي حواليا؟ انا بعمل ايه هنا؟ انا رايح فين وايه اللي جابني هنا أصلًا؟ متخليش الحياة تاخدك فدوامة ومتعرفش انت فين دلوقتي”. -د/ هشام مصطفى توفيق، مقدم برنامج مع الطبيب CBC Extra.

“الكراسي الكبيرة لسا فاضية، متقولش الدكاترة الكبار واكلين الجو خلاص، هم قليلين والمكان يساعك انت كمان، متزيحش حد من مكانه، روح لمكانك الفاضي اللي مستنيك، وخليك فاكر إن الكراسي الكبيرة لسا فاضية” -د/علي حسيب، أستاذ جراحة طب القصر العيني.

“لما أخدت نيابة جراحة أطفال فجامعة المنيا روحت سألتهم: يعني ايه جراحة أطفال؟ قالولي دي حاجة عالورق بس انما انت جراحة عامة. فضلت فالقسم كل ما يدخل طفل يعمل عملية يموت، لحد ما حسيت إني حانوتي، وقتها اكتأبت، بس بعد فترة قولت إني لازم أعمل حاجة، اتعلمت من الناس الكبار وبقيت بعلم اللي حواليا، قولت نعمل قسم منفصل، مرضوش، اتخانقت وعملته قسم منفصل. قولت يبقى له راوندات مخصوص، مرضوش، اتخانقت وبقاله راوندات مخصوص. فاتعلمت اني لما اعوز حاجة، لازم اتخانق عشانها.” -د/ محمد فتحي، أستاذ مساعد جراحة الأطفال بكلية الطب جامعة المنيا.

“الشهادة، والصيدلة، والأدوية، كل دا مخلانيش حسيت إني حاجة، كل دا عمره ما اداني ثقة فنفسي، قبل ما أعمل القناة مكنش عندي أي ثقة فنفسي. أنا مكنش معايا فلوس اجيب معدات إضاءة فعملتها بكراتين شيبسي، مش هتفرق الإمكانيات، المهم إنك تبقى عايز”. -علي عمّار، يوتيوبر

“مشوار الطب بالنسبالي؟ مشوار الطب بالنسبالي غلطة اتعلمت منها، غلطة دفعت فيها ست سنين من عمري، بس فالآخر عرفت إن البالطو مش لايق عليا. مش عيب إننا نغلط، لكن الغباء إننا نكرر الغلط مرة تانية، ومكنش فيه وقت تاني يضيع” -داليا يونس، المسئولة الإعلامية لمؤسسة UNICEF مصر، ومغنية.

“علمونا فهندسة إن المعادلة لازم تكون مظبوطة، تدي حاجة وتاخد قصادها، ولما اتخرجت عرفت اني اديت كتير ومش هاخد حاجة. لازم تجرب، محدش بيعرف الحاجة اللي هو عايزها غير لما يجربها.” -أحمد أبو زيد، يوتيوبر.

“الهندسة الطبية مش منتشرة فمصر فعلًا، وكل المشاريع اللي عملناها ماخدتش حقها، بس كوني كنت جزء منها، من حاجة بحبها، دي لوحدها كفاية”. -د/ هدى أنور، معيدة بقسم الهندسة الطبية جامعة المنيا.

ربما كان المعطف الأبيض أوسع من اللازم.

في النهاية، السعي لا يتطلب حتمية الوصول، ذلك أمرٌ مفروغٌ منه، بيد أن السعي لا يحتاج إلى الوصول ليجعل منه ذا قيمة، إن قيمة الإنسان في معاناته، في عرقه المُتفصد. فقط الوصول يزيد من ألق السعي، ولكن ذلك لا يجعل من السعي مطفيًا، بل إن في السعي، كما يرى طه حسين، الراحة الحقيقية، أمّا الفراغ فهو راحة الإنسان المكلوم.

إن قدرتنا على الاختيار هي ما تميزنا، الاختيار هو ردم جميع البحار من أجل بئرٍ واحد، وليس جميعنا يمتلك الشجاعة الكافية ليختار، فنظل معلقين في حيرتنا، نبكي حياتنا بدموعٌ لو تجرّعناها لن تروي ظمأ.

ما أريد قوله باختصار، أن الإنسان لا يمتلك عُمرًا آخر يعوّض فيه ما فاته، وذلك العمر من الضآلة بحيث لا يتيح للإنسان أن يرى من الدنيا إلا شذرًا. اسأل نفسك، طالبًا في كلية الطب أو غير ذلك، هل لديّ أسبابٌ مقنعةٌ لأستمر في مكاني؟ أسبابٌ تخصني وحدي مُجردةٌ عن أي قسرٍ خارجي؟ إذا كانت الإجابة لا، ارحل فورًا، اجعل من ذلك هدفًا وحارب من أجله، حارب من أجل الرحيل، فقط الرحيل.

قد يعجبك أيضًا: وسيلتان فعالتان للقضاء على ظاهرة انتحار الأطباء

هامش :
(1). Puthran R, Zhang MW, Tam WW, Ho RC. Prevalence of depression amongst medical students: a meta-analysis. Med Educ. 2016;50(4):456–468. [PubMed[]
(2)Rotenstein LS, Ramos MA, Torre M, et al. Prevalence of depression, depressive symptoms, and suicidal ideation among medical students: a systematic review and meta-analysis. JAMA. 2016;316(21):2214–2236. [PMC free article] [PubMed[]
(3)Brazeau CM, Shanafelt T, Durning SJ, et al. Distress among matriculating medical students relative to the general population. Acad Med. 2014;89(11):1520–1525. [PubMed[]
(4
Rosen et al. [9] Prospective cohort study 47 medical student interns from the University of Pennsylvania resident program

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبدالرحمن خليفة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.