تأخذك إلى أعماق الفكر

الحق في النسيان: الكثير من الهُراء حول لا شيء (الجزء الأول)

في مجتمع المعلومات، كان دور مؤسسات القطاع الخاص في جمع بيانات للمستخدمين وعنهم قضية هامّة. لذلك، أصبح الوسطاء محور تركيز رئيس بخصوص تشريعات الخصوصية، خاصة في القضاء الذي يدعم بقوة حماية الخصوصية، مثل أوروبا. في قضية تاريخية، قضت محكمة العدل الأوروبية بأن محرك البحث على الإنترنت مسؤول عن معالجة البيانات الشخصية التي تظهر على صفحات الويب المنشورة من قبل أطراف ثالثة. وقد أثار اعتراف الاتحاد الأوروبي بما يسمى “الحق في النسيان” ردود فعل القانونيين والساخطين من المجتمع المدني خاصة في الولايات المتحدة، وظهرت مقترحات لتبني حق مماثل في العديد من السلطات القضائية، بما في ذلك البرازيل واليابان وكوريا وروسيا. ومن المفترض أن الحق في النسيان سيعرض حرية التعبير للخطر، وكذلك حرية الوصول إلى المعلومات.

ويعرف قاموس أكسفورد الوقائع على أنها “عنصر من المعلومات غير الموثوقة التي يتم استخدامها وتكرارها كثيرًا بحيث تصبح مقبولة كحقيقة”، وساد هذا التعريف الجدل الأخير المرتبط بحق النسيان. وسيناقش هذه المقال بجزئيه الأول والثاني هذه الحقائق ويكشف عنها، ويراجع تشريعات حماية البيانات في أوروبا، ويستكشف الآثار القانونية والسياسية المترتبة على الحق “في أن تُنسى” حديث النشئ. ختامًا، فإن الفكرة القائلة بأن (التطبيق عابر الحدود لحق النسيان قد يطلق العنان لقراصنة الشبكة الذين يمكن أن يدمروا الإنترنت) ستكون جزءً من السياق السياسي الحالي. ويسير تطبيق الحق في النسيان الذي يقع خارج الحدود الإقليمية على خطى تحرك عالمي نحو حماية البيانات ضد هيمنة سوق الشركات الأمريكية على الإنترنت بحكم الأمر الواقع.

في قضية هامة ما بين المواطن الاسباني كوستيا غونزالس وشركة جوجل بإسبانيا، قررت محكمة العدل الأوروبية ECJ أن محرك البحث على الإنترنت مسؤول عن معالجة البيانات الشخصية التي تظهر على صفحات الويب المنشورة من قبل أطراف ثالثة. وبالتالي، في ظل ظروف معينة، يمكن للأفراد أن يطلبوا من محركات البحث إزالة الروابط التي تحتوي على بيانات شخصية عن صفحات الويب. في هذه الحالة، طالب المدعي السيد كوستيا بحذف سجلات تتعلق بإدانة سابقة من إدخالات بحث جوجل الناتجة عن عمليات البحث عن اسم كوستيا. وكما تنص محكمة العدل في الأصل، فإن حقوق موضوع البيانات “تتخطى، كقاعدة عامة، ليس فقط المصلحة الاقتصادية لمحرك البحث ولكن أيضًا مصلحة عامة الناس في العثور على تلك المعلومات عند البحث المتعلق بالبيانات اسم الموضوع”. بعد هذه القضية، يجب على أي محرك بحث يعمل في أوروبا إزالة روابط المعلومات الشخصية من نتائج البحث الخاصة به إذا كانت المعلومات “غير دقيقة، غير كافية، غير ذات صلة أو مفرطة فيما يتعلق بأغراض المعالجة”. إن الحق في طلب إزالة المواد – المعترف به أخيرًا من قبل محكمة العدل الأوروبية – يشبه بشدة حق النسيان الفرنسي، الذي يسمح للفرد بالاعتراض على نشر المعلومات المتعلقة بالإدانة بعد تنفيذ العقوبة وإجراءات إعادة التأهيل. ومع ذلك ، فإن جذور هذا الحق الجديد تتجاوز إلى حد بعيد فكرة الحق في النسيان نفسها لتطال مزيد من الضوابط والتوازنات الهامة التي سبق اعتمادها في التقاليد الأوروبية لحقوق الإنسان.

بعد فترة وجيزة من قضية جوجل اسبانيا، اعتمد البرلمان الأوروبي اللائحة العامة الجديدة لحماية البيانات (GDPR)، والتي تتضمن حقًا في أن تنسى (يُعرف أيضًا باسم الحق في الحذف)، مع خطوات محددة لوحدات التحكم في البيانات لمحو المعلومات عند الطلب. بالإضافة إلى ذلك، وفقًا للمادة 18 من اللائحة السابقة والمعروفة باسم “حق التقييد” يكون للشخص في موضوع البيانات الحق في تقييد التحكم بمعالجة البيانات الشخصية. وعند تقييد المعالجة، يُسمح لوحدات التحكم في البيانات بتخزين البيانات الشخصية، ولكن ليس لمعالجتها مرة أخرى إذ يجب أن تجعل وحدة التحكم البيانات غير قابلة للوصول، بدلاً من حذفها بالكامل كما في حالة الحق في النسيان.

ففي حالة موضوع البيانات، يحق للفرد المطالبة بالمحو من الظروف المحددة بما في ذلك “البيانات الشخصية التي لم تعد ضرورية فيما يتعلق بالأغراض التي تم جمعها من أجلها أو معالجتها بطريقة أخرى.” على النقيض من ذلك، ينطبق “حق التقييد” بشكل أضيق في جملة أمور; منها الحالات التي تكون فيها “دقة البيانات موضع خلاف مع موضوع البيانات”. يجب أن يحدث تقييد المعالجة فورًا بناءً على طلب موضوع البيانات وأخيرًا “لفترة تمكن وحدة التحكم من التحقق من دقة هذه البيانات”. وتحل هذه المعايير محل – أو تطوّر – الأحكام المتعلقة بمحو البيانات وحظرها في التوجيه الخاص بحماية البيانات. ومع ذلك، فإن التنفيذ العملي للائحة التقييد سوف يستغرق وقتًا.

إعلان

وفي الوقت نفسه، ظهرت مقترحات لاعتماد حق مماثل وكذلك بتنفيذ رفض قضائي – في العديد من أنظمة التقاضي، بما في ذلك الأرجنتين، البرازيل، تشيلي، كولومبيا، المكسيك، نيكاراغوا، اليابان، كوريا الجنوبية، وهونغ كونغ. وأبرزها، في يوليو 2015، كانت روسيا أول بلد يوقع على مشروع قانون يقنن حق النسيان.

أدى اعتراف الاتحاد الأوروبي بحق النسيان إلى إثارة ردود فعل ساخطة من باحثي القانون في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى. إذ يدّعي المشككون في أن حق النسيان قد يهدد حرية الرأي والتعبير وحق الوصول للمعلومات، الأمر الذي يعتبره أبرز المعلّقون تهديدًا للتأريخ. لقد واجه النقاش صعوبة في تحقيق التوازن بين الخصوصية وحرية التعبير، والتي أصبحت لغزًا متزايد الصعوبة في بيئة الإنترنت. وفقًا لرسالة حول الصحافة المفتوحة من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا “لا ينبغي أن تقوض الحاجة المشروعة لحماية الخصوصية وحقوق الإنسان الأخرى الدور الرئيسي لحرية الإعلام والحق في تقصي وتلقي ونقل المعلومات ذات المصلحة العامة كشرط أساسي للديمقراطية والمشاركة السياسية”. إضافة إلى ذلك، استقطبت المناهج الدولية المتنوعة والمعارضة النقاش بحالة من الثبات. كما لاحظ الأستاذان فلوريدي وتاديو:

إن تحقيق التوازن الصحيح بين الاثنين ليس بالأمر البسيط، لأن الأشياء تتغير، على سبيل المثال، وفقًا للنهج الأوروبي، تتفوق الخصوصية على حرية التعبير. في حين أن وجهة النظر الأمريكية هي أن حرية التعبير أهم فيما يتعلق بالخصوصية. وبالتالي، فإن تحديد مسؤوليات حسب “نظام مزودي الخدمة عبر الإنترنت” فيما يتعلق بالحق في النسيان تبين أنه يمثل مشكلة كبيرة، حيث أنه ينطوي على موازنة مختلف الحقوق الأساسية وكذلك النظر في النقاش حول الأحكام الوطنية مقابل الأحكام الدولية المتعلقة بالانترنت.

كما هو متوقع، سيطرت “الوقائع على النقاش الأخير المرتبط بحق النسيان”. ووفقًا للرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار، بعد عامين من القرار، “يبدو أن بعض الآراء الأكثر قسوة بشأن الحكم تستند إلى حد كبير على سوء الفهم”. هناك حقيقة شائعة تتعلق بطبيعة ونشأة الحق في النسيان، وفيما اذا كان حق جديد تمامًا. أما الوقائع الأخرى فتتعلق بالمدى الذي يشمله الحق، والذي يُزعم أنه يؤثر على حرية التعبير. أيضا، تشمل الوائع التنفيذ العملي للحق والاثار المترتبة على الابتكار التكنولوجي. في الأقسام التالية، تناقش هذه المقالة وتكشف عن بعض هذه الوقائع.

الحق في النسيان، والكرامة الإنسانية، وتقرير المصير بالمعلومات

في أوروبا، تم الاعتراف بحق النسيان منذ فترة طويلة – على الأقل طالما اعترفت المحاكم الأوروبية بالحق في تقرير المصير بالمعلومات. واستخدم مصطلح تقرير المصير المعلوماتي لأول مرة في سياق حكم دستوري ألماني يتعلق بالمعلومات الشخصية التي تم جمعها خلال تعداد عام 1983. المصطلح الألماني هو Infoelle Selbstbestimmung. في تلك المناسبة قضت المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية بما يلي:

[. . .] في سياق معالجة البيانات الحديثة، فإن حماية الفرد من جمع بياناته الشخصية وتخزينها واستخدامها والكشف عنها بشكل غير محدود تشملها الحقوق الشخصية العامة للدستور الألماني. يضمن هذا الحق الأساسي في هذا الصدد قدرة الفرد على تحديد مبدئيًا الكشف عن بياناته الشخصية واستخدامها، ويُسمح بالقيود على حق تقرير المصير المعلوماتي هذا فقط في حالة تجاوز المصلحة العامة.

حق تقرير المصير بالمعلومات هو إنجاز حاسم في تمكين حقوق المستخدمين. تم تضمينه في المادة 12 (ب) من توجيه حماية البيانات بموجب القانون الذي يسمح وفقًا لموضوع البيانات بطلب “تصحيح أو محو أو حظر للبيانات التي لا تتوافق معالجتها مع أحكام هذا التوجيه، لا سيما بسبب الطبيعة غير المكتملة أو غير الدقيقة للبيانات”. الحق في أن تنسى فقط قولب حق تقرير المصير المعلوماتي للمجال الرقمي عن طريق إيجاد وحدات تحكم ببيانات محركات البحث، وبالتالي تخضع لأحكام التوجيه. ويُمنح حق تقرير المصير المعلوماتي للأفراد ضد مؤسسات معالجة البيانات، مثل المعلنين وشركات التأمين ومحلات السوبر ماركت وشركات الأدوية الكبيرة وسماسرة البيانات، من خلال ضمان “سلطة الفرد من حيث المبدأ في تقرير ما إذا كان ينبغي لبياناته الشخصية أن يتم الكشف عنها أو معالجتها”. منحت المحكمة الألمانية هذا الحق بقيمة دستورية.

وقد أقر التقليد القانوني في المملكة المتحدة أيضا جوهر هذا الحق على الرغم من تأطيره ضمن موضوع الملكيات بدلاً من منظور حقوق الإنسان، وكان ذلك من خلال الإشارة إلى “إذا كانت المعلومات ملكًا خاصًا بي، فإن الأمر بالنسبة لي هو تحديد مقدار ما ينبغي نشره”.  في الآونة الأخيرة، أصبح هذا الحق الأساسي مُعتبرًا كحق الكرامة الإنسانية التي تنفّذ كأساس للحق في الخصوصية. وتشير اللائحة العامة لحماية البيانات التي تم سنها مؤخرًا في إشارة محددة إلى أن القواعد [بغرض المعالجة في سياق التوظيف] “يجب أن تشمل تدابير مناسبة ومحددة لحماية كرامة موضوع البيانات ومصالحه المشروعة وحقوقه الأساسية”.

خلال المراحل المبكرة لمجتمع المعلومات، قررت أوروبا منع ظهور نماذج الأعمال القائمة على استغلال “قصر النظر في الخصوصية”. وفقًا للبروفيسور فرومكين، فإن قصر النظر في الخصوصية قد يؤدي إلى إنهاء الخصوصية لأن الأفراد استسلموا الخصوصية قليلا عن طريق التخلي عن البيانات الخاصة بهم في كثير من الأحيان وبدون مقابل. (36) في ذلك الوقت يعتقد فرومكين أن البيانات لم تضع ولكنها موجودة منذ زمن طويلن حتى جاء الفيسبوك وإدارة الأمن القومي. وعلى خلاف أوروبا، أطلقت سلطات قضائية أخرى في جميع أنحاء العالم استراتيجيات سياسية مختلفة قادت إلى ازدهار غير متوقف للشركات التي كانت تستغل قصر النظر في الخصوصية.

موازنة بين الحق في النسيان وحرية التعبير في أوروبا

هناك افتراض في غير محله أن “أوروبا تصدّر الرقابة في جميع أنحاء العالم”. في الواقع، فإن حق النسيان هو نقاش حول حماية البيانات مقابل المصالح الاقتصادية بدلاً من حماية البيانات مقابل حرية التعبير. إن التصورات الخاطئة بشأن مدى الحق في النسيان، لا سيما الأسئلة المتعلقة بما إذا كان قرار محكمة العدل الأوروبية والتطورات اللاحقة لم تأخذ بعين الاعتبار حرية التعبير المناسبة، ينبغي عدم إعتمادها.

أ. بناء التوازن الضروري بين الخصوصية وحرية التعبير من قبل المؤسسات الأوروبية

جادل بعض العلماء أن قرار جوجل اسبانيا “غفل” عن جزئية حرية التعبير. لكن هذا ليس هو الحال، لا يدعم كل من قرار محكمة العدل الأوروبية الأصلي وبناءه وتنفيذه اللاحقين هذا الاعتقاد حيث ذكرت محكمة العدل الأوروبية أن حق الشخص في الخصوصية يقلل عمومًا “كقاعدة عامة ، ليس فقط من المصلحة الاقتصادية لمشغل محرك البحث ولكن أيضًا من مصلحة الجمهور العام في العثور على هذه المعلومات عند إجراء بحث يتعلق باسم موضوع البيانات. هذا ليس مفاجئًا لأن الخصوصية بحد ذاتها هي رقابة وتتناقض مع حرية التعبير. الخصوصية تتعلق بعدم تعميم معلومات شخص معين. وبالتالي، فإن الخصوصية تحدد حدود حرية التعبير وليس العكس. ومع ذلك، لاحظت محكمة العدل الأوروبية أيضًا أن هذه القاعدة العامة لا ينبغي أن تنطبق إذا كان هناك اهتمام كبير من الجمهور العام بالوصول إلى المعلومات “لأسباب معينة، مثل الدور الذي تلعبه البيانات كموضوع في الحياة العامة”.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

ترجمة: افنان ابو يحيى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.