تأخذك إلى أعماق الفكر

حول رواية الأَشياء تتداعى.. مقاومة الأَدب الأَفرِيقي للاحتلال

ربّما تكون “الأشياء تتداعى” من تأليف الكاتب تشينوا أتشيبي هي الرّواية الأكثر مصداقيّة على الإطلاق الّتي صوّرت الحياة في نيجيريا في مطلع القرن العشرين. على الرّغم من أنّ الرّواية نُشرت لأوّل مرّة في عام 1958 – أي قبل عامين من حُصول نيجيريا على استقلالها – إلّا أنّ آلاف النُّسَخ ما زالت تُباع كلّ عام في الولايات المتّحدة وحدها، وقد بيعت ملايين النُّسخ حول العالم في ترجماتها العديدة.

تمّ تحويل الرّواية لأعمال على خشبة المسرح والإذاعة والتّلفزيون، والأساتذة في المدارس الثّانويّة والكليّات والمدارس العليا يستخدمون هذه الرّواية كمُقرّر في العديد من الحِصص الدّراسيّة؛ من التّاريخ والدّراسات الاجتماعيّة إلى الأدب المقارن وعلم الإنسان.

اتّخذت رواية الأشياء تتداعى عنوانها من بيت شِعْر في قصيدة “المجيء الثاني” للشّاعر والكاتب المقاليّ والمسرحيّ الإيرلنديّ دبليو بي ييتس. في هذه القصيدة – ومن السّخريّة أنّها نتاج فِكر أوروبيّ– يصف ييتس رؤية مُروّعة للعالم الّذي يتداعى إلى الفوضى بسبب خلل داخليّ في البشريّة. في رواية”الأشياء تتداعى”، يوضّح أتشيبي هذه الرّؤية من خلال إظهار ما حدث في “مجتمع الإيغبو في نيجيريا” خلال فترة استعمارها من قِبَل البريطانيّين.

نظراً لنقاط الضّعف الدّاخليّة الموجودة في ثنايا هيكل المجتمع المحلّيّ والطّبيعة المنقسمة لمجتمع الإيغبو، فإنّ مجتمع أوموفيا في هذه الرّواية يعجز عن الصّمود في وجه موجة المدّ والجَزْر للدّين الأجنبيّ والتّجارة والتّكنولوجيا والحكومة. في قصيدة “المجيء الثّاني” يستحضر ييتس ذِكر المسيح الدّجّال الّذي يقود العالَم الفوضويّ إلى الدّمار. وهذه النّبرة المشؤومة ترتسم تدريجيًا في رواية “الأشياء تتداعى” بحُضور دينيّ متطفّل وحكومة غير حسّاسة معًا ممّا يؤدّي إلى انهيار العالم الأوموفيّ التّقليديّ.

الغرض الأدبيّ

عندما تمّ نشر “الأشياء تتداعى” لأوّل مرّة، أعلن أتشيبي أنّ أحد أهدافه كان تقديم مجتمع مُعقّد وديناميكيّ لجمهور غربيّ ينظر إلى المجتمع الأفريقيّ على أنّه بدائيّ وبسيط ومتخلّف! وإن لم يستطع الأفارقة من سرد جانبهم من قصّتهم، فكان يعتقد أتشيبي أنّ التجربة الأفريقيّة ستبقى “خاطئة” إلى الأبد، حتّى لو تمّ سردها من جانب المؤلّفين ذوي النّوايا الحسنة مثل جويس كاري في كتابهِ (مستر جونسون). عمل كاري مسؤولاً استعماريّاً في نيجيريا، وكان متعاطفًا مع الشّعب النيجيريّ. ومع ذلك، فإنّ أتشيبي كان يشعر أنّ كاري إلى جانب كُتّاب غربيّين آخَرين مثل جوزيف كونراد أساؤوا فهم أفريقيا. قدّم العديد من الكُتّاب الأوروبيّين القارّة على أنّها مكان مُظلم يسكنهُ شعب بدائيّ مُتحجِّر، واعتبر أتشيبي أنّ هذا التّصوير الاختزاليّ لأفريقيا عُنصريّاً. يشير إلى كونراد، الذي كتب ضدّ الإمبرياليّة لكنهُ اختصر الأفارقة بصورة “آخرين” غامضين وحيوانيّين وغريبين.

إعلان

في مُقابلة نُشرت في عام 1994 ، يشرح أتشيبي أنّ غضبهُ من التّصوير غير الدّقيق للثّقافة الأفريقيّة من قِبَل الكُتّاب الاستعماريّين البيض لا يعني أنّهُ لا يتوجّب على الطّلّاب أن يقرأوا أعمال كونراد أو كاري، بل على العكس تماماً، فإنّ أتشيبي يحثّ الطّلّاب على قراءة مثل هذه الأعمال من أجل فَهْم أفضل لعُنصريّة الحقبة الاستعماريّة.
كما وضع أتشيبي نُصب عينيه شعبه النيجيريّ كجمهور. في سنة 1964 أعلن هدفهُ قائلاً:

“لمساعدة مُجتمعي على استعادة الإيمان بنفسه وإبعاد عُقَد سنوات من التّحقير والإزدراء الذّاتي . . . . سأكون راضياً تماماً لو رواياتي لم تقُم بأكثر من تعليم قُرّائي “الأفارقة” أنّ ماضيهم – بكلّ عُيوبهِ – لم يكُن ليلة طويلة من الوحشيّة الّتي أنقذهم منها “الأوروبيّون الأوائل” والّذين عملوا نيابة عن الله!”.

في كتاب “الأشياء تتداعى” يتجسّد فهم الأوروبيين لأفريقيا بشكل خاصّ في شخصيّتين: القِسّ جيمس سميث ومفوّض المنطقة الّذي لم يُذكَر اسمه. فالسّيّد سميث لا يرى أيّ حاجة للتوصُّل إلى حلّ وسيط بشأن العقيدة أو الممارسات الدّينيّة الّتي لا جدال فيها، حتّى خلال فترة التّعريف بالدّين إلى مجتمع مُختلف تمامًا عن مجتمعهِ، إنّه ببساطة لا يعترف بأيّ فائدة للسّماح للنّيجيريّين بالاحتفاظ بأُصول تُراثهم.

وعلى الجانب الآخر، يفخر مفوّض المنطقة بكونه تلميذاً لعادات بدائيّة، ويعتبر نفسهُ زعيماً خيِّرًا ليس لديه سوى أفضل النّوايا لتهدئة القبائل البدائيّة وإدخالها إلى العصر الحديث. وقد يُعرب كلا الرّجلين عن دهشتهما إذا اقترح عليهما أيّ أحد أنّ قيمهم الأوروبيّة قد لا تكون مناسبة تماماً لهذه المجتمعات. وتُوضّح خطّة المفوّض لمعالجة قصّة البطل (أوكونكوو) بإيجاز الميل نحو التّبسيط الغربيّ للثّقافة الأفريقيّة وإضفاء الطّابع الجوهريّ عليها.

ولمواجهة هذا الميل، يعرض أتشيبي الحياة لثقافة أفريقيّة ذات دين، وحُكومة، ونظام ماليّ، وتقاليد فنّيّة، فضلاً عن نظام قضائيّ. وفي حين أنّ ثقافة الإيغبو غير معقّدة من النّاحية التّكنولوجية، لكن يتمّ الكشف عنها للقارئ على أنّها معقّدة بشكل ملحوظ. علاوة على ذلك، فإن “الأشياء تتداعى” بشكل مثير للسُّخرية تعكس أسلوب روايات كُتّاب مثل كونراد وكاري، الّذين ابتكروا شخصيّات أفريقيّة مسطّحة ونمطيّة. بدلاً من ذلك، يصوّر أتشيبي المستعمرين البيض على أنّهم صارمون ومعظمهم ذوو نوايا إمبرياليّة، في حين أنّ الإيغبو مختلفون أحرار للغاية وكثير منهم منفتحون على أفكار جديدة.

ولكنّ على القُرّاء أن ينتبهوا أنّ أتشيبي لا يقدّم ثقافة الإيغبو على أنّها صائبة ومثاليّة وشاعرة، بل كان أتشيبي يعارض مثل هذا التّصوير الرّومانسيّ لشعبه الأصليّ. في الواقع، العديد من الكُتّاب الغربيّين الذين كتبوا عن الاستعمار عارضوا الإمبراليّة (بمن فيهم جوزيف كونراد، وجورج أورويل، وهيرمان ملفيل، وجراهام جرين) لكنهم كانوا رومانسيّين في تصويرهم لنُبلاء همجيّين وبدائيّين وحيوانيّين ولكنّهم غير فاسدين وبريئين.

وكثيراً ما استندت المعارضة للإمبرياليّة الّتي أعرب عنها مثل هؤلاء المؤلّفون إلى فكرة مفادها أنّ المجتمع الغربيّ المتقدّم يُفسد ويدمّر العالم غير الغربيّ. ويعتبر أتشيبي هذه الفكرة حُجّة غير مقبولة بالإضافة إلى أنّها أسطورة. لم يكن أفراد شعب الإيغبو نُبلاء همجيّين، وعلى الرّغم من أنّ عالم الإيغبو قد دُمِّر في نهاية المطاف إلا أنّ ثقافة السّكّان الأصليّين لم تكن أبداً ملاذاً مثاليّاً حتّى من قبل وُصول المستعمرين البيض.
في رواية “الأشياء تتداعى” يصوّر أتشيبي عناصر سلبيّة وإيجابيّة في ثقافة الإيغبو، فهو ينتقد شعبه في بعض الأحيان كما ينتقد المستعمرين.

كان الكاتِب أتشيبي قوّة رئيسيّة في الحركة الأدبيّة العالميّة في تعريف هذه التّجربة الأفريقيّة ووصفها. وهذه الحركة تضمّ آخَرين من كُتّاب ما بعد الاستعماريّة منهم: ليوبولد سنغور، وول سوينكا، وأيم سيزير، وديريك والكوت، ونجوجي وا ثيونجو، وبيراجو ديوب. إنّ هؤلاء الكُتّاب لا يواجهون منظورًا متعدّد الأعراق للتّاريخ والحقيقة فحسب، بل هم يَتَحَدّون القُرّاء أيضًا لإعادة النّظر في أنفسهم في هذا العالم المعقّد والمتطوّر.
باعتبارها رواية أفريقيّة مكتوبة باللّغة الإنجليزيّة وأُسلوبها بعيداً كل البُعد عن الكتابة الاستعماريّة المُعتادة، فكانت “الأشياء تتداعى” بمثابة عمل رائد يفتح آفاقاً جديدة، ولا يمكن التّقليل من دور أتشيبي في جعل الأدب الأفريقيّ الحديث جزءاً من الأدب العالميّ.

مقالة مترجمة

https://www.cliffsnotes.com/literature/t/things-fall-apart/about-things-fall-apart

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.