ومن الحب ما قتل

مُفتَتح ضَروريّ

“ومِن الحُبِّ مَا قَتل” ..

يَقول الشَاعر العَربيّ المُسمَّى “الأصمعي”: بَينما كُنت أسير في بادية العراق، مَررتُ بحَجرٍ مَكتوب عَليه هَذا البَيت

  • أيِا مَعشرَ العُشَّاق باللهِ خَبروا إذا حَلَّ عَشق بالفتى كَيف يَصنعُ

فكَتبت تَحته البَيت الثاني:

  • يداري هواه ثُمَّ يَكتمُ سِرَّه ويَخشع في كُلِّ الأمور ويَخضعُ

وعُدتُ في اليَوم التَّالي فوجدت بَيتًا ثالثًا:

إعلان

  • وكَيف يُدارى والهوى قاتل الفتى وفي كُل يومٍ قَلبه يَتقطَّعُ

فكتبتُ تَحته :

  • إذا لَمْ يَجد الفتى صَبرًا لكتمان سِرّه فليس له شيء سوى المَوت يَنفع

 

ويَسكتمل “الأصمعي” حكايته ويَقول: عُدتُ في اليَوم الثالث، فوجدت شابًا مُلقى تَحت الحجرِ مَيّتًا، ومَكتوب عَلى الحَجر هَذين البَيتين:

  • سَمعنا وأطعنا ثُمَّ متنا فبلغوا سلامي إلى مَن كان بالوَصلِ يَمنعُ
  • هنيئًا لأرباب النَعيم نَعيمهم              وللعاشق المسكين ما يتجرَّعُ .

فلَمَّا فَرِغ “الأصمعي” مِن حَكيِّه قال الناس ضاربيّن يُسرى عَلى يُمنى:

  • ومِن الحُبِّ ما قَتل ..

*               *                  *

يَقول الشَّاعر “محمود درويش” في جداريَّته الخالدة: يا حُبّ! ما أنتّ؟

كَم أنت أنت ولا أنت!

يا حُبّ هُبَّ عَلينا عواصف رَعدية؛

كي نَصيرَ إلى ما تُحِب لنا مِن حلول السماويّ في الجَسديّ ..

و ذُبْ في مَصبٍّ يَفيض مِن الجانبين

فأنت –إن كُنت تَظهر أو تَتَّبطَّن- لا شَكل لَك!

*               *                  *

أحببتُ أن تَكون البداية عِند “درويش”؛ هَذا الشَّاعرُ اللامُقَدّر بكلماتٍ أو صِفات، هو غَني عَن تَعريفي لَه، فلنَدخُل إلى عاطفته مُباشرة. قصائد درويش حافلة بكُل ما يَتعلَّق بالحُبِّ والثَورة والحَرب والقَضيّة الفلسطينية، ودَومًا مُهدَّد بالاغتيال، مِثل مُعظم أبناء جيله مِن الأدباء الفلسطينين أصحاب الرأي..

ومَع ذَلك أحبَّ يَهوديَّة!

القاعدة الأولى ألَّا قاعدة في الحُبّ!

*               *                  *

كان “محمود درويش” فتى في مُقتَبلِ العُمر، نَحيلًا بَعض الشيء، ذا وَجهٍ بَرزت عِظامه مِما أضفى عَلى وَجهه وسَامة رَجُل شَرقي لا تُقهَر .. شَعرٌ ناعمٌ طَويل يَميلُ إلى جانب رأسه الأيسَر، يَرتدي قَميصًا أبيضًا ناصع، مُشَمِّر عن ساعدٍ بَرزت عروقه الزرقاء مِن تَحتِ جَلدٍ، ويَقف بِجانبها مُبتسِمًا نِصف ابتسامة.

وكانت هي في السادسة عَشر مِن عُمرها، فتاةً جَميلة مِن أبٍ بولَنديّ، وأمٍ فرَنسيَّة، ابتسامتها فاتنة بَريئة تَرتفع عَن أسنانٍ بَيضاء لامعة، تَرتدي فُستانًا أحمر يَصل مِن رَقبتها الناعمة إلى ساقها اللَّدِنة.

ولُقِطَت هَذه الصورة لَهم في لحظةٍ سَعيدة مِن حياة “دَرويش” بجانب حَبيبته “رِيتا” اليَهوديِّة.

كان محمود درويش يَعرف أنَّها مِن خارج دِينه؛ ولَكِنَّه أحبها، ولَيس للحُبِ حَدٌّ، لَيس لكُره المُتناحرات الدينية مكان بَين عاشقينِ ..

أحبَّ درويش ريتا، وكَتب فيها قصائده ونَظم فيها الغَزَل، حَتَّى عام 1967 م، ونَكسة العَرب عامةً ومصر خاصةً، فكُل الأُدباء والمُثَقفين شَعروا بأنَّ المَوت أهون مِن هَذا الشعور .. ولَيس دَرويش وَحده مَن تَجرَّع مَرارة النَكسة بَل العَرب جَميعهم، حَتَّى أنَّ الشاعر العَظيم “نزار قَبَّاني” كَتب ديوانه “هوامش عَلى دَفتر النَّكسة” وهو راقدٌ في فِراش المَرض إثر سماعه لخَبر دخول إسرائيل سَيناء والجولان.

كانت عِلاقة “محمود درويش” بـ “رِيتا” بدأت في التَّوتُر، وقَرَّرت -هي- الانضِمام إلى الجندية الإسرائيلية لتقديم أقصى ما يُمكنها تَقدِيمه لليَهودية… و هُنا قال دَرويّش : لا ..

قَرَّر تَناَزله عَن حُبٍّ لحُبٍّ آخَر وهو حُبُّ الوَطن.

وفي مُقابلة تِلفزيونية سُئِل “دَرويش” عَن سَبب تَركه لَها، فقال “دَرويش” :

  • كَيف لي أن أعشق فتاة تَعتقل بنات بَلدي في نابلس و القُدس؟!

وقال بَعدها:

  • بَين “ريِتا” وعيوني بُندقيِّة!

*               *                  *

بَعد الإخفاق الأول، سافَر محمود درويش إلى مِصر، وهُنا فَجَّر مَوهبته الشِعرية، كَتب خِلال هَذ الفَترة أعظَم قصائده، وكان صَديقه الصَدوق بمِصر هو الخال عَبد الرَحمن الأبنودي ، وعَلى غِرار ذِكر الخال يَجب ذِكر أوّل لقاء بَينهما، كان اللَيل قَد حَلَّ والخال يَجلس يَحتسي الشاي ويُنشِد شِعره عَلى الجالسين، رَنَّ هاتِف مَنزِله فَـ رَدّ:

  • آيوة، مِين؟

فجاءه صَوت هادئ عَميق:

  • آلو، أهلًا صَديقي

باستفهام قال الخال:

  • أيوة مين معايا
  • أنا مَحمود دَرويش

بضَجر قال الخال:

  • يا أخي أنا مَعرفش غِير مَحمود دَرويش واحد، ومِش مَصري

رَدَّ درويش ضاحكًا:

  • أنا درويش الذي تَعرفه

تفاجأ الأبنودي ، وكان اندهاشه بداية صداقة عَميقة دامت لسنواتٍ.

*               *                  *

بَعد ذَلك بفَترة، وأثناء إقامة “درويش” بمِصر، كان مَدعوًّا في حَفلة ببيت أحد أصدقائه، وهُناك رَآها أول مَرَّة، كانت فاتنة قَصيرة الطول وقَصيرة الشَّعر، عيونٌ سوداء واسعة مصريَّة، حاجِبها رَفيع مَسحوب إلى أعلى جَبهتِها، أنفٌ دقيق، وشفاه رَقيقة .. وَجهٌ ملائكي باختصار، فَتنت قَلب دَرويش، وقَلبت حياته ..

ظَلَّت في رأس محمود درويش تأبى الخروج، إلى أن انتهى الحَفل، ورَحل دَرويش دون كَلمة واحدة مُوَجَّهة إلى صاحبة السَهم المُصَوَّب إلى قَلبه بَعد انتزاع سَهم “ريتا ” .. قَرّر دَرويِّش بَعد فَترة قَصيرة دَعوة صَديقه نَفسه إلى حَفل آخر ولَكن بمَنزِل دَرويش، وطَلب مِن صَديقه دَعوة كُل مَن كانوا حاضرين، وأكَّد عَليه: كُلّهم ..

ولَكنَّها لَمْ تأتِ، فَقرر بَعد فَترة قَصيرة تكرار ما فَعله؛ فلَمْ تأتِ .. فكتب درويش بَيتًا شَهيرًا لَه:

“في الانتظار .. يُصيبني هَوسٌ برَصدِ الاحتمالات الكَثيرة!”

و مَرَّ عامٌ عَلى يَوم رؤيتها، ومُصادفةً كان يَزور نَفس الصَديق، فوجدها هُناك، ذَات الوَجه الملائكي المَليء بالحياة .. واسمُها “حياة” ..

تَعرَّف عَليها وبدأت صَفحة جَديدة في حياة دَرويش بزواجه مِن المُترجمة المَصرية “حياة الهيني”، صَفحات كتباها مَعًا بحبرِ الحُبِّ الصادق.

تَحكي “حياة” أنَّ “درويش” كان كُل يَوم يَترُك لَها وَردة حَمراء عَلى الفِراش، ماعدا أيام الضَجر والضيِّق بسبب المُعجبات الكَثيرات لدَرويش.

وفي يَومٍ ما، بَعد العَشاء، قال دَرويش لحياة أنَّه كَتب قَصيدة لَها، وأخذ يَلقيها لها بشَغفٍ وحُبٍّ لا يَتكرر كَثيرًا :

أعدِّي ليّ الأرض كَي استريح

فأنِّي أُحبُّكِ حَتَّى التَّعب ..

صباحك فاكهة للأغاني .. وهَذا المساءُ ذَهب ..

و أنتِ الهواء الذي يَتعرَّى أمامي كدمعِ العنب

أنِّي أُحبُّكِ ..

فأنتِ بداية روحي وأنتِ الختام ..

و يُكمِل القَصيدة وَسط ذهول مِن حياة؛ التي اكتملت حياتها بوجود دَرويش . وحِين سَمِع المُلحِن مارسيل خَليفة قَصيدة دَرويش أصرّ أن يُلحنها ويُغنيها، إلا أنَّ دَوريش كان يَرفُض قاطعًا كُل السُبل، قائلًا أنَّ هَذه قَصيدة شَخصية لَيست لأحد سوى حياة ..

وقَبل الوداع الأخير، قَبيل سَفر “محمود درويش” إلى أمريكا لأجراء جراحة خَطيرة، اتَّصل دَرويش بـمارسيل وطَلب مِنه تَلحين القَصيدة وغنائها .. وهَكذا وَدَّع دَرويش حُبّه الصادق، والحياة.

*               *                  *

إعلان