تأخذك إلى أعماق الفكر

“عَودة إلى الجَّاهِليَّة” عن العرب والموالي وأشياء أخرى

مَعْروفٌ أنَّ التَّاريخَ الإسلاميّ السياسي مَلِيءٌ بِجَرائمٍ شَتَّى، تتنافي في الأصلِ مع ما نَزَل بِهِ هَذا الدِّين مِن سَلامٍ لَم يُنزع مِن اسمهِ، ومِن سكينة لم تفارق رسوله. قالوا: أوَّل الفتن عثمان، وآخر الفتن الدجَّال *1. ونقولُ أنَّ ما بينهما أفظع مِنهما. فمرورًا بفتنةِ عثمان، وَعَليّ وبنوه … حَتَّى يومنا هذا، تَحدُثُ الكثير من المذابحِ -علنيَّة كانت أو سريَّة- بَاسمِ الدِّين والله. وَأُرجِعُ أسباب ذلك إلى عِدَّة عوامل، داخليَّة وخارجية. العوامل الخارجيَّة تتمثَّل في ثلاثةِ عناصر: اتِّساع رقعة الدَّولة الإسلاميَّة باستمرارٍ غَير متوَقَّع. دخول العديد من العناصرِ الأجنبيَّة / الأعجميَّة، تحت مَظَلَّة الإسلام. محاولة بقايا الحضارات الأخرى -التي بدأت مَرَاحِل ضعفها تزامنًا مع مَراحل قيام الحضارة العربية- إفساد الأمر على العَرَب.

ونتَّخذ مَقتل الخليفة الثَّاني “عمر بن الخطَّاب” عَلى يَد فيروز النهاونديّ *2 مثالًا لِترجمةِ حِقدِ الموالي مِن الفرسِ عَلَى الحضارةِ الإسلاميَّة، وتحديدًا “عمر”؛ حيث قَتل عمر بُغضًا في الإسلام وأهله، وَحُبًّا للمجوس، وانتقامًا للكفارِ، لِما فعل بهم عمر حين فتح بلادهم، وقتل رؤساءهم، وَقَسَّم أموالهم*3 وتعتبر هذه الجريمة، هي أوَّل جريمة قَتل عنصرية في تاريخ الإسلام*4.

والعوامل الدَّاخلية التي قد تفسِّر ظاهرة العنف في التَّاريخ العربي السياسيّ، مِنها، وقد نعوِّل، على البيئة الجاهليَّة الصَلبة*5 . والحضارةُ العربيَّة مِن صُنْعِ قومٍ من شباهِ البرابرة، فلمَّا خَرج هؤلاء القوم مِن صَحَاري جزيرة العرب صرعوا الفرس واليونان والرومان، وأقاموا دَولة عظيمة امتد سلطانها من الهندِ إلَى إسبانيا*6

وعَلَى هذا، فقد كَوَّنت البيئة الصحراويَّة بَرْبَرًا غلاظ الطَّبع، أشدَّاء أمام تقلّبات الزَّمَان، ورغم ما فيهم مِن طباعٍ كَريمة كَثيرة سُجِّلت في الأشعارِ الجاهليَّة* 7 إلَّا أنَّ حروبهم العديدة الطويلة*8 التي سَجَّلها نَفس الشِّعر تُبدي ألَّا حياة أو دماء تؤثِّر في حياة المواطن العربيّ القديم.

شَكَّلت الحضارات المنكوبة التي دَخلت تحت سَطوةِ الحضارة العربية شَوكةً في حَلقِ التاريخ العربي السياسيّ؛ وذلك لأنَّ من الصَّعب أن يتنازل الموالي –في مجتمعٍ ازدهرت به قصيدة الفخر بالانسابِ- عن نَسبهم الفارسيّ أو غَير ذَلك، فمعروفٌ عَن الحضارات الإيرانيَّة أنَّها مغرقة في القدم. فقد قامت في إيران “بلاد فارس” دول متعاقبة يرجع تاريخها إلى ما قبل ميلاد المَسيح*9 . ومعروفٌ أنَّهم حضارة قتال ورئاسة، أمبراطوريَّة سَيطَرت على معظم أراضِ العالم على مدارِ فتراتٍ طويلة. لم تنه مواقف العرب من الموالي، أو مواقف الموالي من العرب، نظام الولاء، الضَّعيف الآن للقوي الآن، وهكذا استمرّ تناغم الموالي من العرب، وانصهارهم في المجتمعِ تَدريجيًّا، وراحت الحضارة العربية تأخذ من الفارسية، قدر ما تعطيها.

إعلان

وشارك الموالي أكثر ما شاركوا في الفنونِ والآداب؛ ذلك لأنَّ العرب أهل فن وأدب، ومعجزتهم لغويَّة. ولكن ظَلَّ مِن الصَّعب، كما قلنا، أن يتنازل الموالي عن نَسبِهم، فجعلوا من حضارتهم مَحَل فخرهم، وحاولوا التَّنفيس عن كثيرٍ مِن العقدِ النفسيَّة التي سَيطرت عليهم زَمنًا، وكَمنت في صدورهم أجيالًا، وإن كانت محاولتهم في جملتها لم تخرج عن إطارها المحدود الذي يتسم بضروبٍ من السريَّة والتقية، خوفًا من سطوة الدولة الحاكمة*10.

تجَلَّى الانصهار العربيّ الأعجميّ في الفترةِ من 98 هجريًا إلى 132 هجريًا، وهي الفترة التي توافق التَّحضير للأنقلابِ العباسيّ عَلَى الدولةِ الأمويَّة. كانت العناصر الفارسيَّة أيام الحكم الأموي تحتل مكانها في الصفوفِ الخلفيَّة من المجتمعِ العربيّ*11 . ويُذكَر أن الشَّاعر الأعجمي “أسماعيل بن يسار” أنشد من قصيدته الميميَّة أمام الخليفةِ الأمويّ “هشام بن عبد الملك”:

إنِّي وَجِّدك ما عودي بذي خَوَر
عند الحفاظ ولا حوضي بمهدومِ*12

فالقصيدة لَيست منتصرة للفرسِ عَلَى العَربِ كَمَا سَنَرى فِي شِعْرِ بَشَّار بن برد أو أي مِن الشعوبيين، كما سنرى في مَوضعٍ قادم، إنَّما افتخر الشَّاعِر فيها بنفسهِ وقومهِ، تمامًا، كما يَفعل العرب في قصائد فَخرهم بالانسابِ، لكن الخليفة الأمويّ، رأى أن مجرد الفخر شيء مَمنوع عَن العُجم؛ ذلك لأنَّهم مجرَّد موالي، وغَنيمة اكتسبتها الحضارة العربية، واستبدّ الغضب بالخليفةِ الاموي وأمر بنفي الشَّاعر من وقتهِ عن الشام*13.

قامت الثورة العباسيَّة في خرسان، بقيادةِ القائد الأعجميّ أبو مُسلم الخرساني، ورَدَّ على رسالة الخليفة الأمويّ الأخير مروان بن محمَّد، ببيتٍ شعريّ يفسر كل ما حدث بعد ذلك:

محا السَّيف أسطار البلاغة وانتحى
عليك ليوث الغاب من كلِّ جانبِ

يقصدُ أنَّ سَيف الثورة سيمحو أسطار البلاغة المدسوسة في رسالة مروان بن محمد الأخيرة إلى صفوفِ الثوَّار، وبدلًا من أن يَقرأ الثوَّار أسطار الرسالة، سيمزقوها، وسينتحون –مشبِّهًا إيَّاهم بليوثِ الغاب كضربٍ من أضربِ المجازِ العقليّ- على الدولةِ الأمويَّة من كلِ جانبِ .. ليتحقق البيت، ويَنتحي كل أفرادِ الدولة العربية، من عربٍ وموالي، عدا العائلة الأمويَّة، ضِدّ الخلافة، ويموت آخر خلفاء الدولة الأمويَّة في المشرق، بمصر، في قرية بوصير عام 132 هجريًّا.

تبدأ الدولة العباسيَّة، دماء جديدة، عائلة جديدة، عائلة وسلالة العباس بن عبد المُطِّلب، عَمّ الرسول صَلى الله عليه وسلم. يزدهر النفوذ الأجنبيّ أكثر، ويضمنون لنفسهم مكانًا أقرب للخليفة، أي للسُلطة، وتبدأ حركة الشعبويَّة الدينيَّة، والحضاريَّة.

أوجز الجاحظ هذا التغلغل الأعجميّ في الدولة العباسية حين قال: الدولة الامويَّة دولة عربية أعرابية، أمَّا الدولة العباسيَّة دولة عربية أعجميَّة*14. وقبل أن نتوغَّل في الحديثِ عَن نظم شعراء حركة الشعوبية، وقَتل الخلفاء، نقول أنَّ الخلافة العباسيَّة جاءت، في بداياتها، مؤكِّدًا لاسترجاعها الإرث الشرعي للخلافة وكذلك الحكم الثيوقراطي*15، الذي أخذه منهم بنو أمية عنوة.

مع ازدهار الدولة العباسيَّة في المجالاتِ الأدبيَّة، والفكريَّة، عادت مَرَّة أخرى إلى الجاهلية. انقلاب عَكسي مع الزَّمن. عادت العصبيات الشعريَّة مِن جديد، رغم أنَّها كانت موجودة في عَصرِ بني أميَّة، لكن الفَرق، أنَّ العصر العباسيّ، عصبياته عربيَّة أعجميَّة. بدا هذا التعصُّب عنصريًا في حركة الشعوبيَّة، وبتعريفٍ عام، مُتَّسِع، الشعوبية هي الحركة التي قامت مناهضة للأمةِ العربيَّة أثر ظهور الإسلام، وقيام دولته العربيَّة*16. ويبدو من هذا التعريف أنَّ المفهوم موجود منذ ظهور الإسلام، أمَّا المصطلح، فقد استخدمه أول مَن استخدمه، الجَّاحِظ في العصرِ العباسيّ الأوَّل، في كتابه البيان والتبيين: ونبدأ على اسم الله بذكرِ مذهب الشعوبيَّة ومَن يتحلَّى باسمِ التسوية*17.   وقَد عَدَّد مظاهر هذه الحركة منذ أيَّام الرسول صَلَّى الله عليه وسلَّم: والشعوبيَّة .. المبغضون لآل النَّبيّ وأصحابهِ مِمن فتح الفتوح، وقتل المجوس، وجاء بالإسلامِ*18.

وإمَّا في الأولى، فقد وصَف انَّ مِن الشعوبيين مَن يقولون بمبدأ التسوية، أي التسوية بين العرب والعجم. وكان ذلك في البداية الخافتة للصوتِ الشعوبي، أن يكتفوا بالمساواة بينهم وبين العرب، وحَتى يجعلوا لأقوالهم وَزنًا راح بعضهم يستشهد بِما نَظَمه شعراء العَرب، قاصدين من وراءِ ذلك تأييد الاتجاه الذي كانوا يرمون إليه في أبسطِ صورة –أعني المساواة مع العرب-*19 فراح بعضهم يستعين بقولِ عامر بن الطفيل*20:

فإنِّي وإن كنت ابن سيِّد عامرٍ                             وفارسها المشهور في كلِّ كَوكبٍ
فما سَوَّدَتني عامر عن وراثـــةٍ                            أبى الله أن أسمو بجدٍ ولا أب

انتقد الشعوبيين طَبقيَّة المجتمع العربي، وإهماله بالصفوفِ الأخيرة مِن عامةِ الشعب، والموالي، بينما المجتمع الإيراني القديم مجتمعًا طبقيًّا، الأشراف، ورجال الدين ورجال الحرب، حَتَّى عامةِ الشَّعب*21

انقسمت حركة الشعوبيَّة، إلى قسمين، الأوَّل: الشعوبيَّة الدينيَّة، أو المذهبية. والثاني: الشعوبيَّة الحضاريَّة، أو الأخلاقيَّة. ومَثَّل كل قسم من القسمين شعرائه الشعوبيين. فالشعوبيَّة الدينيَّة أو المذهبيَّة أو العنصريَّة، نتخذ بَشَّار بن برد نموذجًا لها، والشعوبيَّة الأخلاقيَّة، لا صوت يعلو فوق صَوت أبو نوَاس في الانحلالِ الأخلاقيّ، وازدراء الدِّين الإسلاميّ، ورمزه، ونذكر من شعره الكثير في هذا الموضوع، هذه الأبيات القليلة:

اسقني واسق يوسفا                     مزة الطَّعم قرقفا*22
دع من العيش كل رن                    قٍ وخذ منه ما صفا
اسقنيها مِلأ وفـــا                         لا أريد المنصفا
وضع الزِّق*23  جانبًا                   ومع الزِّق مصحفًا
واحسُ من ذا ثلاثة                       واتل من ذاك أحرفا
خيرُ هذا بشرِ ذا                          فإذا الله قد عفا
فلقد فاز مَن محا                          ذا بِذَ عنه واكتفى

وتعدَّدت مِثل هذه المظاهر كَثيرًا؛ بسببِ اضطراب الحياة السياسيَّة، وفقدان الثقة في الحياة أوَّلًا، فاندفع الجميع إلى متاع الحياة، يحاولون أن ينالوا منها قَدر ما استطاعوا.  حَيث انطلق الخَمر يَملأ أزقَّة الدولة العباسيَّة، وظهرت بيوت اللهو، وانتشرت الغواني، والغلمان، وأصبحت الزندقة شيء طبيعي، يُجهَر به ظهرًا، وأمام المساجد.

أمَّا السبب الثاني الذي أدَّى إلى ظهور هذه التيارات –أقصد اللهو والمجون والزندقة- هو التَّرف الاجتماعي والاقتصادي الذي أغدق على المجتمع العربيّ آنذاك أموال وغنائم كثيرة، مِمَّا دَفع الكثير مِن الناس إلى استقدام الخَدم الفارسيّ، أكثر مِمّا كان، وبالتالي بدأت هذه العناصر الأجنبيّة، تُدخِل حياة الفرس في بيوتِ العرب، فتطبَّعت الحضارة العربيَّة، المُحافظة، بطباعِ الفرس والأتراك، واستمدَّت ألوانها وخطوطها من هذه الحضارات الأجنبيَّة التي غَزت المجتمع الإسلامي ومضت تتفاعل معه وتؤثر فيه*24.

أمَّا بَشَّار بن برد الفارسي الذي نشأ بين العرب، يقول في بائيته:

هل من رسول مخبر            عني جميع العرب
من كان حيًّا منهمُ                ومن ثوى في التربِ
بأنني ذو حَسبٍ                  عالٍ على ذي الحسبِ
جدي الذي أسمو به             كسرى، وساسان أبي
إلى آخر القصيدة ..

وطوال القصيدة، يُعَدِّد بشار مساوئ العرب، ومحاسن دولته الفارسيَّة، صاحبة أكبر الحضارات على مَرِّ التاريخ، مِمَّا يُبدي حقد دَفين في نفسهِ، حقد يَستحق الدراسة والتحليل النفسيّ لهذا الرجل، بينما هو في النهاية يُعدِّد مساوئ العرب في الجاهلية متناسيًا أن حضارة العرب تُسَمَّى الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة، أي العربيَّة التي قامت في حدودِ بلادِ العرب، والإسلاميَّة حَتَّى يَدخل فيها المسلمين من غَير العرب؛ لأنَّهم ساهموا في هذه الحضارة بشكلٍ مؤثِّر. بينما غَضّ بَشَّار في هذه القصيدة نَظره عَن كل مظاهر الحضارة العربية التي تَحققت في فترتي الحكم الأموي، والعباسيّ، رَغم أنَّه عاصر الأمويين والعباسيين.

وبينما النَّظم يَملأ آذان الخلفاء العباسيين، ويستحسنوه، بينما يقتلونهم الوزراء والحراس العجم بخناجرهم، أو يتقمصون دَور الشَّيطان لآدم، ويوسون لمَن حولهم، يدفعون أخوتهم إلى قتلهم، وابنائهم إلى سَمِّهِم والتخلُّص منهم؛ للاستفرادِ بالخلافة / السلطة / الموت.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: إسلام أحمد

تعليقات
جاري التحميل...