النقد النسوي ويوسف إدريس: قراءة في «الحرام» و«العيب» و«البيضاء»

يصعب الحديث عن يوسف إدريس من دون التوقف أمام المرأة في أعماله. تظهر المرأة في عالمه الروائي في أماكن مختلفة، وتعيش ظروفاً اجتماعية متباينة، وتحمل كل شخصية آثار البيئة التي جاءت منها. في «الحرام» تظهر المرأة الريفية الفقيرة في مجتمع تحكمه الحاجة والعمل والسمعة.[1] وفي «العيب» تنتقل إلى عالم الوظيفة والدولة والطبقة الوسطى حيث تدخل المجال العام وتواجه علاقات جديدة من السلطة.[2] أما في «البيضاء»، فتتحرك داخل عالم أكثر اتساعًا، ترتبط فيه المرأة بأسئلة الحرية والهوية والعلاقة بالآخر.[3]
هذه الشخصيات كتبت في فترات مختلفة من تاريخ مصر. «الحرام» صدرت في نهاية الخمسينيات، في السنوات الأولى لمشروعات الإصلاح الزراعي والعدالة الاجتماعية. وجاءت «العيب» في الستينيات، مع توسع الدولة في التعليم والوظائف الحكومية وصعود الجهاز البيروقراطي. ثم ظهرت «البيضاء» في بداية السبعينيات، مع بداية مرحلة سياسية وثقافية جديدة في مصر، واتساع الأسئلة المتعلقة بالهوية والانفتاح والعلاقة بالغرب. لذلك تحمل كل شخصية نسائية أثر الزمن الذي كتبت فيه، كما تحمل أثر الطبقة والمكان والمؤسسة التي تتحرك داخلها. من هنا تأتي أهمية الروايات الثلاث معًا، وتثور أسئلة من قبيل: كيف تتغير صورة المرأة عندما تنتقل من الريف إلى المدينة؟ ماذا يحدث عندما تدخل سوق العمل؟ كيف تتغير علاقتها بالجسد والأسرة والسمعة؟ ومن يملك في النهاية حق تعريفها والحكم عليها؟
يتبنى المقال المنظور النقدي النسوي، وهو اتجاه يهتم بدراسة الطريقة التي تُصوَّر بها المرأة في الأدب والعلاقات التي تحدد موقعها داخل المجتمع والسلطة التي تتحكم في تمثيلها وصوتها. ظهر المنظور في صورته الحديثة مع صعود الحركة النسوية في أوروبا وأمريكا خلال القرن التاسع عشر، ثم تطور خلال القرن العشرين خاصة مع الموجة النسوية الثانية في الستينيات والسبعينيات. ومع الوقت، انتقل الاهتمام من البحث عن الشخصيات النسائية في الأدب إلى أسئلة أوسع حول اللغة والسلطة والجسد والهوية والعمل والأسرة والعلاقات بين الجنسين. كان لكتابات ماري وولستونكرافت في القرن الثامن عشر دور مبكر في طرح فكرة المساواة في التعليم والعقل والحقوق. وفي القرن العشرين قدمت سيمون دي بوفوار كتابها )الجنس الآخر( وناقشت فيه الطريقة التي تتحول بها المرأة داخل المجتمع إلى “الآخر” وكيف تُبنى الأنوثة من خلال التربية والعادات والأدوار الاجتماعية. ثم اتسع المجال مع كتابات مفكرات مثل بيتي فريدان، التي ناقشت القيود الاجتماعية التي تواجه المرأة في المجتمع الأمريكي. ومع كيت ميليت التي ربطت العلاقة بين الرجال والنساء بمفهوم السلطة. وفي المجال الأدبي، قدمت إيلين شوالتر مفهوم “النقد النسوي” ودعت إلى دراسة الأدب الذي كتبته النساء كما اهتمت بتحليل الطريقة التي شكل بها الأدب الذكوري صورة المرأة. وتطورت هذه الأسئلة مع مفكرات مثل جوديث بتلر التي أعادت النظر في مفهوم الجندر نفسه. ومع كتابات بيل هوكس التي وسعت النقد النسوي ليدخل فيه أثر الطبقة والعرق والموقع الاجتماعي. وبذلك أصبح السؤال النسوي أرحب من البحث عن وجود المرأة في النص وصار يهتم بعلاقات القوة التي تنتج صورتها وباللغة التي تصفها وبالمؤسسات التي تحدد أدوارها وبالفروق الاجتماعية التي تجعل تجربة امرأة مختلفة عن تجربة أخرى.[4]
لا يكتب يوسف إدريس المرأة وحدها
عند قراءة الحرام والعيب والبيضاء، يظهر أن يوسف إدريس يختار ثلاث شخصيات نسائية تنتمي إلى عوالم مختلفة. فلاحة تعمل في الأرض، وموظفة داخل جهاز الدولة، وامرأة تتحرك في فضاء أكثر انفتاحاً. كل امرأة جاءت من بيئة اجتماعية مختلفة، وكل رواية ارتبطت بمرحلة مختلفة من تاريخ مصر. لذلك، تحمل الشخصيات النسائية أثر الزمن الذي خرجت منه بقدر ما تحمل ملامحها الشخصية.
صدرت الحرام في نهاية الخمسينيات، بعد سنوات قليلة من ثورة يوليو 1952. كانت الدولة تتحدث عن الإصلاح الزراعي والعدالة الاجتماعية، وكانت صورة الفلاح حاضرة بشكل كبير في الخطاب الرسمي. في المقابل، ظل الريف يعيش مشكلات مثل الفقر والعمل الموسمي وضعف الخدمات واستمرار النفوذ الاجتماعي لكبار الملاك والعائلات. جاءت عزيزة وسط هذا المشهد، امرأة يعمل جسدها طوال اليوم حتى تضمن لقمة العيش، ثم تجد نفسها في مواجهة مجتمع يراقبها أكثر مما يلتفت إلى الظروف التي صنعت مأساتها. يكشف حضور المرأة هنا صورة الريف المصري في تلك اللحظة، ويكشف أيضاً حدود التغيير الذي وصلت إليه سياسات الدولة في حياة الناس اليومية.
إعلان
بعدها بعدة سنوات، انتقل يوسف إدريس إلى فضاء مختلف في العيب. كانت مصر قد دخلت مرحلة توسع الجهاز الإداري وازدادت أعداد الموظفين وأصبح العمل الحكومي طريقًا للصعود الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي. داخل هذا العالم، تظهر البطلة وهي تحاول أن تجد مكاناً لها وسط شبكة من العلاقات والمصالح. تغيرت طبيعة المكان وتغيرت أدوات الضغط وأصبحت السلطة تمارس حضورها من خلال المؤسسة واللوائح. انعكس هذا التحول على صورة المرأة، فارتبطت تجربتها اليومية بطبيعة الدولة الحديثة وبالقيم التي أنتجها المجتمع الحضري في الستينيات.
أما البيضاء فقد جاءت في بداية السبعينيات مع بداية مرحلة مختلفة سياسيًا وثقافيًا. شهدت مصر بعد وفاة جمال عبد الناصر تغيرات متسارعة وبدأت تنفتح على العالم بصورة أكبر وظهرت أسئلة جديدة حول الهوية والثقافة والعلاقة مع الغرب. انعكست هذه التحولات على الرواية، فصارت المرأة جزءاً من نقاش أرحب يتعلق بالحرية والاختلاف والصورة التي يحملها المجتمع عن نفسه عندما يلتقي بثقافات أخرى.
يجمع بين الروايات الثلاث خيط واحد يتمثل في ارتباط المرأة بالمجتمع الذي تعيش فيه. تتغير البيئة وتتغير الطبقة الاجتماعية وتتغير طبيعة السلطة، فتتغير معها التجربة النسائية. ولهذا تبدو الشخصيات النسائية امتداداً لتحولات المجتمع المصري عبر أكثر من عقد من الزمن. عزيزة تحمل آثار الريف في الخمسينيات، وبطلة العيب تعكس عالم الموظفين في الستينيات، وامرأة البيضاء تعبر عن الأسئلة الثقافية التي فرضتها السبعينيات.
من يملك حق تعريف المرأة؟
اختار إدريس عنوانين لاثنتين من أشهر رواياته: الحرام والعيب. واللافت أن العنوانين يدوران حول حكم أخلاقي لا حول حدث أو شخصية. يدخل القارئ الرواية وهو يحمل معنى مسبقاً للكلمتين ثم يكتشف مع تقدم الأحداث أن السؤال يدور حول الجهة التي تمنح نفسها حق إطلاق هذه الأحكام، وكيف تتحول الكلمات إلى وسيلة لضبط سلوك المرأة ورسم حدود حركتها داخل المجتمع. تتفق الروايات الثلاث على حضور شبكة من الأحكام الاجتماعية تسبق المرأة أينما ذهبت. تبدأ هذه الأحكام داخل الأسرة ثم تنتقل إلى الجيران وبيئة العمل والشارع وتنتهي عند المؤسسات الرسمية. يمنح هذا التراكم المجتمع سلطة واسعة في تشكيل صورة المرأة ويجعل تقييمها يرتبط بما يراه الآخرون أكثر من ارتباطه بما تراه هي عن نفسها.
في الحرام، تتحول القضية الشخصية إلى قضية عامة منذ اللحظة التي يكتشف فيها المجتمع حَمْل عزيزة. يتراجع الحديث عن ظروفها الاقتصادية وعن طبيعة العمل الشاق الذي كانت تقوم به وعن غياب أي حماية اجتماعية للنساء العاملات في الريف. في حين تتقدم أسئلة أخرى تتعلق بالشرف والسمعة والعقاب. وهكذا، ينتقل الاهتمام من الأسباب إلى النتيجة، ومن الظروف التي صنعت المأساة إلى المرأة التي تحمل آثارها. تعكس هذه الصورة جانباً من الثقافة الريفية في الخمسينيات، حيث كانت السمعة جزءاً من رأس المال الاجتماعي للأسرة، وكانت المرأة تتحمل النصيب الأكبر من الحفاظ عليه حتى في الظروف التي تغيب فيها العدالة أو تكافؤ المسؤولية.
وفي العيب تتغير البيئة بينما تستمر آلية إصدار الأحكام. تتحرك البطلة داخل مؤسسة حكومية يفترض أنها تقوم على اللوائح والقوانين، لكن العلاقات الشخصية والسلطة غير الرسمية تفرض حضورها. تتعرض المرأة هنا لاختبار مختلف؛ فالمجتمع لا يكتفي بتقييم كفاءتها المهنية، وإنما يربط نجاحها أو فشلها بتصورات أخلاقية تحيط بها طوال الوقت. ومع توسع الجهاز الإداري في الستينيات، أصبحت الوظيفة الحكومية أحد أهم مسارات الصعود الاجتماعي وأصبحت المرأة العاملة جزءاً من نقاش عام حول دورها الجديد خارج المنزل. وصاحب دخول النساء إلى سوق العمل خلال تلك المرحلة جدل واسع حول الحدود المقبولة لاستقلال المرأة.
أما البيضاء فتطرح السؤال نفسه لكن في مساحة مختلفة. تدور الرواية في سياق اتسعت فيه حركة السفر والاحتكاك بالثقافات الأخرى، وبدأت صورة المرأة ترتبط بموقعها من الحداثة والتعليم والعلاقة مع الغرب. تتراجع الرقابة المباشرة التي عرفها الريف أو المؤسسة الحكومية وتحضر رقابة من نوع آخر تقوم على التصورات المسبقة والأفكار الجاهزة. تصبح المرأة موضوعاً للتفسير والتصنيف، ويتحول شكلها وطريقة حديثها واختياراتها إلى عناصر تدخل في إصدار الأحكام عليها.
تفسر النقدية النسوية هذه الظاهرة من خلال فكرة بسيطة ألا وهي الأحكام الأخلاقية التي لا تعمل بمعزل عن علاقات القوة داخل المجتمع. اهتمت سيمون دي بوفوار بتوضيح الكيفية التي تُعرَّف بها المرأة من خلال نظرة المجتمع إليها، بينما ركزت جوديث بتلر على أن الأدوار الاجتماعية المرتبطة بالنوع ليست ثابتة، وإنما يعاد إنتاجها باستمرار عبر اللغة والعادات والمؤسسات.[5] وعند وضع الروايات في سياقها التاريخي، فقد شهدت مصر بين الخمسينيات والسبعينيات تغيرات في التعليم والعمل والهجرة الداخلية واتساع المدن، وتغيرت معها أدوار النساء داخل الأسرة وسوق العمل. وضع هذا التغير المرأة في مواجهة أوضاع اجتماعية جديدة. وجاءت عدسة يوسف إدريس لتلتقط هذه اللحظة، فظهرت المرأة وهي تتحرك داخل مجتمع تتغير مؤسساته بسرعة بينما تتحرك كثير من أحكامه الأخلاقية بوتيرة أبطأ. ويلفت إدريس الانتباه إلى البيئة التي تصنع معنى الخطأ نفسه، وإلى اللغة التي يستخدمها المجتمع في وصف النساء، وإلى المسافة بين القاعدة الأخلاقية كما تُعلن، والطريقة التي تُطبق بها في الواقع.
الجسد… ساحة السلطة الأولى
اختلفت الروايات في المكان والزمان والتقت عند مساحة واحدة هي جسد المرأة. ظهر الجسد باعتباره نقطة تلتقي عندها السلطة الاجتماعية والأحكام الأخلاقية والعلاقات الاقتصادية. وكلما تغير المجتمع، تغيرت الطريقة التي ينظر بها إلى هذا الجسد، بينما بقيت وظيفته واحدة تقريبًا؛ مساحة تُمارس عليها الرقابة ويُقاس من خلالها مدى التزام المرأة بالصورة التي يرسمها لها المجتمع.
في الحرام، يرتبط الجسد بالعمل قبل أي شيء آخر. عزيزة فلاحة تعتمد على قوة جسدها في كسب رزقها، وتشارك الرجال في أعمال الحقل. هذه الصورة تعكس واقعًا عرفته شرائح واسعة من النساء الريفيات في الخمسينيات، حيث كانت النساء يمثلن جزءاً أساسياً من قوة العمل الزراعية، دون أن يصاحب ذلك اعتراف اجتماعي أو قانوني بحجم هذا الدور. وقد وثقت دراسات التاريخ الاجتماعي المصري مشاركة النساء في الاقتصاد الريفي، إلى جانب استمرار النظرة التي حصرت قيمتهن في الحفاظ على الشرف والأسرة أكثر من الاعتراف بعملهن المنتج. وعندما تتعرض عزيزة لأزمتها، يتراجع الحديث عن سنوات العمل والتعب، ويحتل الجسد موقعاً جديداً، فتبدأ الأسئلة المتعلقة بالحمل والسمعة والعقاب. في لحظات قليلة، ينتقل الجسد من كونه وسيلة للعيش إلى دليل تُبنى عليه الأحكام الاجتماعية.
وتظهر الصورة نفسها في العيب مع اختلاف البيئة. لم تعد البطلة تعمل في الأرض، وإنما داخل مكتب حكومي. تغيرت طبيعة العمل بينما بقي الجسد حاضرًا في تقييم المرأة. فالكفاءة المهنية لا تكفي وحدها، لأن المرأة تواجه نظرات تربط حضورها في مكان العمل بشكلها وطريقة تعاملها وحدود علاقتها بالرجال. ومع اتساع مشاركة النساء في الوظائف الحكومية خلال الستينيات، دخل الجسد إلى مساحة جديدة هي مساحة العمل العام. لم يعد محصوراً داخل البيت أو القرية وأصبح جزءًا من النقاش حول استقلال المرأة واختلاطها بالرجال وحدود حضورها في المجال العام. تعكس الرواية هذا التحول وتكشف كيف انتقلت الرقابة الاجتماعية إلى بيئة العمل مع استمرار المعايير الأخلاقية نفسها حتى وإن تغيرت الأدوات.
وفي البيضاء، يتسع معنى الجسد ويجاور أسئلة الهوية والثقافة والنظرة إلى الآخر. يحمل المظهر الخارجي وطريقة الحديث وأسلوب الحياة دلالات تتجاوز الفرد نفسه فتتحول المرأة إلى رمز يقرأ المجتمع من خلاله علاقته بالحداثة وبالعالم الخارجي وبصورته عن نفسه. شهدت مصر في السبعينيات بداية انفتاح اقتصادي وثقافي وازداد الاحتكاك بالمجتمعات الغربية وظهرت نقاشات حول أنماط الحياة والملبس والعلاقات الاجتماعية.
يكشف الانتقال بين الروايات الثلاث عن تغير في شكل الرقابة أكثر من تغير في وجودها. في الريف، تأتي الرقابة من الجماعة الصغيرة التي يعرف أفرادها بعضهم بعضاً. وفي المدينة، تمتد إلى المؤسسة وزملاء العمل. وفي الفضاء الأكثر انفتاحاً تتداخل مع الأفكار السائدة عن الهوية والثقافة. تتغير الجهات التي تراقب المرأة، بينما تستمر فكرة المراقبة نفسها، ويظل الجسد هو المساحة الأقرب لتطبيقها. اهتمت سوزان بوردو بدراسة العلاقة بين الجسد والسلطة، وأوضحت أن المجتمعات تفرض كثيرًا من قيمها من خلال التحكم في صورة الجسد وسلوكه.[6] كما ناقشت ساندرا بارتكي كيف تتحول الرقابة الاجتماعية إلى ممارسات يومية تؤثر في طريقة حركة المرأة وحديثها ووجودها في المجال العام.[7] يوسف إدريس لا يقدم الجسد باعتباره عنصرًا منفصلًا عن بقية عناصر الحياة. فالفقر يترك أثره عليه والعمل يرهقه والمؤسسة تراقبه والثقافة تمنحه معاني جديدة. وتصاحب الجسد دائماً كلمات مثل الشرف والسمعة والاحتشام والاحترام .هذه اللغة تصف المرأة وتحدد مكانها داخل المجتمع وتمنح الآخرين سلطة تقييمها.
كيف يصنع المجتمع صورة المرأة؟
تظهر المرأة داخل مجموعة من الكلمات والتوقعات التي تحدد صورتها أمام الآخرين. هذه الصورة تبدأ منذ الطفولة داخل الأسرة ثم تتشكل مع الزواج والعمل والعلاقات الاجتماعية. ومع الوقت، تتحول بعض الصفات إلى قواعد تبدو طبيعية: المرأة المحترمة لها سلوك معين، والمرأة الجيدة تؤدي دوراً معيناً، والمرأة التي تتجاوز هذه الحدود تواجه وصماً اجتماعياً. من المنظور النسوي، السلطة على المرأة لا تأتي في صورة أمر. أحيانًا تظهر في كلمة أو نظرة أو توقع اجتماعي أو خوف من كلام الناس. وتعمل كل هذه الوسائل معاً على تحديد ما تستطيع المرأة فعله وما ينبغي أن تفعله وما يجب عليها تجنبه.
في الحرام، يظهر هذا الأمر داخل المجتمع الريفي. عزيزة تعيش في بيئة تعرف فيها الجماعة تفاصيل حياة أفرادها. العلاقات الاجتماعية متداخلة، والسمعة مرتبطة بالأسرة كلها. لذلك يصبح سلوك المرأة شأناً عاماً بسرعة. جسدها، عملها، علاقتها بالآخرين، وحتى طريقة ظهورها أمام الناس، كلها أمور تدخل في تقييم الجماعة لها. وهنا علاقة بين الفقر والشرف. المرأة الفقيرة تحتاج إلى العمل حتى تعيش، والعمل نفسه يضعها في مساحات اجتماعية مختلفة ويجعلها أكثر عرضة للاحتكاك بالرجال. في الوقت نفسه، يحتفظ المجتمع بتوقعاته التقليدية حول سلوك المرأة. تعيش المرأة إذن بين حاجتين متعارضتين: حاجة اقتصادية تدفعها إلى الحركة، وقواعد اجتماعية تضع حدوداً لهذه الحركة.
في العيب، تنتقل هذه العملية إلى المدينة ومكان العمل. دخول المرأة إلى الوظيفة يغير موقعها الاجتماعي، ويمنحها مصدراً مستقلًا للدخل ومساحة أوسع للحركة. لكنه يضعها أمام مجموعة جديدة من التوقعات. الموظفة مطالبة بإثبات كفاءتها، وفي الوقت نفسه تظل صورتها كامرأة جزءاً من الحكم عليها. طبقاً لبناء يوسف إدريس للشخصية النسائية، فالعمل يمنح المرأة قدراً من الاستقلال، لكنه لا يلغي السلطة الاجتماعية. المرأة تدخل المجال العام وهي تحمل معها صورة اجتماعية تشكلت داخل الأسرة والمجتمع. زملاؤها ومديروها يتعاملون معها من خلال هذه الصورة، وهي نفسها قد تضطر إلى مراعاتها في قراراتها اليومية.
في البيضاء، يتعقد الأمر بسبب حضور الاختلاف الثقافي. المرأة تتحرك داخل عالم تتداخل فيه صور متعددة للأنوثة. هناك صورة المرأة المصرية وصورة المرأة الغربية وصورة المرأة الحديثة وكل واحدة منها تحمل توقعات مختلفة. يستخدم إدريس العلاقات بين الشخصيات للكشف عن الطريقة التي ينظر بها الناس إلى المرأة عندما تختلف عن الصورة المعتادة. وهنا المجتمع لا يكتفي بتحديد ما تفعله المرأة، وإنما يقدم لها صورة جاهزة عن المرأة التي ينبغي أن تكونها. تتعلم المرأة هذه الصورة من الأسرة والمدرسة والعمل والإعلام والعلاقات اليومية ثم تبدأ في التعامل معها باعتبارها جزءاً من حياتها. وهذا ما تسميه الكتابات النسوية التنشئة الجندرية؛ أي الطريقة التي يتعلم بها الأفراد الأدوار والتوقعات المرتبطة بكونهم رجالاً أو نساءً. ويمكن رؤية آثار هذه العملية في الروايات الثلاث رغم اختلاف البيئات. في الريف توجد صورة معينة للمرأة، وفي الوظيفة الحكومية تظهر صورة أخرى، وفي البيئة الأكثر انفتاحًا تظهر صورة ثالثة. تتغير التفاصيل، بينما يستمر المجتمع في وضع حدود لما يعتبره سلوكاً مناسباً للمرأة.
أيضاً، هذه الحدود لا تطبق بالطريقة نفسها على الرجال والنساء. الخطأ نفسه يمكن أن يحمل تكلفة اجتماعية مختلفة حسب جنس الشخص الذي ارتكبه. هذه المسألة تظهر في الحرام، حيث تتحمل المرأة العبء الأكبر من الحكم الأخلاقي بينما تتوزع مسؤولية الأحداث بين أطراف متعددة. وتظهر في العيب من خلال الطريقة التي تتعامل بها بيئة العمل مع المرأة، وفي البيضاء من خلال التوقعات المرتبطة بالعلاقات والجسد والهوية. يضع المجتمع قواعد أخلاقية للنساء والرجال لكنه قد يطبقها بصورة مختلفة. والمرأة تدفع ثمناً أكبر عندما تخرج عن الصورة المقبولة.
يمكن القول إن الروايات الثلاث تسجل تغيراً في شكل الأنوثة داخل المجتمع المصري. المرأة الريفية في الحرام ترتبط بالعمل والأسرة والشرف. المرأة العاملة في العيب ترتبط بالاستقلال والوظيفة والسمعة. والمرأة في البيضاء ترتبط أكثر بالحرية والاختلاف والعلاقة مع العالم. تكشف هذه الصور اتساع المجال الذي أصبحت المرأة تتحرك فيه خلال الفترة التي كتب فيها إدريس رواياته. ومع اتساع هذا المجال، تظهر مشكلة جديدة هي أنه كلما تحركت المرأة إلى مساحة جديدة، ظهرت حولها قواعد جديدة لتنظيم هذا التحرك. انتقلت الرقابة من القرية إلى مكان العمل، ثم إلى العلاقات الاجتماعية والثقافية.
خاتمة
على امتداد الحرام والعيب والبيضاء، تتغير المرأة بتغير المكان والطبقة والزمن. تتغير معها طبيعة العمل، وشكل العلاقات ومساحة الحركة وحتى اللغة التي يحكم بها المجتمع عليها. منح يوسف إدريس المرأة مساحة واسعة داخل رواياته ووضعها في قلب أسئلة الفقر والعمل والأخلاق والسلطة والحرية. وفي الوقت نفسه، ظلت هذه المرأة تصل إلى القارئ عبر عين الكاتب، عبر اللغة التي اختارها، والمواقف التي منحها لها، والأشياء التي قرر أن يقولها عنها أو يتركها صامتة. ربما تكمن أهمية قراءة إدريس اليوم في هذه المسافة نفسها. وهنا تظل بعض الأسئلة: ماذا كانت ستقول عزيزة لو امتلكت مساحة أكبر للكلام؟ كيف كانت ستروي بطلة العيب تجربتها لو أصبحت هي الراوية؟ وكيف كانت ستتغير البيضاء لو نظرنا إلى عالمها من عين المرأة نفسها؟ بعد كل هذه السنوات، هل تغيرت الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى المرأة أكثر مما تغيرت الطريقة التي تُكتب بها؟
[1] يوسف إدريس، “الحرام”، (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2018). الأصل منشور عام 1959.
[2] يوسف إدريس، “العيب”، (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2018). الأصل منشور عام 1962.
[3] يوسف إدريس، “البيضاء”، (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2019). الأصل منشور عام 1970.
[4] للمزيد عن أفكار هؤلاء الروّاد، اطلع على المصادر الآتية:
- Beauvoir, Simone de. “The Second Sex”, Translated by Constance Borde and Sheila Malovany-Chevallier, (New York: Alfred A. Knopf, 2010).
- Butler, Judith. “Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity”, (New York: Routledge, 1990).
- Friedan, Betty. “The Feminine Mystique”, (New York: W. W. Norton, 1963).
- Hooks, bell. “Feminist Theory: From Margin to Center”, (Boston: South End Press, 1984).
- Millett, Kate. “Sexual Politics”, (New York: Doubleday, 1970).
- Showalter, Elaine. “A Literature of Their Own: British Women Novelists from Brontë to Lessing”, (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1977).
- Wollstonecraft, Mary. “A Vindication of the Rights of Woman: With Strictures on Political and Moral Subjects”, (London: J. Johnson, 1792).
[5] Butler, Judith. “Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity”, Op. Cit.
[6] Bordo, Susan. “Unbearable Weight: Feminism, Western Culture, and the Body”, (Berkeley: University of California Press, 1993).
[7] Bartky, Sandra Lee. “Femininity and Domination: Studies in the Phenomenology of Oppression”, (New York: Routledge, 1990).
إعلان
