تأخذك إلى أعماق الفكر

مذكّرة: ولادةُ إنسان..

في 12 يناير الموافق للتقويم اليولياني، ذكرى القدِّيسة تاتيانا، يستيقظ إيفان بصعوبة مع صداع قاتل يجبره على إِبقاء عينيه مغمضتين، فارضًا عليه تحسُّس الأصوات المحيطة به فقط تفاديًا لأيِّ ألم يضيفه. لحظات بعدها، يستشعر يدًا ناعمة تُمسك بذراعه، استعدادًا لحقنة مورفين، والتي سرعان ما يبدو أثرها بنقصِ الصداع الذي يُعاني منه إيفان…

يفتح إيفان عينيه ببطء بعد الحقنة واجدًا نفسه في حضرة ثلاثة أطبّاء؛ وهم المختصّة صوفيا لوبانوف واثنين غيرها يقفون بمحاذاة سريره المحاصر بالآلات والأجهزة الطّبيّة التي تقيس معدّلات نبضه و تنفسه، يقابله تمًاما جهاز ذو تقنيّة البصريات الوراثيّة الذي لم يرَ مثله إيفان من قبل؛ حيث يُطيل النظر إليه مع بقيّة الأشياء المتواجدة في الغرفة، كأنّه طفل يُبصر النّور في لحظاته الأولى ولكنّه الصمت المطبقُ بدلًا من صرخة البكاء.

تتلفظ المختصّة صوفيا لوبانوفا:”مرحبًا سيد إيفان. أنا المختصّة صوفيا في أمراض الذاكرة ؛ وقد كنت المسؤولة عن علاجك بسبب الحادث الذي أصابك؛ فتَحَطُّم سيارتك سبّب لك إصابات بالغة في رأسك. ربما لا تتذكر الآن اسمك أو أي شيء على الإطلاق وذلك يعود لفقدان الذاكرة الرجعيّ الذي أصبحت تعاني منه”…

صدم كلام صوفيا الشاب إيفان البالغِ عقده الثالث؛ محاولًا استرجاع ذكريات سابقة، ذكريات البارحة والسنة الماضية، ذكريات اسمه ومنزله، ذكريات الحادث الذي تتحدث عنه هذه المرأة، لكن من غير فائدة؛ فلم يكن هناك أيُّ شيء؛ كل شيء في ذهنه كان عبارة عن غيمةٍ كبيرةٍ وضبابٍ كثيف يظهر في مخيّلته إذا حاول تذكُّر شيءٍ ما. كان إيفان قد خسر كل ذكرياته الماضية إلّا مهارات القراءة والكتابة؛ مما سبب له فزعًا لحالته تلك؛ يُمرِّرُ يديه على وجهه ويضغط على نفسه علَّه يكون مجرّد حلم سيء، يزيد في ضغطه ويقطع التنفس عن جسدهِ لكي يستيقظ من الحلم لكن لا شيء؛ فلا زالت صوفيا واقفةً أمامه تنظر إليه بتعابيرٍ توحي بأنّها تَـحسُّ بألمه ومعاناته، حينها بدأت دموعه بالانهمار وتسارعت دقات قلبه؛ كان إيفان يبكي على ماضيه رَغم أنّه لم يعرف هل كان يُمثّل شيئًا جميلًا أم فقدان ذاكرته أفضل من العذابات التي حملها ماضيهِ له؟ رأى إيفان أنّ هويّته فيما عاشه وفقدانه أسوأ، برغم سعادته أو تعاسته سابقًا… فيحاول أن يلتمس أملًا؛ فيخاطب المختصّة صوفيا:”هل هناك فرصة أستعيدُ بها ذاكرتي؟”
تُجيب المختصّة المسؤولة عن قسم الأبحاث للذاكرة في جامعة موسكو الحكوميّة:”بقدر ما أُحبُّ أن يكون هناك أملًا؛ لكن للأسف لا يوجد”…
يسكت إيفان وهو يشعُر بالكلمات التي نزلت كالصّاعقة على صدره؛ فقد شعر بإحساس يفوق لوعة من يفقد عائلته، ويفوق إحساس من يخسر كل شيء عدا نفسه، أمّا هو
 فقد خسر نفسه وعائلته وكلّ شيء يربطه بالعالم في لحظة الحادث الذي لا يذكرهُ أصلًا… تتقدّم نحوه الطبيبة لتقدِّم له حقنة تساعده على النّوم، ثم تنصرِف ومن معها حتى يرتاح مريضها قليلًا.

تمرُّ بضعة دقائق، يستيقظ إيفان مباشرةً على ضرورة الذهاب للحمّام، ممّا دفعه للوقوف حتّى يدخل حمّام الغرفة فيتبوّل بغزارة، وما أن ينتهي مستديرًا عائدًا إلى سريره، لاحظ قصاصة صغيرة معلّقة في الجهة الخلفيّة لباب الحمام، يقوم بالتقاطها ؛ فإذ بها بعض الجمل المكتوبة، يُحاول إيفان قراءتها بصعوبة مع الصداع الذي يعاني منه إلّا أنّه تمكّن من ذلك، “إذا أردت استعادة ذاكرتك، عليك اتّباع تعليماتي يا سيد إيفان. قم بالبحث تحت بطانيّة سريرك”.

إعلان

َيستغرب إيفان من الرسالة التي أمامهُ، وتتساقط الأسئلة في نفسه من كلّ جانب “من كتب الرسالة؟ وكيف علم أنّني سأكون في هذا المكان؟ بل كيف علم أنّي سأدخلُ الحمام!”… وبقدر ما أراد إيفان العودة لسريره لعلّه يستيقظ من هذا الحلم الفظيع الذي يراه، إلّا أنّ صدى كلمات الدكتورة صوفيا لا زال يرنُّ في أذُنه  ويعتصر قلبه.. ” للأسف لا “.. قالت صوفيا ..
يتّجه إيفان نحو سريره و يقوم بقلبه، فيجد تحته خريطة لمدينة موسكو مع قصاصة ثانية كُتب عليها:”اسمك مسجّلٌ في زيارةٍ للميتم رقم 48، كُن هناك بعد نصف ساعة”…

يفتح إيفان الخريطة التي كانت تحتوي على أربع علامات إكس في مناطق مختلفة من المدينة مع أربع علامات إكس أصغر منها، حيث كانت كلُّ علامة إكس صغيرة في نفس منطقة الإكس الكبيرة مع مسافةٍ فاصلة، ثمّ دائرة تُمثّل منطقةً خامسة كانت نقطة الإنطلاق؛ من جامعة موسكو الحكوميّة التي يتواجد فيها إيفان.

راح إيفان يُفكّر في كلام لوفانوفا والقصاصة التي وعدته باستعادة ذاكرته، بين العدم والأمل ولو كان كذبًا. يُفكّر بصوت عالٍ: “إنّ اسوأ ما قد يحدث لي هو الموت وحتّى هذا ليس ببشاعة الشعور بالضّياع”.
يخرج إيفان ببطء يُريد التّخفّي حتى لا يَتِمّ ضبطُه، لكنّه يُفاجئُ بأنّ الأروقة كلّها فارغة، لا أحد فيها. يبدأُ في فتح بعض الغرف في طريقه لكن كالمتوقّع تمامًا لا تواجد لأحدهم… يَرفع رأسه ليُبصر أسهُمًا حمراء كبيرة مرسومة على الجدران تدلّه على مخرج المركز؛ فيزيده ذلك تشويشًا وإحباطًا، فيتساءل:
” أين ذهب الجميع؟ .. أين المختصّة لوبانوفا؟ .. هل يُعقل أنّ صاحب القصاصة دبّر كلّ هذا؟”.

خالجَت الأسئلة ذهن الشابِّ الروسيّ، لكنّه استمرّ برغم الغموض الذي بدا لا تُفهم تفاصيله. يستمرُّ في متابعة الأسهم الحمراء وصولًا للمخرج الذي كان عنده شيء من الملابس الجديدة حتّى يستبدل بها إيفان رداء التمريض. يقوم الشابّ الروسيّ بارتدائها سريعًا ويخرج للشارع المقابل للجامعة الحكوميّة مُمسكًا الخريطة بيده ومركزًا على الطريق، على أمل إِيجاد سيّارة تُقلّهُ للميتم 48 سريعًا، الأمر الذي لم يدم طويلًا؛ حيث توقّفت سيارة أجرة وحدها لمّا رأى السائق حالة إيفان ولِما يظهر عليه من حالة الضياع والتفتيش عن شيءٍ ما، يصعد إيفان سريعًا ويُخبر السائق بوجهته للميتم 48؛ لكنّ السائق راح يبحث عن مزيدٍ من التفاصيل إشباعًا لفضوله حول الغرابة التي تكسو هذا الشاب؛ فيسأل السّائق:”هل يمكنني أن أعرف سبب ذهابك إلى هناك؟”…

لم يفكر إيفان طويلًا؛ فبعد ما شاهده من السيناريو الغريب في المركز لم يستبعد احتمال أن هذا الشخص أيضًا ضمن خطّة صاحب القصاصة، إلّا أنّه درس احتماله هذا بأن تكون ردّة فعله أن يستجيب لسؤال السائق حتى يستلَّ بعض المعلومات أو يكون هذا الشخص دعامة لقصّته في حالة حدوث شيءٍ له، ممّا جعله يُرجِّح خيار أن يشرح للسائق حالته وما جرى له حتّى نُقطته هذه.

بعد سماع قصة الشابّ الروسيّ كاملة، قرّر السائق مساعدته في باقي يومه كاملًا معتبرهُ واجبًا إنسانيًّا تجاهه، مِمّا جعل إيفان يشتبه فيه أكثر ويزيد من قوّة احتماله بأنّ توقفه له لم يكن محض صدفة أبدًا. إلّا أنّه أراد مسايرته عسى أن يكشف له عن بعض التفاصيل المهمّة التي يحتاجها.

استغرق الوصول للميتم 48 خمس دقائق، وخلال الرحلة القصيرة كاملة كان إيفان مشدود البال مندهشًا من تعاليم مدينة موسكو، كطفل صغير يُسجّل معلوماته الأولى في الحياة من جديد، بأنف ملتصق بزجاج السيّارة وفمٍ مفتوح من الانبهار خصوصًا حديقة مكسيم غوركي (1928) للثقافة والراحة، على نهر موسكفا بجانب حديقة نيسكوتشني، فقد كانت أجمل شيء يراه إيفان منذ بداية يومه هذا، كانت ذكرياته الجميلة الأولى التي يصنعها بعد الحادث، وفجأة ينكسر تأمل الشاب الروسي بتوقّف أندريه سائق السيّارة، ومن غير أيّ كلمة، يترجّل إيفان وهو يتابع اللّوحة المعلّقة على باب الميتم المرسوم فيها عبارة “الميتم 48″، وينظر في خريطته ليتأكّد من صحة الموقع.

 يتقدّم نحو باب الميتم 48 بخطوات تُوحي بشخصية تملك كاريزما مؤثّرة، إيفان صاحب اللّحية الكثّة، لحية الشيوعيّين أتباع ماركس، وعيون الدّهاء، عيون مكيافللي، وأنف فولتيير، وقامة ألكسندر بوشكين؛ حيث تلاحظه المشرفة على الميتم الآنسة الحسناء بولشاريا، مخاطبةً إياه: “يبدو أنّك السيّد إيفان أيها المحترم، لقد كنّا بانتظارك، هيّا لأُريك فوجك المسؤول عنه”، بدأ الشابّ الروسيّ يفقد صوابهُ، كيف أنّ الجميع يعرفه وهو لم يعرف اسمه إلّا صباح اليوم، فيسأل المشرفة بولشاريا بنبرة صوت مرتفعة وبلكنة حادّة، لكنَةُ سكّان سانت بطرسبورغ:”من أعلمك أنّني سأكون هنا؟”
“وصلتنا البارحة رسالة من مصدر مجهول قال أنّه لا يريد البحث عن الشهرة في إحسانه للميتم وأنّه سيُرسلك، من غير معلومات إضافيّة “، ثمّ أضافت المشرفة:”وقد طلب منّي إعطاءك هذه الرسالة”… والمكتوب فيها:”لا تطّرح الأسئلة ونفّذ الأوامر، إذا كُنت تريد استعادة ذاكرتك”. 

يقوم إيفان بتمزيقها بغضبٍ بعد قراءتها، ولأنّه علم الآن أنّه لا جدوى من طرح المزيد من الأسئلة، يأمر المشرفة بولشاريا بتوجيهه إلى العمل الذي ينتظره، فتشرح له أنّ اليوم مخصّصٌ لزيارة الأطفال والتسلية معهم ومؤانستهم، بعد نشر إعلان لمن يريد من أهل الإحسان التبرّع بوقته لهؤلاء الملائكة. يتقدم بعدها إيفان للسّاحة المخصّصة للتسلية فيجد طفلين صغيرين بانتظاره، الأوّل نيكيتا من أصول إفريقية داكن اللون عمره 6 سنوات، والآخر ميخائيل روسيّ الأصل لكنُّه كان مقعدًا لا يستطيع المشي وعمره 9 سنوات.

بدأت عمليّة التعرّف في الساحة الخضراء للميتم 48، حيث في بداية الأمر كان إيفان يرى أنّ هذا مضيعة للوقت، وأنّ صاحب القصاصة يتلاعب به، لكن سرعان ما تلاشى شعوره هذا، حينما بدأَ الشابّ الروسيّ يستمع لرفيقيه الصغيرين، وهو يتابع كلامهما ويتفاعل معه، فقد كان نيكيتا محبًّا لقراءة الكتب القليلة التي يملِكُها الميتم، وراح يَشرح ويلوّح بيديه السوداوين ويمرّر الأفكار التي أعجبته ونالت استحسانهُ، حيث قال نيكيتا:”لديّ أسئلة كثيرة عن دستويفسكي. انتظر الوقت الذي سأبلغ فيه الثانويّة حتى استطيع الظفر ببعض الإجابات”.

ظلّ إيفان مبتسمًا طوال الوقت من نيكيتا الأسود وكيف أنّه يملك روحًا رائعة ومحبّة للبحث والفكر، بل وقد أضاف نيكيتا معلومات جديدة لذهن إيفان كونه فقد ذكرياته كلّها، وكلّ أفكاره الشيوعيّة التي صقلها عبر سنينه الثلاثين، ممّا جعله يدخل في حوار ماتع مع المفكّر الصّغير، يتعرّف فيه إيفان على العالم من خلاله، الشيء ذاته الذي لم يكن أقلّ حالًا مع ميخائيل المُقعد، الذي كان مهتمُا بشدّة في المسائل التاريخيّة وبالرياضة، حيث راح يَسير بدولاب كرسيّه وهو يتحدث عن برج شوخاريف و كاتدرائيّة كازان، و كاتدرائيّة المسيح المخلّص التي هُدِمت في عهد ستالين، يتحدّث ببراعة تُزيّنها براءة الطّفل الصغير، يبعث ذلك أحاسيس الانبهار والإعجاب والحبّ في قلب الشيوعيّ إيفان، بل ويبتسم أكثر حينما يصف ميخائيل حادثة تهديم الكاتدرائيّة: “أنّه عمل مشين، وأنّه عملُ من لا ذوق له”، فيزيد إيفان في إرواء فضوله مع هاذين الصغيرين اللذين نالا إعجابه وتوقيره، يقول إيفان لميخائيل:”ماذا تُحب أيضًا؟”
يردّ ميخائيل: “أنا مشجّع ليوفنتوس، لذا كتبت إلى فابيو كانافارو، و طلبت منه أن يستمر في اللّعب أو التدريب، وألّا يعتزل”

بدأ الشاب (الشيوعيّ سابقًا) يكتشف العالم الجميل الذي يملكانه هاذين الطفلين، فقد جعلاه يشعر بالحنين إلى الطفولة، بالسعادة التي تتغلّب على الظروف والمعيقات، بل وتجعل منها قطعة أجمل في لوحة ما، فمن مثل نيكيتا يتحدّث عن دستويفسكي، ومن مثل ميخائيل يتحدّث عن الذوق والفن، تلك الكلمات حرّكت وتر الحبّ في قلب إيفان مع البراءة التي تكسو الصغيرين، فقد كانت تلك اللحظات التي عاشها في الميتم هي السعادة الأولى التي شعر بها بعد فقدان مخزونه ذكرياتهِ. يرنُّ جرس خفيف من الميتم مُعلنًا عن نهاية اللّقاء، تاركًا إيفان يتحسّر على عدم سنوح وقت أكثر ليقضيه مع نيكيتا وميخائيل، لكنّه وعدهما بالعودة.

يخرج إيفان مسرعًا حتى يستطيع إدراك المحطّة التالية من المواقع المتوفّرة على خريطة مدينة موسكو، يُدقِّقُ في علامة الإكس القريبة من الميتم 48، حيث ينتهي تتبّعه وبحثه عند صندوق بريد من طراز قديم، أزرق اللّون، عليه شعار الشيوعيّة بلون أحمر، يفتحه إيفان فإذ به ورقتين هذه المرّة، واحدة ظاهرٌ عليها أنها مقصوصة من كرّاسة، والثانية شَكلُها مناسب ولا تعطي نفس الانطباع.

كُتب في الورقة الأولى:”أنا أكره الإنسان الأسود، هم تشويه حصلَ للبشريّة  ويجب أن يزول، أنا أكره المعوّقين فهم لا فائدة منهم إلّا أن نستعملهم كفئران تجارب”. شعر إيفان بالاشمئزاز من هاتين العبارتين وسخر من قائلهما:”صاحب القصاصة الغبيّ” وهو يتذكّر لحظاته مع نيكيتا وميخائيل. أمّا الورقة الثانية فكُتب فيها:”محطّتك القادمة هي كاتدرائيّة القدّيس باسيل، المعروفة بقِبابُها ذات الشكل البصليّ، إلتحق بالوفد ذوي القمصان البيض العابر من تلك المنطقة، فقد وضعت لك قميصًا”.ا

ينظر إيفان مجدّدًا داخل الصندوق، فإذا بقميص أبيض حقًا، يرتديه سريعًا ويتّجه نحو السائق ندريه متوجّهًا لكاتدرائيّة القديس باسيل، يُوقفه أندريه حين وصوله للسيّارة مستغربًا من الرمز الموجود على قميصه، فقد فطن أندريه أنّ الرمز المتوفر على القميص كان تابعًا لجماعة قديمة معروفة باسم زملاء بيتراشيفسكي التي بسببها تم إقصاء دستويفسكي إلى سيبيريا أربع سنوات، بعد أن تم التنازل عن قرار إعدامهم، لكن إيفان لا يعطي للسائق أيّ فرصة للحديث معتبرًا أنّه مازال في حكم المشتبه به عنده، وهو الأمر الذي لم يغفل عنه أندريه.

بيدَ أنّ استعجال إيفان للوصول إلى كاتدرائيّة القدّيس باسيل لم يمنعه من الاستمتاع مجدّدًا بمدينة موسكو الجميلة، فأنفه لازال ملتصقًا بزجاج النافذة وفمه مفتوح بشكل أوسع عن سابقه، يُسجّل ذكرياته الجديدة، ويستعيد ماضيه القصير الذي بناه قبل ساعات فقط، مع صوفيا لوبانوفا، مع أندريه، مع نيكيتا وميخائيل، مع بولشاريا، والأهم مع صاحب اللُّعبة.

يصل الشابّ الروسيّ في الوقت المناسب مع مرور الوفد، فيترجّل مهرولًا نحو الجموع التي تسير، وينضمُّ إليهم محاولًا أن يفهم سبب هذه المسيرة، والجموع المتحرّكة بلون واحدٍ متناسقٍ يمثّل الوِحدة، وفي خضمِّ تقليب رأسه بحثًا عن دليل يّحلُّ لغزه، يلتفت بذهنه الى اللافتات المحمولة فوق السّواعد، سواعد الرجال والنّساء، لافتات تقول:”نحن ضد هدم المعالم التاريخيّة في مدينة موسكو وفي أي مدينة” لقد كانت المسيرة بالقرب من كاتدرائيّة القديس باسيل حتّى تحاول منع السلطات من تدميرها، كونها تُمثّل هُويّةً للمدينة وسكّانها من قبل، وللمسيحيِّين بشكلٍ خاص، فقد قامت السلطات بهدم معالمَ تاريخيّة ذات قيمة كبيرة كفندق موسكفا عام(1930)، ومتجر فوينتروج عام (1913)، وبرج شوخاريف، ممّا جعل إيفان يشعر بالتعاطف معهم، حيث كانت قضيّتهم أنّ التاريخ يُمثّل الهويّة ولا يمكن إزالته تحت أيّ ظرفٍ وإلّا زالت معه الهويّة. الشعور الذي تفهمَهُ إيفان تمامًا لأنّه فــقَد هُويّته حينما فقد تاريخه وماضيه السابق، ممّا جعله مؤيّدًا و مناصرًا لقضيتهم، فأخذ يردّد معهم بصوت واحد، يُردّدُ عبارة نيتشه من كتابه ما وراء الخير والشرّ:

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: صيقع سيف الإسلام

تدقيق لغوي: فاطمة الملاح

الصورة: gettyimages

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.