تأخذك إلى أعماق الفكر

هل يغير الحسد الواقع؟

الدين غاصّ وملآن بأمور شتّى، منها ما يصل إلى حدّ اليقين والاعتقاد التي يكفر المسلم بإنكارها، ومنها ما هو عاديّ حيث يكون لدى كلّ شخص إيمان خاصّ به عنه واعتقاد، سواء كان هذا الاعتقاد مبنيّ على تجربته الشخصية أم على عاداته وتقاليده، ومن هذه الأمور موضوع الحسد..

ودائما ما ترتبط هذه الكلمة بمشاعر الكره والنّفور والخفاء عن الناس، حتى أصبحت العقيدةَ الراسخة المنتشرة، خصوصًا في المجتمعات التي تقلّ بها الثقافة العقلية السليمة، أنّ صاحب الموهبة وصاحب الفضل في شيء عليه أن يختفي عن أعين الناس وأن يخافهم حتى لا يقع في دائره حسدهم فتزول عنه هذه النعمة وهذا الفضل، وكأنّ الحسد يستطيع أن يغيّر العالم، أو بعبارة صادقة لكنها لا تقال من هؤلاء استحياء: وكأنّ الحسد بات يتحكم في مقاليد الأمور، حاشا لله عن قولنا هذا.

تعريف الحسد

الحسد في أبسط تعاريفه هو تمنّي زوال النعمة عن الغير، فهو شعور عاطفي بتمنّي زوال قوة أو إنجاز، ملك أو ميزة من شخص آخر والحصول عليها، وهو بخلاف الغبطة فإنها تمنّي مثلها من غير حبّ زوالها عن الآخرين. فالحسد مرض وحقد شديد في قلب الحاسد تجاه المحسود، ويظنّ البعض أنّ هذا الشعور وتلك النظره الحسودة ستؤدي حتمًا إلى هلاك المحسود.

علاقة السبب بالمسبب:

في البداية نريد أن نوضّح شيئًا مهمًّا، وهو أنّ تحديد السّبب والمسبِّب أمر معقّد جدًّا، لا نستطيع أن نحدّده بسهولة، فلا نستطيع أن نقول أنّ هذا الإنسان مات بسبب مرَضه، فلو كان ذلك صحيحًا، فكم من مريض مرِض بشدّة حتى ظنّنا أنّ نهايته قد حانت ثمّ قام من على سرير الموت وعاش سنينًا وسنينًا، وكم من صحيحٍ ظنّنا أنه معمّر ثمّ مات من غير علّة ولا مرض، فالأصحّ أنّ الأسباب التي نختلقها حول هذه الأمور، ما هي إلا أوهام نوهم بها أنفسنا حتى نعزّيها فيما فقدناه، ناسين أنّ هذا المريض قد مات لأنّ عمره في هذه الحياة قد انتهى، وأنّ السبب الحقيقي لموته ليس المرض وإنّما هو قضاء الله بانتهاء أجله،.فالحقيقة أنّ هذا المريض لم يمت لأنّ قلبه توقّف عن النبض، بل إنّ قلبه توقّف عن النّبض لأنّه مات.. ويتركنا هذا نتساءل: هل يتسبّب الحسد في تغيير الواقع؟

الحسد في القرآن الكريم:

ذُكِر الحسد في القرآن الكريم صراحة في أربعة مواضع:
قال الله تعالى في سوره البقرة (ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّارًا حسدًا من عند أنفسهم) فهل استطاع أهل الكتاب أن يردّوا المسلمين عن دينهم بهذا الحسد!

إعلان

وقال تعالى في سوره النساء (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد ءاتينا ءال ابراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكًا عظيمًا) فهل استطاع هؤلاء رغم حسدهم أن يزيلوا النعمة التي أعطاها الله لإبراهيم.

وقال تعالى في سورة الفتح (سيقول المخلّفون إذا انطلقتم اإلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتّبعكم يريدون أن يبدّلوا كلام الله، قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانو لا يفقهون الا قليلًا) وهذه الآية أيضًا لا تذكر أنّ الحسد يغيّر الواقع.

نأتي إلى الآيات المشهورة والتي تسبّب مشكلة عند النّاس، وهي آيات سورتَي المعوّذتين التي تبرهن على شرّ الحاسد، وأنّهما منجيتان من هذا الشرّ، كيف نتعامل معهما بصورة عقلية دينية مثقفة؟ وهذه صورة شخصية حول تفسير الحسد صواب بالنسبة إليّ ولكن ليست بالضرورة صواب بالنسبة للقارئ، ولكن علينا أن نفتح عقولنا لنكتشف الحقائق سويًا حتى لا يقال أنّ ديننا يدعوا إلى الخرافات..

وصراحة، المتأمّل في هذه الآيات يجد أنّها فقط جاءت لطمأنة القلوب التي تهاب الحسد، فالحسد كان أمرًا موجودًا وراسخًا عند الناس حتى قبل أن يُبعث النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، والله تعالى عندما يخاطب عباده فإنّه يراعي جميع المستويات الإيمانية المختلفة، فهناك من هو ذو إيمان بالله قويّ لا يعبأ بالموروثات والتقاليد فخاطبه الله في سورة الحديد قائلًا: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إنّ ذلك على الله يسير)، وذكر في الآية التي تليها مباشرة سبب ذلك (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ءاتاكم) فكلّ شيء مقدّر عنده تعالى، وما يحدث من مصائب تصادف حسد حاسد، فما هي إلا مصادفات يرتّبها ويغذيها في عقولنا الشيطان، حتى ننسى أنّ المسبّب هو الله، ونعتقد أنّ المسبّب هو الحسد..

هذا الخطاب هنا حينما يسمعه الشخص ذو الايمان الكبير والهمه العاليه، سيسير في الارض ضاربا بحسد الحاسدين عرض الحائط، لأنه مطمئن أنّ كلّ شيء من الله، ولكن هناك فئة ضعيفة الإيمان قليلًا، ستقول: نعم، لقد طمأننا الله من أنّ الحسد لا يغيّر شيئًا، ولكننا ما زلنا متشككين. لأنهم محكمون بتقاليدهم وأعرافهم، والحسد معروف وموجود قبل أن يأتي الإسلام، وهنا أراد الله أن يطمئن هؤلاء أيضًا، وكأنه يقول لهم إذا كنتم تعتقدون بأنّ الحسد يغيّر شيئًا من قضائي وتخافون من الحسد، فاقرأوا المعوّذتين وحينها لن يصيبكم الحسد.. فالموضوع هنا للطمأنينة النفسية فقط، وليس لأنّ الحسد يغيّر الواقع، وهذا شيء مثبت حتى عند علماء التنمية البشرية، بأنّ الشخص إذا كان يفكّر في الأمر الإيجابي ويوهم نفسه بالإيجابية فسيجد الأمور إيجابية، وإذا فكّر بسلبية فسيجد الأمور سلبية، إلا إذا طمأن نفسه بشيء ما كقراءة المعوّذتين..

وهذا الفهم لآيات المعوذتين قد استنبطته بالقياس على آيات سورة الذاريات، فبعد أن ذكر الله صفات المؤمنين قال (وفي السماء رزقكم وما توعدون)، هنا سيضرب الشخص ذو الإيمان العالي في الأرض طولًا وعرضًا، مؤمنًا بأنّ الرزق من عند الله، ولن يذلّ نفسه لأحد، ولن ينافق أو يداهن، أمّا الشخص الضعيف الإيمان فسيبدأ بالتذمّر قائلًا: نعم، أعلم أنّ الرزق من عند الله ولكن أرى أنّ الواقع يفرض علينا أن نداهن وننافق و و و… حتى نحصل على الرزق من عند الغير، وحتى يُطمئِن الله هؤلاء الضعفاء أقسم بعدها مباشره قائلًا (فوربّ السماء والأرض إنّه لحقّ مثل ما أنكم تنطقون)، فالله ليس بحاجة للقسم، ولكنه يعلم أنّ هناك ضعاف الإيمان، لن يستريحوا حتى يطمئنوا بالقسم، ومن عادة الناس في كلّ زمان أنهم يوهمون أنفسهم بتصديق الذي يحلف، حتى ولو كان يعلم منه الكذب قبل ذلك، ففي لغتنا الدارجة يقول العامّيّ: (احلف!).. ولذلك خاطبهم الله بما يفهمون.

متى يستطيع الحاسد أن يؤذي المحسود:

والواضح أنّ الحاسد لا يستطيع أن يؤذي المحسود فقط بمشاعر الكراهية والبغضاء التي يكنّها في قلبه للمحسود، ولكن يستطيع أن يؤذيه إذا زاد هذا الحسد في قلبه بحيث دفعه إلى ارتكاب فعل مادّيّ ملموس يؤذي به المحسود، ولو تأملنا لما حدث مع أبينا آدم فقد حسده إبليس ولكن هذا الحسد لم يُخرج آدم من الجنة إلا عندما خرج من كونه شعورًا في القلب إلى فعل مادّيّ ملموس، فذهب إليه ووسوس له. وكذلك قابيل حينما حسد هابيل لم يستطع أذيته إلا بعدما تربّص به وقتله، وحتى آيات المعوذتين نفسها تبرهن ذلك؛ فتجد الله سبحانه لم يستعِذ من الحسد نفسه بل (ومن شرّ حاسد إذا حسد)، فالمشكلة هنا في الشرّ الذي من الممكن أن يحدث إذا تعدّى الحسد كونه شعورًا في القلب إلى فعل مادّيّ ملموس..

هذا عن موضوع الحسد. على أنّ هناك من يفرّق بين الحسد وبين العين وربما نفرد لهذا الموضوع مقالًا آخر، على أنّ الاثنين واحد ولا يفترقان إلا في معتقداتنا نحن الخاطئة.

ولو أن الحسد سغير الواقع لكان هناك في كلّ جيش فرقة خاصّة بالحسّاد، ولاستطعنا أن نهزم الدّول من دون أسلحة أو دمار، فقط بالحسد، ولكانت موهبة يتسارع الناس إلى تعلّمها..

قال الله تعالى في شأن السحرة أنفسهم (وماهم بضارّين به من أحد إلا بإذن الله)، فكيف بكلمات تخرج من الفم لا تحمل سلاحًا ولا سيفًا أن تضرّ؟!

فالحسد لا يغيّر الواقع، والحسد لا يتدخّل في قضاء الله، وإنّما هو مجرّد مرض وضعف في الأمة، ولذلك حذّرنا الرسول منه، ولعلّ أبلغ الحكم التي قيلت فيه:

(الأنانية تولد الحسد، والحسد يولد البغضاء، والبغضاء تولد الاختلاف، والاختلاف يولد الفرقة، والفرقة تولّد الضعف، والضعف يولد الذلّ والذلّ يولد زوال الدولة وزوال النعمة وهلاك الأمة)

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.