تأخذك إلى أعماق الفكر

نظرية التطور بين بحرنا وبحرهم وبحر قزوين

في صغري كانت تعجبني سمكة موسى كثيرًا، ليس مذاقًا فقط وإنما شكلًا أيضًا. فمظهرها الوقور من جهةٍ وكونها عارية تمامًا من الجهة الأخرى كان يوحي لي بالتأمّل، فهي لها جلدٌ رقيقٌ لونه رماديّ ولكن من ناحية واحدة، والناحية الأخرى هي بيضاء شاهقة وعظامها نافرة، وكأنّ أحدهم قد شقّها لنصفين..

بعد تطوّع من أحد قريباتي بالشرح وإيضاح أنّ سمكة موسى هي السمكة التي شُقّت لنصفين حين شقّ موسى عليه السلام البحر الأحمر، انبهرتُ بها أكثر، صراحة.. ووجدت لسنين طويلة أنّ هذا التفسير كان شافيًا ووافيًا لإيضاح ماهية تلك السمكة التي تبدو وكأنها نصف سمكة..

وظلّ ذلك تصوري حتى لفت انتباهي أنّ لسمكة موسى عينان اثنتان متجاورتان في جهة واحدة من رأسها، وهنا بدأت النظرية المُوسوية في التداعي والسقوط من اعتباري، فلو كانت شُقّت لنصفين لكان يجب أن يكون لها عين واحدة من جهة واحدة، حتى تكتمل المعجزة، وإنما عينان اثنتان متجاورتان! قلت في نفسي “There is something fishy going on”

سمكة من الأسماك المفلطحة التي تنتمي لنوعها سمكة موسى

كانت هذه إرهاصاتي الطفولية عن نظرية التطور الموسوية التي تشكّلت في ذهني لتبرير غرابة شكل سمكةٍ تُباع في أسواقنا، إنما نحن الآن نعرف أنّ الأسماك هي أول الفقاريات على الإطلاق، أي أنّها هي أصل الكائنات الفقرية، وبدأ ظهورها أواخر العصر الأردوفيسي يعني من حوال 440 مليون سنة.

أما بالنّسبة لسمكة موسى فهي ليست دليلًا على معجزة موسى وإنما ببساطة هي دليل دامغ على نظرية التطور، فهي من الأسماك المفلطحة Flatfish التي هبطت لأسباب تطوّرية لقاع البحر، فتعلّمت وسيلة الاختباء في الرمال ولذلك نجد أنّ جلدها يتغيّر بلون رمال القاع الذي تعيش فيه، وبناءً على قواعد الانتخاب الطبيعيّ وفكرة البقاء للأصلح والأقدر على التأقلم مع عوامل البيئة، نجت وتكاثرت أكثر الأسماك قدرةً على الاختباء والتخفّي تحت الرمال، ولأنها تعوم في القاع بشكل ملاصق للرمال من جهة واحدة من جسدها، اختفى جلدها من تلك الجهة لأنه تطوّريًا لم يكن ضروريًّا للبقاء وساعد الانتقاء الطبيعي أيضًا على مهاجرة عينها التي تنظر ناحية الرمال إلى أعلى بحيث جاورت عينها الأخرى وانبعج بذلك شكل رأسها..(المصدر: مقال علمي عن تطور الأسماك المفلطحة)

إعلان

مراحل تطور السمك المفلطح، مهاجرة عين واحدة من الجهة السفلية للجهة العلوية

ومن الطريف أنني قد قرأت في مقال إسلامي أنها نزلت إلى القاع لتداوي جرحها بكبسِ شقّها المجروح في الرمال، تمامًا كما كان يكبس العرب الجرح بالتراب، وفي ذلك إعجاز علميّ على حدّ تصوّر كاتب ذلك المقال، والسؤال هنا لمن يصرّ أنها سمكة مشطورة لنصفين، كيف تناسلت بعد أن شقّها لنصفين؟ بنصف عضو تناسليّ؟! ما علينا من ذلك.

نرجع للعلم، هذا النمط من التطوّر حدث لعدة أسماك مفلطحة بخلاف سمكة موسى ومنها الهلبوت.. وهنا يبادرنا السؤال، كم من الأعوام تطلب الأمر لحدوث هذا التطور؟ هذا التطور تطلّب أكثر من 50 مليون عامًا، عرفنا ذلك في 2008 حين وجد العلماء حفرية لسمكة مفلطحة Amphistium عمرها حوالي 50 مليون عام وعينها السفلية في منتصف مسافة المهاجرة لتجاور عينها العلوية. أما نبيّ الله موسى فطبقًا للتوراة متى كان مولده؟ كان منذ حوالي 3500 سنة، يعني الرحلة التطورية لتلك السمكة سبقت النبوة بملايين السنين.

الجانب الأيمن والجانب الأيسر لحفرية Amphistium يبدو منه أن العين في الناحية اليمنى قد تزحزحت من مكانها لأعلى الرأس

والآن تخيّلوا معي لو كان بإمكاننا أن نجلب سمك الحفش أو Sturgeon الذي يستوطن في بحر قزوين إلى مصر، وسمك الحفش يعني الكافيار، الذهب الأسود الحقيقيّ، كنّا ربّما حللنا المشاكل الاقتصادية لمعظم الصيادين المصريين. وبالطبع ليس بإمكاننا فعل ذلك، لأنه حتى لو عاش الحفش في الأنفوشي، فلن نجني منه أيّ شيء، لأنّ سمك الحفش يعيش في بحر قزوين فقط وليس كلّ البحار، وفقط في المنطقة الشمالية على سواحل روسيا، هذا الحفش وحده هو القادر على إنتاج الكافيار بالجودة المعروفة بها روسيا. صحيح أنّ بحر قزوين مقتطع عن طريق الحركات الكبرى للصفحات التكتونية من البحر الأبيض المتوسط إلا أنّ مياهه ثلث ملوحة مياه البحر العادية، لأنّه مصبّ ل130 نهر منهم 4 أنهار كبيرة.. فالأسماك التي تعيش فيه تطوّرت منذ ملايين السنين بحيث قدرت أن تطوّر في جسدها تنظيمًا أزموزيًّا يساعدها على التأقلم مع المياه متفاوتة الملوحة..

وسمكة الحفش نفسها، من ضمن الأسماك التي يعتبرها العلماء حفرية حيّة living fossil وذلك لأنّ حفرياتها التي وُجدت، تعود لما يزيد عن 200 مليون سنة، لم تتغيّر كثيرًا فيهم الحفش عن شكلها الحالي، وفيما يبدو كان لديها تلك القدرة على التأقلم منذ بداياتها ثمّ أصبح معدّل تطوّرها بطيء جدًّا.. . (المصدر) وهي للأسف لكثرة صيدها الجائر وظروف التلوث في بحر قزوين معرضة حاليا للانقراض. (المصدر)

سمكة الحفش
سمكة الحفش في بحر قزوين

والبعض نظر لحفريّات سمكة الحفش وحاول أن يستدلّ بها على أنّ تلك السمكة خُلقت منذ ملايين السنين على شكلها الحالي وبالتالي بإمكاننا استخدامها كمثال لتفنيد نظرية التطور، أو إثبات أنّ الكائنات خُلقت على صورتها النهائية ولم تتطور أبدًا. لكن في الحقيقة تطوُّر سمكة الحفش البطيء جدًّا يعود لبيئتها المنغلقة والتي قلّما يطرأ عليها تغيّرات ولذلك هي لم تتغير كثيرًا، مما يوحي بأنّ التطوّر المستمرّ الجذريّ ليس قانونًا إجباريًا فهو يحدث فقط ليساعد الكائن على التأقلم مع بيئته أو لطفرات قد تحدث أو لا تحدث، وهذا ما فعلته تلك السمكة بالفعل، فهي تغيّرت لتلائم بيئتها المنغلقة بحيث أصبحت غير قادرة على الحياة بشكل أمثل إلا في موطنها الأصلي.. وفي بحر قزوين ما يزيد عن سبعين نوع أو تصنيف لأسماك متوطنة endemic خاصة بذلك البحر دون غيره، ويصعب عليها العيش والتكاثر خارجه، وذلك لتأقلمها مع طبيعته الخاصة تأقلمًا تطلب من تلك الكائنات كما ذكرنا ملايين السنين.. فسمكة الحفش مثلًا طبقًا لحفرياتها عاشت على الأرض قبل الإنسان الحديث أو الهوموسيبيان ب199,800,000 سنة..

فمع وجود تلك الحفريات والأساليب العلمية الحديثة لتحديد أعمارها ومع وجود الأبحاث الجينية المتقدمة ومع وجود حفريات إنسانية لما قبل الهوموسيبيان بحوالي 4 مليون سنة ويزيد، ومع تزامن تلك الحفريات مع العصور البيولوجية التي قسّمها العلماء طبقًا لأنواعها ومع عدم قدرة المعترضين على إيجاد حفريات تثبت عكس النظرية كأرنب أو قطّ من العصر الكمبري مثلًا، أصبح من المستحيل دحض نظرية التطور، وعلى الرغم من ذلك فمنكرو نظرية التطور يخوضون في محاولات حثيثة لتكذيب العلماء، وتلعب هنا نظرية المؤامرة لعبتها.

وصراحة يصعب عليّ أن أتخيل أو أتصور أنّ كلّ علماء العالم يجتمعون ليتآمروا مثلا على إقناعنا بكروية الأرض بينما هي مسطّحة، أو أنّ نظرية التطور صحيحة ومؤكدة بالأدلة بينما العالم قد خُلق خَلقًا مباشرًا في لحظة واحدة منذ ستة آلاف سنة، كما يصوّر النص التوراتي، ولا وجود لأي تطور فيه.. فنظرية المؤامرة تبدو في نظري عبثية في هذا الصدد، فمن المستحيل أن يتآمر العلماء من اليونان القديمة مرورًا بالمسلمين والغربيين، وحتى يومنا هذا حيث يعمل علماء من جميع جنسيات العالم في إطار نظرية التطور التي أُثبتت جينياً وأصبح لها تطبيقات بيولوجية عديدة..

ولماذا يفعلون ذلك؟ لماذا يبذل هؤلاء العلماء تلك المجهودات المضنية في أبحاث يظنّ البعض أنها مجرد مؤامرة محبوكة؟ هل يعقل أنهم يفعلون ذلك فقط لأنهم يعادون التديّن! كانوا مثلًا في اليونان القديمة يريدون أن يطفئوا نور زيوس، أو they hated Jesus، أو ربما هي المؤامرة الشهيرة على الإسلام على طول الخطّ، أو كلّهم معادين للسامية حتى من قَبْل أن يعرف العالم ما هي اليهودية؟! هذا شيء أعمق من قدرتي على التخيل أو الاستيعاب، وأحيانًا كثيرة أرى أنّ علينا الاعتراف بأنّ نظرية المؤامرة العلمية ضدّ الأديان مخجلة جدًّا لمن يؤمن بها، فمن الصعب أو المستحيل ضمّ علماء العالم على اختلاف أهوائهم ومشاربهم عبر الزمن في إطار نظرية مؤامرة واحدة جامعة مانعة، هذا أمر أعجز تمامًا عن عقلنته غير أنني أدرك أنه منطقي جدًا في نظر من يؤمن به..

ونظرية التطور في حقيقة الأمر أقدم من داروين، فيكفي أن تبحث في جوجل عن أصول نظرية التطور في الغرب تندهش أنّ البعض كان في نفس عصر داروين يسميها نظرية التطور المحمديّة، ففي كتاب ل Sir William Draper مكتوب عام 1874، أي بعد نشر تشارلز داروين لأطروحته عن التطور عام 1859، بعنوان تاريخ الصراع بين الدين والعلم “The History of Conflict Between Religion and Science”
نجد أنه يذكر فيه هذه العبارة:

Muhammaden theory of the evolution of man from lower forms أو نظرية التطور المحمدية للإنسان من أنواع أدنى (المصدر من الكتاب المذكور)

والمحمدية هنا ليست نسبةً للرسول وإنما نسبةً للدين المحمديّ، أي الإسلام، إذ في هذا العصر لم تكن كلمة إسلام متداولة في الغرب، فكانت كناية المحمديين تعني المسلمين، فبالتالي يُقصد هنا أطروحة التطور عند العلماء المسلمين..

كتاب سير دريبر يتحدث عن الصراع بين الأديان والعلوم ويخصّ المعتقد المسيحي بالنقد، وتوقّع فيه دريبر أنّ السلطتين المتنازعتين، أي القوة التوسعية لتطوّر العقل البشري من جهة، كما أسماها، والضغط الناجم عن الإيمان التقليدي والمصالح البشرية من جهة أخرى، سينتج عنهما صراع حتمي.. وفي الجزء الخاصّ بنظرية التطور تحدّث سير دريبر عن الصعوبات التي تواجه تقبّل نظرية التطور لدى الجنس البشريّ من قِبَل السلطات الدينية بسبب ارتباط قصة آدم وحواء بفكر ديني يقوم عليه المعتقد المسيحي ويرتبط بتصورات مثل الخطيئة الأولى والسقوط والموت الذي هو عقوبة ارتكاب الخطيئة في المسيحية..

ورأى أيضًا أنّ الرفض يتمّ لطول الفترة المقترحة في نظرية التطور المحمدية والتي تفتح تساؤلًا عن مدى منطقية أو جدوى خلق كون عتيق جدًّا بهذا الشكل، لتنعم بالخلاص قلة قليلة في نهايته، ولذلك تمّ رفض نظرية التطور المحمدية من رأي سير دريبر لأنها تقترح تطور الجنس البشري من أنواع أدنى وفي فترة زمنية طويلة الأجل..

John William Draper سير ويليام دريبر
سير ويليام دريبر

ولعلّ سير دريبر وضع يده هنا على النقطة الفاصلة التي أدّت لرفض الكنيسة لنظرية داروين، أو التطوّر عامة، بينما كانت مقبولة عند الكثير من علماء المسلمين، والسبب يكمن ببساطة أنه ليس في الإسلام ذِكر لقِدَم أو قِصَر عمر الأرض والذي التزمت به اليهودية ثم المسيحية وهو ستة آلاف عام تقريبًا، وهو حيّز ضيق جدًّا للتطور لو آمن الشخص المتدين بحَرفية النص..

والإسلام أيضًا ليس لديه تصوّرات الخطيئة الأولى فيصبح من الأسهل لديه تأويل النصوص بحيث تسمح بقبول النظرية.. وهي تأويلات تدور حول آيات من مثل “لقد خلقناكم أطوارًا” أو “وخُلق الإنسان من سلالة من طين” أو “إنّ الله اصطفى آدم” وهذا يحدث في عصرنا مثلما فعل دكتور عبد الصبور شاهين في كتابه أبي آدم، إلا أنّ علماء المسلمين الأوائل لم يهتمّوا كثيرًا بتأويل النصوص لتوافق نظرتهم للتطور..

وبما أنّ مدة الخلق غير محددة قرآنيًا بالنسبة للكائنات على الأخص، فالمدة مفتوحة على الأخصّ أنّ مقدار اليوم عند الإنسان، طبقًا للنص القرآني، ليس كمقدار اليوم عند الخالق. ومفهوم أهل الفترة -أو من عاش من البشر قبل التكليف الرسالي (يعني نزول الأنبياء) أو بعده- ولم تصلهم رسالة فضفاض جدًّا؛ فبإمكانه أن يغطّي أيّ مشكلة عقائدية تطعن في العدالة الإلهية.. فمن السّهل حلّ المعضلة إسلاميًّا.. وقد وجدنا بابا الفاتيكان مؤخّرًا يفاجئنا بقبول نظرية التطور، وهو أمر غريب يستحقّ الدراسة لمعرفة كيف تقبّلها في إطار معتقده.. ومع ذلك نجد أنّ الكثير من المسلمين ينقلون عن اليمين المسيحي الأمريكي المعادي لنظرية التطور، دون محاولة دراسة ما إن كان بإمكانهم تقبل النظرية إسلاميًا من عدمه، فالرفض دائمًَا أسهل..

إعلان

مصدر مصدر 1 مصدر 2 مصدر 3

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.