نبوءة قديمة تحذِّر ولا أحد يصغي: غزو بلاد فارس يُفضي إلى ما لا تُحمَد عقباه (مترجم)

لطالما كان غزو بلاد فارس القديمة مهمة عسيرة شاقة، غالبًا ما تفضي إلى كارثة. ففي القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، سيطرت الإمبراطورية الفارسية على مساحات شاسعة ومتنوعة جغرافيًا، وكانت إيران في قلبها.
تأسّست الإمبراطورية الفارسية على يد “الأخمينيين – Achaemenids”، تلك السلالة القوية التي ظلت تحكم حتى حوالي عام ثلاثمائة و ثلاثين قبل الميلاد، عندما هزم ” الإسكندر الأكبر – Alexander the Great” آخر ملوكها “داريوس الثالث – Darius III”. خلال تلك الحقبة، ضمت الإمبراطورية الفارسية أراضي ما يُعرف اليوم بإيران والعراق وتركيا والخليج الفارسي/العربي وأجزاء من دول مجاورة أخرى.
في الأيام الأولى للتوسّع الفارسي الأخميني (عام 546 قبل الميلاد)، قرر الملك الأسطوري “كرويسوس – Croesus” (من ليديا، في غرب تركيا) تحدي هذه الإمبراطورية.
يقال أن كرويسوس، والذي كان يعد أغنى رجل في العالم في ذلك الزمن البعيد، استشار عرَّافة أبوللو في دلفي باليونان، ووفقًا لما أورده المؤرخ “هيرودوت – Herodotus”، قالت العرَّافة لكرويسوس: «إذا أرسلتَ جيشًا لمحاربة الفرس، فلسوف تُدمِّر إمبراطورية عظم».
وقد حدث ذلك. حيث أدى غزو كرويسوس لبلاد الفرس وهزيمته على يد الملك الفارسي “قورش – Cyrus” إلى تدمير إمبراطوريته هو نفسه. وهكذا، صدقت نبوءة العرّافة، لكن ليس بالطريقة التي كان كرويسوس يتمناها.
لم يكن كرويسوس آخر حاكم يغزو بلاد فارس ثم يدرك أنه قد أقدم على ما لا طاقة له به، فمنذ القرن السادس قبل الميلاد وحتى القرن الرابع بعد الميلاد، سعى الإغريق والرومان لغزو بلاد فارس مرات عديدة، وفي كل مرة يتكشف أنّ المخاطر كبيرة، والترتيبات اللوجستية معقدة.
بؤرة لحروب متواصلة ونفقات طائلة
ما من غزوة رومانية للأراضي الفرثية نجحت إلّا وغالبًا أعقبها نكسة. ففي عام 116/117 ميلادية حاول الإمبراطور “تراجان – Trajan” غزو بلاد فارس حتى وصل إلى الخليج الفارسي، إلا أنه لم يستطع الاحتفاظ بأي من مكاسبه.
وفي وقت لاحق من القرن الثاني الميلادي، حقّقت الغزوات الرومانية للإمبراطورية الفرثية مكاسب إقليمية في بلاد الرافدين (جنوب تركيا حاليًا). ومع ذلك، يرى أحد الكُتَّاب الرومان المعاصرين لتلك الحقبة “كاسيوس ديو – Cassius Dio” أنّ:
«أعلن الإمبراطور “سبتيموس سيفيروس – Septimius Severus” أنه أضاف منطقة شاسعة إلى الإمبراطورية وجعلها درعًا حاميًا لسوريا. ولكن على العكس من ذلك، أثبتت الوقائع أن هذا الغزو كان مجلبةً لحروب متواصلة ونفقات طائلة علينا».
من الخسارة إلى الإذلال الكامل
إعلان
في القرن الثالث الميلادي تبوأت السلالة “الساسانية – Sasanian” الحكم في بلاد فارس وبلاد مابين النهرين. وعبر القرون التالية ألحق الساسانيون الفرس هزائم خطيرة بالجيوش الرومانية الغازية. وفي عام 244 ميلادية لقي الإمبراطور الروماني “جورديان الثالث – Gordian III” مصرعه في إحدى المعارك ضد الساسانيين، حيث كان قد قاد غزوًا واسع النطاق للإمبراطورية الفارسية لكنه مات أثناء محاولته مهاجمة العاصمة “سلوقية-قطيسفون – Seleucia-Ctesiphon”، ثم جاء خليفته “فيليب الأول – Philip I” ليوقِّع معاهدة سلام مهينة لإنقاذ ما تبقى من الجيش، لكن المهانة التامة للأباطرة الرومان لم تكن قد حلَّت بعد.
ففي عام 260 ميلادية، تم أسر الإمبراطور “فاليريان – Valerian” على يد الملك الفارسي “شابور الأول – Shapur I”، وتروي الأساطير كيف تحوّل فاليريان إلى مسند قدم لشابور عندما كان الأخير يريد امتطاء جواده. وما زالت النقوش الصخرية التي تعود إلى القرن الثالث الميلادي، والتي تصور فاليريان وفيليب الأول في وضع خضوع لشابور، قائمة في إيران حتى يومنا هذا.
وبعد حوالي قرن من الزمان، قُتِل الإمبراطور “جوليان – Julian” أثناء محاولته غزو الإمبراطورية الفارسية، حين قاد جيشًا من ستين ألف رجل، ليلقى هزيمة ثقيلة ويُقتَل شمال العاصمة الفارسية. وأسفرت معاهدة السلام اللاحقة عن خسارة روما لأراضٍ رئيسة وحصون في شمال بلاد ما بين النهرين.وقد احتاجت روما أكثر من قرن من الزمان كي تتعافى من هذه الهزيمة الفادحة.
في الواقع، أفضت معظم الغزوات القديمة للإمبراطورية الفارسية إلى تبعات خطيرة لأولئك الذين أقدموا على شنها.
وبعد، لطالما كانت الطبيعة المتباينة والقاسية أحيانًا للتضاريس بمثابة عاملًا مهمًا في دحر تلك الغزوات، ولعبت الإرادة الوطنية كذلك مع الجاهرية العسكرية دورها في هذا.
صحيح أنّ الحرب الحالية التي تشنّها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران تختلف اختلافًا كبيرًا من نواحٍ كثيرة عن الحروب القديمة التي استهدفت بلاد فارس، إلّا أنّ النقوش الصخرية الساسانية الصامدة من القرن الثالث تقف شاهدًا يُذَكِّرنا بما يمكن أن تؤول إليه الأمور.
بقلم/ Peter Edwell
ترجمة/ هبة الله الجَمَّاع
مصدر:
https://theconversation.com/an-ancient-oracle-warned-invading-persia-would-backfire-from-croesus-to-trump-rulers-have-failed-to-listen-279750:
إعلان
