تأخذك إلى أعماق الفكر

من المركزية الأوربية إلى المركزية العربية، المجد والعنصرية

لا يَستَرِيبُ عارف بالتاريخ أن باقعة من بواقعه تلك النزعة إلى التمركز حول الذات والتقوقع على الثقافة القومية والنظر إلى ما سواها بعين احتقارية، نظرة تستعظم قيمة الشخصيّ، وتستكثر المقابح عن قيم الآخر، تعلي من مكانة تاريخ المُنتمَى إليه، وتسعى في الحكم على تواريخ باقي الشعوب بالهمجية والبربرية، لعل ذلك ما جعل الفلسفات والقيم والأخلاق والأديان التي نشأت داخل أطر اجتماعية قومية تستهين بقيمة البشر الذين لا تربطهم آصرة مباشرة بهذه القومية، نازلة بقيمتهم إلى أقصى أدران الحيوانية، أو قل إلى درجة اللاشيء، فالإنسان يصبح لا شيء فعلا بالنسبة إلى من ينظر إليه من منظور حدّي لا يتجاوز الثقافة القومية، يصبح بذلك الإنسان المختلف، ذلك الآخر الذي قد يُقتل كحشرة بالملايين عبر إبادات عسكرية، أو يباع في أسواق النخاسة كأي بضاعة طبيعية، أو ينتهك حقه في إدارة ثرواته ومجتمعه من خلال الإستعمار، أو يُقتلع من أرضه باعتبار قيمته لا ترقى حتى إلى قيمة تراب الأرض، وذلك عبر الإستيطان أو التهجير، كل ذلك ينتج عن أي ثقافة قومية سواء كانت دينية أو دنيوية، فكل الثقافات القومية يحتفظ لها التاريخ بمجازر وإبادات اصطلت بنيرانها الأقوام التي لا تنتمي إليها، بدءً بالآكاديين ضد السوماريين، والبابليين ضد اليهود، واليهود ضد الممالك الفلسطينية عقب التيه في صحراء سيناء، والعرب ضد الفرس، والفرس ضد اليونان، والمسلمون ضد يهود بني قريضة، والأتراك ضد الأرمن، والسنة ضد الشيعة، والكاثوليك ضد البروتستانت، فالدم ينادي على الدم، ومن لم يُثخن في القتل وتزهد فيه مباشرة، شارك فيه بطريق غير مباشر، كما هو حال بعض المؤسسات الدولية ذات الفاعلية الكاريكاتورية، كالأمم المتحدة اليوم.

إن كل مستكشف للتاريخ، يجد فيه أن معظم هذه الإبادات التي تُأتت أحداثه ومختلف حقبه، لن يجلوا عن ذهنه قط أن العنصرية والتمركز حول ثقافة ذاتية كانا أهم محرك لهذه القَواتم والأَحَالك من مجازر ماضي هذا الجنس المُجرم، إذ اتخذت هذه العنصرية طابعا دينيا متى كانت البشرية قاصر عقلها ومرتعدة فرائسها، وأشهر شكل اتخذته كان “التَّكفِير”، الذي يعني واقعيا انخلاع أي قيمة عن الإنسان ما يستوي الطريق أمام تصفيته بضمير مرتاح، ثم تسربلت هذه النزعة بقماش دنيوي علماني في العصور الحديثة، مع عدم انقطاع طبع شكلها الديني عن التاريخ، حيث كان أبرز أشكالها الدنيوية هو “القومية الشعوبية”، مع الفاشيين والنازيين، وبعض الشيوعيين، فإقفال قيمة الإنسان عن انتمائه لثقافة جماعة معينة لا يمكنه سوى أن يوجه عنفه المتوحش نحو من يقبع خارج حدود هذه الثقافة باعتباره معدوم القيمة أي لاشيء.

للقارئ العربي فائدة التعرف على بعض أوجه هذه المركزية الثقافية والعنصرية في تراثه الإسلامي وفي تراث الأمة الأخرى التي طالما نازعت المسلمين في الهَمجية وكذا في التَّحضر، أقصد تراث الأوربيين، الفلسفيّ خصوصا كما سيأتي بيانه، فإنهم وإن كانوا لم يقصروا عن إعلاء مرتبة العقل الذي يفترض تجذر أثره في الثقافة خُبوُّ و دُنوُّ البربرية فيها، إلا أنهم كانوا للعرب أنسابا وأندادا في التوحش واحتقار باقي الشعوب، فللعرب تراث من العنصرية ضد غير العرب والمسلمين يُزكم الأنوف، لم يكن أبطاله سوى أصحاب السُّلط وعلى رؤسهم الخلفاء والفقهاء (ورثة الأنبياء)، أما من الجهة المقابلة فلم تكن رؤوس العنصرية الأوربية الحديثة ويا للعار، سوى بعض الفلاسفة، وطبعا بعض الساسة و القوّاد من العساكر.

تجدر الإشارة هنا، بأن الحديث عن المركزية الأوربية قد خاض فيه الكثيرون، شرقيون وغربيون، وقد توجد في المكتبات العربية رفوف بأكملها من الكتب التي تتحدث فقط عن المركزية الأوربية، لكن الغريب هو أن القول في المركزية العربية بشكل مباشر وعلمي لم يجرس في أذهان القوم عندنا، إلى حد أنك لن تجد كتابا بهذا العنوان في أرشيف العرب، رغم أن تاريخهم و تراثهم ينضح بوجوه، تناظر ما للغرب الأوربي من وجوه العنصرية و التمركز حول الذات، ربما الأمر عند القوم غير مُفكر فيه حتى الآن، إلا هامشيا، على غرار تناول محمد عابد الجابري للقضية فقط كجزء من كتاب “العقل السياسي العربي”، فالوحيد الذي تناول المسألة بحيالها بشكل جدي، كان هو “ابن خلدون” في إطار ما سماه “العصبية العربية”، لكن تذكّر المسافة الزمنية التي تفصل بين ابن خلدون وبيننا تبعث على الخجل، أن يكون الوحيد من تحدث عن المركزية العربية ضمن أمة كاملة قد عاش منذ أكثر من 6 قرون لهو أمر مثير للاستغراب خصوصا بالنسبة لأمة قد أورثتها ولا تزال مركزيتها حول ثقافتها العتيقة الكثير من الأزمات والكوارث.

على أي حال، فلنبدأ بتراث الأوروبيين أبناء العمومة، و نستكشف أخبث ما حملته حضارتهم للبشرية، ثم نلحقه بِبَعضٍ من جِماع ما أتت به العرب في النازلة.

إعلان

المركزية الأوربية، من عنصرية الدين إلى عنصرية الفلسفة

قد لا نجافي الحقيقة لو قلنا أن التاريخ الأوربي المسيحي هو أفضع تاريخ أمم كوكب الأرض، أفضع حتى من تاريخ الصين والمغول والعرب، وربما بقدر همجية الماضي دفع الأوربيين بكل راديكالية نحو أقسى مستويات “التحضر”، الذي يتنبأ البعض بأنه سيؤدي إلى الفناء، لأن سقفاً لم يعد له(1)، فلنضع الحاضر جانبا، ربما نفهمه من خلال الماضي، ولنعد إلى التاريخ حيث نشأت المسيحية في مجتمع يهودي شديد التعصب و كئيب التزمّت، لا يرفع رايةً إلا لأساطير العهد القديم، ما من ناقد و منحرف عنها إلا و يُعدم، والمثير للشفقة أن القوم يؤمنون بعودة “المَشِيح” المُخلص، غير أن ما من أحد يدعي ذلك إلا و يصلب بما في ذلك “الرب يسوع”، الذي صُلب من طرف مخلوقاته(2)، لم يكن هذا الأخير حسب ما تذكر المصادر متزمّتا أو عنصريا، بل كان حبّابا للناس رحيما بالضعفاء، بل ومشفقا حتى على العاهرات، فعاشت المسيحية أكثر من 3 قرون كديانة روحانية خالصة(3)، مع ما تعرض له أتباعها من ظلم و تعذيب في “عهد الشهداء“، حيث كان يشعلهم بالنار الطاغية نيرون Nero كالشمع(4)، إلا أن زواج المسيحية بالسلطة السياسية، سيحولها إلى أحد أفظع مصادر العنف في التاريخ الذي لم ينضب، إلا بعد أن سيَّر الدماء أنهاراً، و ذلك بعد أن تبنى الإمبراطور الروماني “قسطنطين ابن هيلانة” الديانة الجديدة، حيث أصدر سنة 313م مرسوم ميلانو الذي قضى بإضفاء الشرعية على العبادة والشعائر المسيحية، وما هي إلا سنوات ويا للعجب، حتى تحول دعاة التسامح “المسيحيين” إلى جلّادين، منذ هذه اللحظة سوف تتكون كنيسة رسمية في روما و بذلك تشكلت ثقافة قومية أحكم إغلاقها بسياج دوغمائي استعير من الديانة الوليدة، بذلك أصبح كل من يقع خارج هذا السياج الدوغمائي لا تعدل قيمته نعل المؤمن المسيحي، وبِه انطلق منجل عزرائيل المؤيد بروح القدس يحصد نفوس الآدميين من غير الأوربيين و غير المسيحيين بشكل فاق توحشه أي تصور، إلى درجة تأكيد فولتير أن اضطهاد المسيحيين للهراطقة فاق بما لا يقارن اضطهاد الرومان لأتباع ديانة “ابن الإله” الأوائل(5).

إن العنف أساس من أسس المجتمع الإنساني، وتصور مجتمع من دون عنف ليس إلا طوباوية إنسانية، إذ لابد لهذا العنف أن يصرَّف في أحد الاتجاهات، ولعل العنصرية تاريخيا كانت وسيلة لتصريفه خارج المجتمع، أي في اتجاه معين تجنبا لحرب الكل ضد الكل داخليا، وهو ما يقوض أي اجتماع إنساني، لذلك ربما يجب قراءة العنصرية من إحدى الزوايا على أنها عامل عزّز الوحدة والتضامن بين أعضاء جماعة معينة، من خلال زرع الفرقة وممارسة العنف على جماعات أخرى، وللأسف كان كبش الفداء لتحقيق هذا الهدف في أوربا أولا هم الهراطقة، أي كل من أنكروا التصور والتأويل المقدس للمسيحية، وهو التأويل الذي بشأنه أن يُوحِّد المجتمع المسيحي من خلال توحيد دينيّ وكذا توحيد لاهوتي أي تأويليّ لهذا الدين، فمجتمع بإله واحد و دين واحد و تأويل واحد و ثقافة واحدة، يعني مجتمعا موحدا الناس فيه نظراء، كما يناظر الوجه نفسه في المرآة، فأن تكون مهرطقا لا يعني فقط أن تكون صاداًّ عن نور الرب، بل وراغبا أيضا في تقويض أساس استقرار مجتمع المؤمنين به، هذا الخطر لا يمكن لمجتمع في القرون الوسطى أن يسمح به، لذلك أُشعِلت محرقة الهراطقة من طرف عيال الرب في أوربا، ولم تنطفئ إلا بعد عصر الأنوار (قرن 19م)، أكلت نارها علماء و فلاسفة، فنانين و أدباء، بل حتى بعض رجال الدين أيضا، يكفي مطالعة ما وقع تحت مسمى “محاكم التفتيش” حتى يرسم الإنسان صورة دراماتيكية حول هذه المحرقة التي كل من ألقي فيها وقعت عليه العنصرية بشكل من الأشكال كانت غالبا عنصرية دينية(6).

كان موضوع العنصرية الثاني على أطراف أوربا أو خارجها هم الكفار: اليهود والمسلمون، حيث دعا سنة 1074م البابا غريغوري 9 إلى حروب صليبية ضد أعداء الله إلا أن دعوته لم تلق آذانا صاغية، لكن بعد 20سنة سيحيي هذه السنة الخبيثة “البابا أوربان الثاني” بتأجيجه لعواطف المؤمنين في مجمع كليرمون بفرنسا ضد الكفار المسلمين الذين يضطهدون السكان والحجاج المسيحيين في القدس، فانتشى عيال الأب بما سيتحقق بعد الحرب، الذي لن يكون سوى شهادة أو “مجدا” على الأرض المقدسة، بذلك انطلقت أول حملة صليبية في 27 نوفمبر 1095م نحو القُدس، إلا أن معاشر الكفار كانوا بوفرة في الطريق، لذلك تدرب فيهم المسيحيون قبل الحرب الرسمية، ففي الطريق ضحى الصليبيون بحوالي 7000 إلى 8000 إنسان فقط من اليهود في شرق أوربا، بل كان بعض الصليبيين مندهشين، من السبب الذي يجعلهم يسافرون لقتال المسلمين على بعد آلاف الأميال، بينما اليهود قتلة المسيح يتحلقون من حولهم (7)، لذلك كان المسيحيون كلما رمقت أعينهم يهوديا كسبوا من ورائه بعض الحسنات، عبر نحره أو حرقه كأي شيء لا قيمة له، إنه لأمر فضيع حقا أن يصبح قتل إنسان ما وسيلة لكسب الحسنات لفائدة إنسان آخر.

في الطريق سقطت أنطاكيا التي كان يحكمها المسلمون الأتراك المشهورين بالسلاجقة، الذين كان سلطانهم قد مات واقتتل أبناؤه على العرش، ما تسبب في إضعاف الإمارة، ومع حصار خانق ضربه اليسوعيون عن المدينة، سقطت في أيديهم أنطاكيا فخيّروا السكان بين التعميد أو السيف(8)، واصلوا الزحف نحو القدس، وهي الأخرى سقطت في 15 يوليوز 1099، وكان دخولهم لها من أكثر أحداث تاريخ الجنس البشري دمويةً، حيث قتل الصليبيون 30.000 إنسان في 3 أيام فقط، إذ جمعوا اليهود في معبدهم و أحرقوهم جميعا، وكأنهم كومة فضلات لا حاجة إليها، كما قتلوا 10.000 مسلم التجؤوا إلى الحرم الشريف، و الطريف أنهم نفّذوا هذه الإبادة بوحشية دون أن يطرف لهم جفن بل كانوا في غاية السعادة أثر ذلك، يروي المؤرخ المسيحي ريمون الأغويلري أنه: “كانت في المدينة بعد هنيهات من دخول الصليبيين إليها أكوام من الرؤوس والأيدي والأرجل، خاض الرجال في الدماء حتى الركب. في الحقيقة، كانت محكمة الله العادلة والمبهرة بأن يمتلئ هذا المكان بدماء الكفار (المسلمين و اليهود)”(9).

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مهدي جعفر

تدقيق لغوي: بشرى مخازني

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.