من المركزية الأوربية إلى المركزية العربية، المجد والعنصرية

لا يَستَرِيبُ عارف بالتاريخ أن باقعة من بواقعه تلك النزعة إلى التمركز حول الذات والتقوقع على الثقافة القومية والنظر إلى ما سواها بعين احتقارية، نظرة تستعظم قيمة الشخصيّ، وتستكثر المقابح عن قيم الآخر، تعلي من مكانة تاريخ المُنتمَى إليه، وتسعى في الحكم على تواريخ باقي الشعوب بالهمجية والبربرية، لعل ذلك ما جعل الفلسفات والقيم والأخلاق والأديان التي نشأت داخل أطر اجتماعية قومية تستهين بقيمة البشر الذين لا تربطهم آصرة مباشرة بهذه القومية، نازلة بقيمتهم إلى أقصى أدران الحيوانية، أو قل إلى درجة اللاشيء، فالإنسان يصبح لا شيء فعلا بالنسبة إلى من ينظر إليه من منظور حدّي لا يتجاوز الثقافة القومية، يصبح بذلك الإنسان المختلف، ذلك الآخر الذي قد يُقتل كحشرة بالملايين عبر إبادات عسكرية، أو يباع في أسواق النخاسة كأي بضاعة طبيعية، أو ينتهك حقه في إدارة ثرواته ومجتمعه من خلال الإستعمار، أو يُقتلع من أرضه باعتبار قيمته لا ترقى حتى إلى قيمة تراب الأرض، وذلك عبر الإستيطان أو التهجير، كل ذلك ينتج عن أي ثقافة قومية سواء كانت دينية أو دنيوية، فكل الثقافات القومية يحتفظ لها التاريخ بمجازر وإبادات اصطلت بنيرانها الأقوام التي لا تنتمي إليها، بدءً بالآكاديين ضد السوماريين، والبابليين ضد اليهود، واليهود ضد الممالك الفلسطينية عقب التيه في صحراء سيناء، والعرب ضد الفرس، والفرس ضد اليونان، والمسلمون ضد يهود بني قريضة، والأتراك ضد الأرمن، والسنة ضد الشيعة، والكاثوليك ضد البروتستانت، فالدم ينادي على الدم، ومن لم يُثخن في القتل وتزهد فيه مباشرة، شارك فيه بطريق غير مباشر، كما هو حال بعض المؤسسات الدولية ذات الفاعلية الكاريكاتورية، كالأمم المتحدة اليوم.

إن كل مستكشف للتاريخ، يجد فيه أن معظم هذه الإبادات التي تُأتت أحداثه ومختلف حقبه، لن يجلوا عن ذهنه قط أن العنصرية والتمركز حول ثقافة ذاتية كانا أهم محرك لهذه القَواتم والأَحَالك من مجازر ماضي هذا الجنس المُجرم، إذ اتخذت هذه العنصرية طابعا دينيا متى كانت البشرية قاصر عقلها ومرتعدة فرائسها، وأشهر شكل اتخذته كان “التَّكفِير”، الذي يعني واقعيا انخلاع أي قيمة عن الإنسان ما يستوي الطريق أمام تصفيته بضمير مرتاح، ثم تسربلت هذه النزعة بقماش دنيوي علماني في العصور الحديثة، مع عدم انقطاع طبع شكلها الديني عن التاريخ، حيث كان أبرز أشكالها الدنيوية هو “القومية الشعوبية”، مع الفاشيين والنازيين، وبعض الشيوعيين، فإقفال قيمة الإنسان عن انتمائه لثقافة جماعة معينة لا يمكنه سوى أن يوجه عنفه المتوحش نحو من يقبع خارج حدود هذه الثقافة باعتباره معدوم القيمة أي لاشيء.

للقارئ العربي فائدة التعرف على بعض أوجه هذه المركزية الثقافية والعنصرية في تراثه الإسلامي وفي تراث الأمة الأخرى التي طالما نازعت المسلمين في الهَمجية وكذا في التَّحضر، أقصد تراث الأوربيين، الفلسفيّ خصوصا كما سيأتي بيانه، فإنهم وإن كانوا لم يقصروا عن إعلاء مرتبة العقل الذي يفترض تجذر أثره في الثقافة خُبوُّ و دُنوُّ البربرية فيها، إلا أنهم كانوا للعرب أنسابا وأندادا في التوحش واحتقار باقي الشعوب، فللعرب تراث من العنصرية ضد غير العرب والمسلمين يُزكم الأنوف، لم يكن أبطاله سوى أصحاب السُّلط وعلى رؤسهم الخلفاء والفقهاء (ورثة الأنبياء)، أما من الجهة المقابلة فلم تكن رؤوس العنصرية الأوربية الحديثة ويا للعار، سوى بعض الفلاسفة، وطبعا بعض الساسة و القوّاد من العساكر.

تجدر الإشارة هنا، بأن الحديث عن المركزية الأوربية قد خاض فيه الكثيرون، شرقيون وغربيون، وقد توجد في المكتبات العربية رفوف بأكملها من الكتب التي تتحدث فقط عن المركزية الأوربية، لكن الغريب هو أن القول في المركزية العربية بشكل مباشر وعلمي لم يجرس في أذهان القوم عندنا، إلى حد أنك لن تجد كتابا بهذا العنوان في أرشيف العرب، رغم أن تاريخهم و تراثهم ينضح بوجوه، تناظر ما للغرب الأوربي من وجوه العنصرية و التمركز حول الذات، ربما الأمر عند القوم غير مُفكر فيه حتى الآن، إلا هامشيا، على غرار تناول محمد عابد الجابري للقضية فقط كجزء من كتاب “العقل السياسي العربي”، فالوحيد الذي تناول المسألة بحيالها بشكل جدي، كان هو “ابن خلدون” في إطار ما سماه “العصبية العربية”، لكن تذكّر المسافة الزمنية التي تفصل بين ابن خلدون وبيننا تبعث على الخجل، أن يكون الوحيد من تحدث عن المركزية العربية ضمن أمة كاملة قد عاش منذ أكثر من 6 قرون لهو أمر مثير للاستغراب خصوصا بالنسبة لأمة قد أورثتها ولا تزال مركزيتها حول ثقافتها العتيقة الكثير من الأزمات والكوارث.

على أي حال، فلنبدأ بتراث الأوروبيين أبناء العمومة، و نستكشف أخبث ما حملته حضارتهم للبشرية، ثم نلحقه بِبَعضٍ من جِماع ما أتت به العرب في النازلة.

إعلان

المركزية الأوربية، من عنصرية الدين إلى عنصرية الفلسفة

قد لا نجافي الحقيقة لو قلنا أن التاريخ الأوربي المسيحي هو أفضع تاريخ أمم كوكب الأرض، أفضع حتى من تاريخ الصين والمغول والعرب، وربما بقدر همجية الماضي دفع الأوربيين بكل راديكالية نحو أقسى مستويات “التحضر”، الذي يتنبأ البعض بأنه سيؤدي إلى الفناء، لأن سقفاً لم يعد له(1)، فلنضع الحاضر جانبا، ربما نفهمه من خلال الماضي، ولنعد إلى التاريخ حيث نشأت المسيحية في مجتمع يهودي شديد التعصب و كئيب التزمّت، لا يرفع رايةً إلا لأساطير العهد القديم، ما من ناقد و منحرف عنها إلا و يُعدم، والمثير للشفقة أن القوم يؤمنون بعودة “المَشِيح” المُخلص، غير أن ما من أحد يدعي ذلك إلا و يصلب بما في ذلك “الرب يسوع”، الذي صُلب من طرف مخلوقاته(2)، لم يكن هذا الأخير حسب ما تذكر المصادر متزمّتا أو عنصريا، بل كان حبّابا للناس رحيما بالضعفاء، بل ومشفقا حتى على العاهرات، فعاشت المسيحية أكثر من 3 قرون كديانة روحانية خالصة(3)، مع ما تعرض له أتباعها من ظلم و تعذيب في “عهد الشهداء“، حيث كان يشعلهم بالنار الطاغية نيرون Nero كالشمع(4)، إلا أن زواج المسيحية بالسلطة السياسية، سيحولها إلى أحد أفظع مصادر العنف في التاريخ الذي لم ينضب، إلا بعد أن سيَّر الدماء أنهاراً، و ذلك بعد أن تبنى الإمبراطور الروماني “قسطنطين ابن هيلانة” الديانة الجديدة، حيث أصدر سنة 313م مرسوم ميلانو الذي قضى بإضفاء الشرعية على العبادة والشعائر المسيحية، وما هي إلا سنوات ويا للعجب، حتى تحول دعاة التسامح “المسيحيين” إلى جلّادين، منذ هذه اللحظة سوف تتكون كنيسة رسمية في روما و بذلك تشكلت ثقافة قومية أحكم إغلاقها بسياج دوغمائي استعير من الديانة الوليدة، بذلك أصبح كل من يقع خارج هذا السياج الدوغمائي لا تعدل قيمته نعل المؤمن المسيحي، وبِه انطلق منجل عزرائيل المؤيد بروح القدس يحصد نفوس الآدميين من غير الأوربيين و غير المسيحيين بشكل فاق توحشه أي تصور، إلى درجة تأكيد فولتير أن اضطهاد المسيحيين للهراطقة فاق بما لا يقارن اضطهاد الرومان لأتباع ديانة “ابن الإله” الأوائل(5).

إن العنف أساس من أسس المجتمع الإنساني، وتصور مجتمع من دون عنف ليس إلا طوباوية إنسانية، إذ لابد لهذا العنف أن يصرَّف في أحد الاتجاهات، ولعل العنصرية تاريخيا كانت وسيلة لتصريفه خارج المجتمع، أي في اتجاه معين تجنبا لحرب الكل ضد الكل داخليا، وهو ما يقوض أي اجتماع إنساني، لذلك ربما يجب قراءة العنصرية من إحدى الزوايا على أنها عامل عزّز الوحدة والتضامن بين أعضاء جماعة معينة، من خلال زرع الفرقة وممارسة العنف على جماعات أخرى، وللأسف كان كبش الفداء لتحقيق هذا الهدف في أوربا أولا هم الهراطقة، أي كل من أنكروا التصور والتأويل المقدس للمسيحية، وهو التأويل الذي بشأنه أن يُوحِّد المجتمع المسيحي من خلال توحيد دينيّ وكذا توحيد لاهوتي أي تأويليّ لهذا الدين، فمجتمع بإله واحد و دين واحد و تأويل واحد و ثقافة واحدة، يعني مجتمعا موحدا الناس فيه نظراء، كما يناظر الوجه نفسه في المرآة، فأن تكون مهرطقا لا يعني فقط أن تكون صاداًّ عن نور الرب، بل وراغبا أيضا في تقويض أساس استقرار مجتمع المؤمنين به، هذا الخطر لا يمكن لمجتمع في القرون الوسطى أن يسمح به، لذلك أُشعِلت محرقة الهراطقة من طرف عيال الرب في أوربا، ولم تنطفئ إلا بعد عصر الأنوار (قرن 19م)، أكلت نارها علماء و فلاسفة، فنانين و أدباء، بل حتى بعض رجال الدين أيضا، يكفي مطالعة ما وقع تحت مسمى “محاكم التفتيش” حتى يرسم الإنسان صورة دراماتيكية حول هذه المحرقة التي كل من ألقي فيها وقعت عليه العنصرية بشكل من الأشكال كانت غالبا عنصرية دينية(6).

كان موضوع العنصرية الثاني على أطراف أوربا أو خارجها هم الكفار: اليهود والمسلمون، حيث دعا سنة 1074م البابا غريغوري 9 إلى حروب صليبية ضد أعداء الله إلا أن دعوته لم تلق آذانا صاغية، لكن بعد 20سنة سيحيي هذه السنة الخبيثة “البابا أوربان الثاني” بتأجيجه لعواطف المؤمنين في مجمع كليرمون بفرنسا ضد الكفار المسلمين الذين يضطهدون السكان والحجاج المسيحيين في القدس، فانتشى عيال الأب بما سيتحقق بعد الحرب، الذي لن يكون سوى شهادة أو “مجدا” على الأرض المقدسة، بذلك انطلقت أول حملة صليبية في 27 نوفمبر 1095م نحو القُدس، إلا أن معاشر الكفار كانوا بوفرة في الطريق، لذلك تدرب فيهم المسيحيون قبل الحرب الرسمية، ففي الطريق ضحى الصليبيون بحوالي 7000 إلى 8000 إنسان فقط من اليهود في شرق أوربا، بل كان بعض الصليبيين مندهشين، من السبب الذي يجعلهم يسافرون لقتال المسلمين على بعد آلاف الأميال، بينما اليهود قتلة المسيح يتحلقون من حولهم (7)، لذلك كان المسيحيون كلما رمقت أعينهم يهوديا كسبوا من ورائه بعض الحسنات، عبر نحره أو حرقه كأي شيء لا قيمة له، إنه لأمر فضيع حقا أن يصبح قتل إنسان ما وسيلة لكسب الحسنات لفائدة إنسان آخر.

في الطريق سقطت أنطاكيا التي كان يحكمها المسلمون الأتراك المشهورين بالسلاجقة، الذين كان سلطانهم قد مات واقتتل أبناؤه على العرش، ما تسبب في إضعاف الإمارة، ومع حصار خانق ضربه اليسوعيون عن المدينة، سقطت في أيديهم أنطاكيا فخيّروا السكان بين التعميد أو السيف(8)، واصلوا الزحف نحو القدس، وهي الأخرى سقطت في 15 يوليوز 1099، وكان دخولهم لها من أكثر أحداث تاريخ الجنس البشري دمويةً، حيث قتل الصليبيون 30.000 إنسان في 3 أيام فقط، إذ جمعوا اليهود في معبدهم و أحرقوهم جميعا، وكأنهم كومة فضلات لا حاجة إليها، كما قتلوا 10.000 مسلم التجؤوا إلى الحرم الشريف، و الطريف أنهم نفّذوا هذه الإبادة بوحشية دون أن يطرف لهم جفن بل كانوا في غاية السعادة أثر ذلك، يروي المؤرخ المسيحي ريمون الأغويلري أنه: “كانت في المدينة بعد هنيهات من دخول الصليبيين إليها أكوام من الرؤوس والأيدي والأرجل، خاض الرجال في الدماء حتى الركب. في الحقيقة، كانت محكمة الله العادلة والمبهرة بأن يمتلئ هذا المكان بدماء الكفار (المسلمين و اليهود)”(9).

لعل موقف هذا المسيحي المخلص يوضح بأن الآخر الذي توجه العنصرية الدينية له يغدو في أعين العنصريين منعدم القيمة و كأنه لا شيء، أقل قيمة من أحقر حشرة، يصير ذلك أكثر جلاء لو علمنا أنه “عندما انتهى الصليبيون من قتل الجميع في القدس اجتمعوا في كنيسة القيامة وغنّوا الترانيم و التراتيل ودموع الفرح تسيل على خدودهم شاكرين الرب على هذا النصر، فاحتفلوا بإقامة قداس عيد الفصح بجانب قبر السيد المسيح، ورائحة جثث الكفار تملأ المكان” (10)، على أي حال فالحروب الصليبية في الشرق الأوسط دامت قرابة قرنين، راح ضحيتها 9 ملايين من البشر حسب المؤرخ الإنجليزي جون روبرتسن (11)، من يهود ونصارى ومسلمين وربما من الأقليات الدينية الأخرى المتواجدة في المنطقة أيضا.

ما سبب كل هذا التوحش ضد العرب المسلمين واليهود؟ تجيبنا عالمة الأديان والمؤرخة الإنجليزية “كارين آرمرسترونغ” بأن السبب هو العنصرية، تقول: “كان الصليبيون يقاتلون عدواً يختلف عنهم ثقافيا ودينيا وإثنيا، وهو عامل (أي عامل الإختلاف) كما نعلم اليوم، يزيل الموانع و الضوابط المعتادة في التعامل بين البشر (الذين ينتمون لثقافة واحدة)” (12)، وتضيف معززة موقفها بكلام أحد الصليبيين: “كسبب و نتيجة لهذه الأحداث صار يُنظر إلى المسلمين والعرب في الغرب على أنهم عِرق بغيض وحقير، وأن الشيطان مستولٍ على عقولهم، فهم لا يعرفون الله، ويستحقون الإبادة التامة” (13)، وكم من الأهمية تحصل في تأمل هذا الاقتباس، حيث تمتزج العنصرية العرقية ضد العرب والعنصرية الدينية ضد الإسلام كي ترسم لنا لوحة لأحد وجوه خبث الإنسان، فبالنسبة إلى العنصري من لا ينتمي إلى عرقه أو دينه، فهو ليس شيئا، ليس إنسانا، بل تنخلع عن ربقة عنقه حتى الطبيعانية فضلا عن الإنسانية، لا يستحق وفق هذا المنظور سوى أن تأكله أسنان المناشير.

قد يستساغ تقبل كهنة الأديان مثل هذا المنطق العنصري الإقصائي ضد الشعوب المختلفة، لكن أن يتبناه بعض الفلاسفة فإن هذا أمر مُحبط، خصوصا من طرف فلاسفة تنويريين ودعاة للتسامح والحرية، يكفيك شاهدا أن تضرب بيدك إلى مؤلفاتهم كي تجيل في ذهنك المواضيع التي تعرضوا إليها فيها التي تفصح عن أنهم دعوا إلى الحرية والتسامح والديمقراطية والمساواة فقط ضمن حدود شُعوبهم وثقافاتهم القومية، دون باقي الشعوب، فصاحب نظرية التسامح “جون لوك” التي قامت عليها الدول الحديثة في أوربا، واستلهمها طوماس تجيفرسون و جيمس ماديسون لصياغة أول دستور ديمقراطي حداثي في أمريكا، نفس هذا الفيلسوف كان يبرر الإستعمار بل وكان يقبل قتل المستعمرين الإنجليز لعبيدهم في أي وقت أرادوا و لأتفه سبب(14)، ونفس النافذة كان ينظر منها “طوماس هوبز” صاحب نظرية العقد الاجتماعي، حيث كان يقول عن السكان الأصليين لأمريكا: “المتوحشون، اللؤماء، ذوي الحياة القصيرة، عليهم ترك أراضيهم لنا، لأنهم لم يطوروا اقتصادا سياسيا” (15)، كما اعتبر الفيلسوف الآخر “هوغو غروتيوس” أن أي عمل عسكري ضد السكان الأصليين لأمريكا عادل مهما كان لأنهم لا يمتلكون الحق القانوني على أراضيهم” (16)، هكذا ينتهك حق الإنسان في الحياة، وفي ممتلكاته وأرضه، ليس لشيء سوى أنه لا ينتمي إلى الثقافة القومية للمُنتهك والمستعمر، فمن لهم الحق في الأرض والحياة والثروة فقط أولئك الذين تتركز فيهم المركزية الثقافية.

من جهة أخرى، يقول الأستاذ “إمام عبد الفتاح إمام”، وهو من ترجم معظم كتب الفيلسوف الألماني هيغل إلى العربية، ما يلي: “إن أحاديث هيغل عن الهنود الحمر، و عن الزنوج، تثير السخط و الحنق، و تمثل نظرة لاإنسانية على الإطلاق، لمن هم غير أوربيين” (17)، أما في فرنسا فإن فيلسوف التنوير الأكبر مونتيسكيو، يقول: “هؤلاء الذين نتحدث عنهم، إنما هم سود كليا و أنفهم أفطس، إلى درجة أنك لا تستطيع أن تحزن بشأنهم أو تتعاطف معهم، إنهم ليسوا ببشر” (18)، لعل هذا ما يرجعنا إلى ماذكرناه قبلا، فأن تنظر بشكل عنصري للآخر المختلف، هذا يعني أن تجرده حتى من الصفة البشرية، كما فعل الصليبيون مع العرب من قبل، و كما فعل مونتسكيو مع السود في القرن 18م، أضف إلى صاحب “روح القوانين”، مواطنه فولتير صاحب رسالة في التسامح، يقول عن الزنوج: “حتى لو نقلنا الزنوج والزنجيات من بيئتهم الأصلية إلى مناطق باردة، فإنهم يظلون ينجبون حيوانات على شاكلتهم” (19)، أما الألماني فيخته، فقد كان يمجد العرق الآري على العرق السلافي، ومن شدة كرهه لليهود كان يعتقد بأن القديس يوحنا كان يشكك في الأصل اليهودي ليسوع، فهذا الأخير بالنسبة إليه أوربي أشقر آري، و لا يحمل أي ملامح شرقية (20).

هذه المواقف على عنصريتها، لا يجب أن تحملنا على تعميم هذه النظرة على كل فلسفة التنوير أو على كل الفلسفة الغربية، صحيح أنها كانت في جزء مهم منها استعمارية متركزة حول الثقافة الأوربية(21)، إلا أنها لم تكن كليا كذلك، فقد وجد لحسن الحظ فلاسفة تنويريون رفضوا الإستعمار والعنصرية، كـ”جون جاك روسو” الذي يقول: “نظام الرق و الإستعمار لاغ، ليس لأنه غير شرعي فقط، بل حتى لأنه ضد العقل، فهو لا معنى له، فلو كنت زعيما لشعب أفريقي لنصبت المشانق لأي أوربي تطئ أقدامه البلاد”، من نفس المنطلق رفض أيضا “دنيس ديدرو” الإستعباد والإمبريالية الأوربية، حيث صرَّح مستهزئا بالغزاة الأوربين: “لقد أجبرتموهم ليس على وضع العبيد فقط، بل على وضع الدواب، ثم بعد ذلك تقولون أنكم عقلاء و مسيحيون”، و كم هو رائع هذا النقد المزدوج، فهو غير موجه للمسيحيين فقط، بل حتى للعقلاء أي الفلاسفة الذين برروا هذه المقابح.

يضيف جون جوزيف دو بيشميرجا في تصريح جريء: “إن كل من يقبل أو يبرر نظام الرق، لا يمكن وصفه بفيلسوف، بل لا يستحق من الفيلسوف الحقيقي سوى الإحتقار، ومن الزنجي سوى طعنة خنجر” (22)، هذا المنطق الإنساني قد تطور إلى أن بلغ جون بول سارتر،الذي عبر عن أوجه في عبارة أقل ما يمكن أن توصف به سوى على أنها عظيمة، يقول: ”لا أقبل شيءا على أنه حسن بالنسبة لي، إلا إذا كان كذلك بالنسبة لجميع الناس” (23)، أي عندما أجد في هويتي تثمين لقيمي و معتقدي و تسفيه لمعتقد و قيم الآخر، لا أقبل هذه الفكرة في هويتي حسب سارتر، أو على الأقل تغييب هذه الأحكام أثناء التعامل مع الآخرين، هذا يدفع إلى شيء راقي جدا وهو المتجسد في أنني: عندما أختار قيمي حسب هذا المنطق أكون قد اخترت قيما كونية، وبذلك فباختياري لنفسي فإنني بالضرورة أختار للآخر-الإنسان كيف ما كان .

المركزية العربية: من عنصرية القبيلة إلى عِرقية الفقه:
السياسة والقبيلة:

ما أُسيء في القول إذ أنا أُفصح بالصواب، الذي هو أن الإسلام كدين فيه شحنة أخلاقية غير عِرقية، تستوعب إن هي احتُضنت من طرف قوم من الحضر، طائفة من البشر لا يجمعهم سوى اختلافهم الديني والإثني، أما إن احتضن هذا الدين قوم تغلب نفوسهم العصبية و يأنفون التغاير وتشق عليهم التعددية، فأكيد أن أمر هذا الدين هاويٍ إلى ما لهذا القوم من طبع على الواحدية والتناظر، وهذا شأن العرب وشأن الإسلام العربي، قوم لم يميز تاريخهم سوى عهود متطاولة دبَّت فيها الحروب القبلية ونَمَت، كما ينمو البقل في الأرض، فليس لأي مشروع مُكنة النجاح إن لم تتبناه القبيلة في عُرفهم، فحتى الإسلام لم يكن ليأخذ في الإنتشار لو لم تحمل لواءه القبائل(24)، التي بعد توحيدها عسكريا ودينيا، فتحت لهذا الدين أبواب التمكين، بل حتى نشره في الآفاق لم يكن متاحا لولا عصبية القبائل.

يكفيك على ذلك شاهدا، أن أشهر غزوة قام بها المسلمون وهي “غزوة أحد”، يروي البلاذري أن محاربا كان في صفوف المسلمين وقتئذ وقد أبلى في قتال جيش قريش، فلما بشروه بالجنة، قال: “أي جنة، والله ما قاتلت إلا حميةً لقومي” (25)، أي ما دفع المِغوار الإيمان إنما العصبية و الولاء لقبيلته، و بمثل هؤلاء نُصر الدين، عبر نصرة قبيلة من القبائل، فكما يلاحظ الجابري، كان أحد عوامل حَربِ قريش لمحمد ليس الدين في حد ذاته، وإنما رفع شأن قبيلة بني هاشم (التي ينتمي إليها صاحب الدعوة) فوق قيمة بني أمية و أبناء عمومتهم بني مخزوم(26)، ودليل ذلك أن أبا سفيان قد حدث وزار من النبي حط في أرضهم رحاله، فرآه عمر ابن الخطاب، فقال للزعيم: “يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني أضرب عنقه”، فقال العباس: “يا رسول الله قد أجرته”، فلما أكثر عمر في شأنه، أبى العباس عليه بصريح العبارة: “مهلا يا عمر، فوالله أن لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف” (27)، أي لو كان من قبيلتك ما دعوت إلى قتله، فمن جهة قتل عنصر من قبيلة ما عنصرا آخر منها يقلل من قيمتها، وما دامت قيمة الفرد تتحدد في قيمة من ينتمي إليه من القبائل، فأسهمه مرتفعة إن هي مرتفعة أسهم قبيلته، والعكس بالعكس، فالعباس هنا لم ينافح عن أبا سفيان، وإنما عن شأن ونسب من ينتمي لهم من فخود قريش، وقل نقيضه عن عمر، فالفاروق بإرادة قتل أبو سفيان يَستسفِل بني أمية، ويستعلي بني عدي وبني هاشم، ومن جهة أخرى فالتسرع إلى فعل القتل ضمن القبيلة قد يشعل حربا بدويةً لا قبل لأحد بتوقيفها هكذا فالرفض ليس للقتل في حد ذاته، وإنما الإشكال في: قتل من ينتمي إلى قبيلة ما حصرا، فما من خارج انتماء عليها، إلا ويجوز فيه القتل خصوصا إذا كان عاريا من أي حمية لقبيلة من القبائل، ولك أن تتخيل مرة أخرى توجيه العنصرية المباشر نحو “العنف”.

لعل هذا ما يوضح ما للإطار الاجتماعي الصحراوي المتمركز حول القبيلة، الذي نشأ فيه الإسلام من مَبعد الأثر على مؤسسيه الأكابر، لهذه الحقيقة ما تطبع “الإسلام العربي”(28) بطابع أكثر من طابع العنصرية والعصبية، التي تأسست عليها ثقاقة الصحراء قبل الإسلام وبعد خروج هذا الدين من أطراف عُقد التاريخ سوف تمتد متسربة روح عنصرية العرب و تمركزهم حول قبليتهم، إلى شعر وسياسة وفقه الدين الجديد، كما كانت منذ دهر.

لقد كانت السياسة أجَّل ما ظهرت فيه عنصرية العرب (بالضبط عرب قريش)، فها هو الزعيم قد مات، فاجتمع الناس في المسجد جماعات جماعات حسب انتمائهم القبلي، يقول ابن قتيبة: “إن بني هاشم قد اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى علي ابن أبي طالب ومعهم الزبير ابن العوام، واجتمعت بنو أمية إلى عثمان ابن عفان، واجتمعت بنو زهرة إلى سعد وعبد الرحمان بن عوف، حتى إذا أقبل عمر نهض فيهم: ما لي أراكم حِلَقاً شتى” (29)، هكذا كل قبيلة و كل فخد أو بطن من بطون العرب أخرج مترشحا للخلافة رجلا من أقربائه في القبيلة أو العشيرة، فهل للأنصار أن تفرط في تولي الأمر؟ أم للمهاجرين أمر آخر؟

اختلس من في نفوسهم شهوة إلى السلطان الطريق إلى سقيفة بني ساعدة، حيث عزم الأصحاب من الأنصار على بيعة سيد الخزرج سعد ابن عبادة، ما يعني ارتفاع شأن الأنصار عن قيمة قريش لو تمت البيعة. وصل أبو بكر و عمر إلى السقيفة وفرائسهم ترتعد، والشعور بفقد الأمر قد دب في نفوسهم، فتوجه الشيخ إلى المخاطب قائلا: لقد علمت يا سعد أن رسول الله قال و أنت قاعد بيننا، “قريش ولاة الأمر”، فـكعَّ الأنصار و نَكصوا، فاقترحوا حلا وسطا فاقترحوا على المهاجرين قسمة السلطة، فعرضوا: “منا أمير و منكم أمير” (30)، فرفض الأمر عمر ابن الخطاب فقال ساخرا: “هيهات، هيهات، لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه والله لا ترضى العرب أن تُؤمِّركُم ونبيها من غيركم، فالعرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم” (31)، و عزز موقف عمر كلام لأبي بكر إذ ادعى: “إننا أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة” (32).

جَبُنَتِ الأوس والخزرج فسمحت بتمرير البيعة إلى أبي بكرٍ، رغم دعوات بعض الأنصار للتشبث بحقهم في تولي الأمر، وإن رغب الأمر حمل السلاح، فقد دعى الحباب بن منذر إلى طرد المهاجرين من المدينة واحتكار الأنصار للسلطة، مصرحاً: “يا معشر الأنصار املكوا عليكم أيديكم، و لا تسمعوا مقالة هذا وصاحبه [يقصد مقالة عمر وأبو بكر]، فيذهبون بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا ما سألتم فأجلوهم عن بلادكم وتولوا هذا الأمر عليهم، فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم فإنه دان لهذا، فمن لم يكن يدين له فبأسيافنا، أما والله إن شئتم لنعيدنها جذعة، والله لا يرد عليَّ أحد ما أقول، إلا حطمت أنفه بالسيف(33)، إلا أنهم في النهاية و بتآمر وتواطؤ مع بعض الأنصار كـ بشير ابن سعد الذي حسد ابن عمه [سعد ابن عبادة]على الإمارة، فكان أول من بايع أبي بكر حتى قبل عمر وأبو عبيدة ابن الجراح، فتبعهم السواد من القوم.

اختارت الأنصار السلم، غير أن حِلمهم هذا قد استسفلهم في عيون القوم فانحط شأنهم، وبفعلهم ذاك قد رضوا بأن يضاف لشروط التَّأَمُّر وممارسة السياسة مالم ينزل الله به حكما قرآنيا، إذ تمت إضافة شرط “الإنتماء إلى قبيلة قريش حصرا” وهو غير قابل للتجاوز بغرض عقد البيعة، ولكم في ذلك من فداحة و خسارة للسياسة الإسلامية التي أوقعها هذا الشرط في مغبة الاستبداد البدوي العربي، حتى يومنا هذا.

بتمرير هذه الإضافة العنصرية تم حصر الخلافة في قبيلة قريش من دون باقي الأمة العربية الإسلامية، لعل ذلك ما يظهر بجلاء الوجه الحقيقي للسياسة العربية قبل وبعد الإسلام، كونها سياسة قبلية وعنصرية بين الإثنيات العربية المسلمة، فما بالك بالتمييز و العنصرية ضد غير المسلمين؟ فبعد هذه الواقعة تم وضع طبقات للمسلمين وللصحابة شاء أم أبى الوعي السُّنِي الأرثودكسي بذلك، فالمسلمين المهاجرين والصحابة الذين ينتمون إلى قبائلهم هم الطبقة العليا، وتحتهم مباشرة يتركز المسلمون الأنصار (من غير قريش) والصحابة الذين ينتمون إليهم، فحسب هذا التقسيم العنصري يكون أبو بكر و عمر أحسن من سعد ابن عبادة، ليس لشيء إلا لأن الأولين من قريش (قبيلة مركز)، و الأخير من الخزرج (أي قبيلة هامش)، لذلك انوجَبَت للأول الخلافة وانزاحت عن الثاني، بذلك حصرت الخلافة وأمر السياسة في الطبقة الأولى تحديدا دون غيرها من الطبقات، ليس لشيء سوى أنهم من قريش، حيث يعود نسب النبي.

إن من يقرأ تاريخ الصراع بين الصحابة يندهش، أوَ هل دخل هؤلاء في دين جديد فعلا؟ إذا وُجد الدين منطقا وُجِدت قاعدة مرجعية يعود إليها المختصمون لحل ما استزلهم إلى الاشتجار، أما الصحابة فقد تصرفوا بشأن ما شجر بينهم بوسائل ما قبل الإسلام، أي بوسيلة القبيلة و الحمية العشائرية والأنفة البدوية، فالعجب كل العجب أن يفاوض أبو بكر على الخلافة ولا ينطق بآية واحدة من القرآن، يستدل بها على مشروعية ما شاء أن يأتيه لنفسِه من أمر السلطة، والغريب أن يستحضر عمر ابن الخطاب كل المعجم القبلي وكأن ما من نبي جاء ولا كتاب نزل، ويعود القهقرى إلى منطق الجاهلية قائلا: “إنه والله لا ترضى العرب أن تُؤمِّركُم ونبيها من غيركم”، [غيركم] هنا ماذا تعني؟ ماذا لمعناها أن ينصرف غير أن الناس ليسوا سواسية، و أن النبي محمد ليس إنسانا ينتمي إلى البشرية التي كل أفرادها سواسية، وبالتالي كل من ينتمي لهذا الدين وللبشرية فجائزة له البيعة، غير أن في فاهمة عمر أن النبي محمد قُرشِيٌّ فوق الناس، وبالتالي فأي قرشي عداه من عشيرته أيضا هو الآخر فوقهم، وبالتالي فبعض الحقوق مُتقدِّمةٌ إليه دون سواه من غير القرشيين حتى لو كانوا مسلمين، هكذا كان الرجل يفكر، وهو تفكير أقل ما يقال عنه أنه تفكير عنصري دميم، ينتهك حقا من حقوق كل من ينتمي للإسلام دون قريش.

و حق لنا أن نتساؤل عن ماذا غَيَّرَ الإسلام في ثقافة العرب العنصرية؟ ولربما على ضوء ما تقدم، يحسن قلب السؤال إلى: كيف أثرت ثقافة العرب العنصرية على روح الإسلام؟

على كل حال، فهذا عن الأكابر، فماذا عن أبنائهم؟ من يستطلع رأي التاريخ يجد أن العنصرية والتمركز حول القبيلة قد زادت، بل أودت بمجموعة من الأصحاب كان بعضهم خلفاء [عمر- عثمان- علي- طلحة-الزبير-عمار ابن ياسر…]، والكثير من أبنائهم [الحسن والحسين أبناء علي، عبد الله ومصعب ابن الزبير…]، والأحداث الدامية عن ذلك عامرت بها بطون كتب تاريخ القوم، بَدلها أو قريبة منها، دعنا نذهب إلى واحدة من أكثرها سلمية، و أقواها توضيحا لسوداوية العنصرية العربية المتمركز حول الذات العشائرية.

فقد حدث أن اعتلى كاتب الوحي “معاوية بن أبي سفيان” عرش الخلافة وأنوف المسلمين ممرغة في التراب منتهكا بذلك شريعة السماء والأرض قاتلا في هذا السبيل أكثر من 200.000 إنسان من عرب وعجم ومسلمين وغير مسلمين، فكان من بين القتلى علي بن أبي طالب وأبنائه الحسن والحسين [أحفاد النبي]، فاختلف القوم أيّ من المسلمين تجوز له البيعة بعد اغتيال أخيار أهل البيت، فكان أحد المترشحين واحدا من أبناء علي وإخوان الحسن والحسين وهو: “محمد بن الحنفية”، غير أن تأمير الرجل لم يتم، ولأسباب عنصرية وقبلية مرة أخرى، فقد كان ابن الحنفية في وعي المسلمين العرب أدنى مرتبة من أخويه الحسنين، نسبا وحسبا، إذ كانت أم الرجل من قبيلة بني حنيفة وليس من قريش، وبالتأكيد فإن القبيلة الأخيرة أرفع شأناً من بني حنيفة في عُرف عرب آنئذ، فقريش من مضر وبنو حنيف من ربيعة، والمضريون يتعالون على الربيعيين من جهة النسب، أما من جهة الحسب، فأم الحسن والحسين هي فاطمة الزهراء بنت النبي محمد، أما ابن الحنفية فأمه هي “خولة بنت جعفر بن قيس”، ولا ذكر لأبيها في سجل الأحساب، زيادة عن ذلك فأم الحسنين حرة، أما أم ابن الحنفية فقد كانت “سَبِيَّة”، حيث تذكر المصادر أن: خالد بن الوليد سبى أم ابن الحنفية أثناء حروب الردة، وجاء بها مع الغنائم إلى المدينة، فأعطاها أبو بكر لعَلي، وفي رواية: أن بني خزيمة سبوها من قومها، فذهبوا بها إلى المدينة فاشتراها أسامة بن زيد، فابتاعها إلى علي بن أبي طالب(34)، وما كان من هذا الأخير إلا أن اغتصبها [وهو أمر مشروع في شريعة المسلمين]، فأنجبت “محمداً بن الحنفية”.

حسب التقاليد العنصرية العربية، فإن كرسي السلطنة لا تقتعد عليه مؤخرة ابن الأَمَة (أنثى العبد)، فلم يكن الأمويون ولا بعض العباسيين يولون العهد أبناء الإماء والسبايا، لكل هذا سقطت الخلافة عن ابن الحنفية ليس لأنه ليس من قريش بل فقط لأنه نصف قرشي، فأبوه علي قرشيٌّ أصيل، إلا أن أمه (النصف الآخر) كان نسبها لا ينتهي إلى أحد بطون قريش، زيادة على ذلك فإن هذه السيدة استعبدت من طرف المسلمين على إسلامها، وبيعت في أسواق النخاسة كأي خردة أو بضاعة طبيعية، ما يحط من شأن الإنسان وأبنائه، ويعدم فرص ارتقائه اجتماعيا وسياسيا، ذلك ما لقيه ابن الحنفية تماما.

العنصرية ضد ابن الحنفية قد امتزج فيها النسب والحسب والعبودية، ولتاريخ هذه الأخيرة في التاريخ الإسلامي أحداث تدمي القلوب، يكفيك العِلمُ أن عمر بن الخطاب قد وضع السبايا من أبناء الفُرسِ عقب الفتح في إسطبلات مفتوحة و محدودة بالشوك، كما يصنع الفلاحون بخرافهم وشياههم، وللسؤال أن يَنطرِح: هل كان يستطيع عمر أن يصنع بأبناء العرب، ما فعله بأبناء الفرس؟ كانت هذه الشناعة من عمر السبب الرئيسي الذي أصاب فارسيا بالحنق وهو “أبو لؤلؤة المجوسي”، الذي لم يكن له سوى أن يقتل عمر منتقماً لشعبه من هذا الإذلال الذي أصابه عقب الفتح الإسلامي.

فالعرب الفاتحون لم يكن الحياء يصيبهم جراء ما كانوا يقترفونه، من حيونة البشر الذين لم تكن تربطهم بهم أي آصرة قبلية، كما لم تبزغ في سماء ثقافتهم قط شمس الحرية والمساواة للجميع، بل صبر العرب من المسلمين على الظلم والاستبداد والقهر والطغيان من خلفائهم، ولم يكن يستدعي ذلك أحيانا أي رد فعل ثوري، لكن هاك اسمع ماذا فعل عرب الكوفة حينما عزم “المختار بن أبي عبيد الثقفي” على تقريب الموالي على حساب العرب، والمساواة بينهم، العبيد والأسياد في الحقوق، فما كان من العرب إلا أن أقاموا عليه ثورةً، وذبحوه في جوف مسجد الكوفة (35)، فعلى إقرارنا بأن وفاته كان لعداوته مع آل الزبير اليد الطولى فيها، إلا أنه حتى ما سنّه من جديد على سياسة العرب قد خطى به بسرعة نحو الحتف، رغم أن ما قام به المختار الثقفي من القصاص من قتلة الحسين بن علي، إذ غسل بذلك عار العرب، زيادة على أنه من القلة القليلة من نخبة الرجال الذين وقفوا أمام استبداد الدولة الأموية، ونزع الكوفة من أطراف نفوذها من أجل المضطهدين من المسلمين، إلا أن كل ذلك لم يشفع له، فالنضال من أجل شعب جبان لا يعادله سوى الانتحار.

الفقه:

لم تظهر العنصرية العربية بشكل فاقع بعد السياسة في شيء أكثر مما بدت في الفقه، فقد سودت آلاف الصفائح من كتب الفقه في أفضلية العِرق العربي على سائر الأعراق البشرية، كما لم يذخر الفقهاء جهدا في تشريع الأحكام الموجبة لإذلال غير العرب وغير المسلمين، فما من أحد له أدنى نظر في الفقه إلا وقد بلغه من ذلك طائفة، على نحو بعض مؤلفات ابن تيمية، ككتاب: “اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم”، وهو كتاب أنسب منه لا يوجد لتشريح العقلية العربية القبلية المتدثرة برداء الدين، زيادة عن كتاب “محجة القرب إلى محبة العرب” لعبد الرحيم بن الحسين العراقي في فضل العرب دون غيرهم، وكتاب “مسبوك الذهب في فضل العرب” لمرعي بن يوسف الكرمي، وكتاب “مبلغ الأرب في فخر العرب” لأبي العباس الهيثمي، وهي كتب تنضح بكل أصناف وأشكال المركزية العربية في أبشع صورها، وأكثرها أذية لأولئك الذين لا ينتمون إلى الثقافة التي تشكل موضوع هذه المركزية العنصرية.

لو ضربنا بأيدينا لكل هذه الكتب مريدين عرض ما احتوته، فإننا لن ننتهي بما نستطيب، ولن يصبح مع هذا العرض ما نزعم أننا كتبناه على شكل مقال متطاول، لكن حسبنا عرض مقتطفات توضح ما إليه نصبوا من كتابين فقط مما ذكرنا، وهما: “اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم” لابن تيمية، و “محجة القرب إلى محبة العرب” لعبد الرحيم بن الحسين العراقي، ولنستهل بأمر العرق العربي واللغة العربية وكيف رفعهما الفقهاء فوق باقي أعراق ولغات الشعوب.

من دون مقدمات شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: “والذي عليه أهل السنة والجماعة هو اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم و سريانيهم، روميهم و فريسيهم، وغيرهم“(36)، بالمقابل يقول مُحقق كتاب محجة القرب إلى محبة العرب: “أهل السنة والجماعة على أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، وأن كره العرب من الكُفر” (37)، ومتى علمتَ أن القوم بجهالتهم كان في اعتقادهم البشرية قسمان، أو إن أردت الدقة قل “جنسان”: جنس عربي، وآخر أعجمي لا غير، فماداموا قد رفعوا العرب فوق العجم، فهذا يعني أنهم قد فضلوا العرب على سائر الأمم والشعوب قاطبة.

يضيف الحَرَّاني: “إن قريشا أفضل العرب، وبني هاشم أفضل قريش، ورسول الله أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفسا، وأفضلهم نسبا. وليس فضل العرب، ثم قريش ثم بني هاشم لمجرد أن النبي منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم فضل” (38)، [في أنفسهم فضل] يعني أن العرب فطريا وبيولوجيا أفضل وأرقى من غيرهم من الأجناس، لك أن تقارن ذلك مع ما تقدم بشأن الأوربيين والعرق الآري، فالعِرقِية مما عَمَّت به البلوى عندنا وعندهم، ولنَزِدك من خَبَلِهم، فابن الحسين العراقي يَتَنظَّرُ العرب أفضل الأعراق، ليس لشيء سوى لأن منهم الله اصطفى النبي الخاتم، ويستدل الرجل على موقفه بأحاديث نبوية مبثوثة في غير ما كتاب للحديث (39)، وليس هذا في رأي فقيهيْنا من أمر ثقافة وعُرف العرب، بل اعتقاده واجب وهو من أمر الدين، الذي بانفراط عقده جِماع الدين يَنْتثِلُ ولا كل شروطه تَكتملُ، يقول ابن تيمية: “وذهبت فرقة من الناس إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم، وهؤلاء يسمون الشعوبيين، لانتصارهم للشعوب، والغالب أن هذا الكلام لا يصدر إلا عن منافق أو عن نوع نفاق” (40)، هذا عن استِذلال الأعراق نحو الأَسافِل، واستِقْمام عِرق العرب نحو الأعالي.

أما عن اللغة العربية فأمرها جلل، فإذا كان العرب عِرقيًّا الأرقى بين الأمم، فإنه بالتبع لغتهم هي الأفضل والأفصح، بل قد ارتأى الفقهاء أن لا إسلام من دون عربية، وليس على من ينشر الإسلام ألا ينشر بإزائه العربية، إنك أمام مد آفاق الإسلام كأنما أمام عولمة لثقافة العرب البدوية العنصرية، وسيأتيك من القرائن ما يدل على ذلك، ولك من الرؤوس وفقهاء المذاهب، فهذا مَالك، ذكر الحرَّاني [ابن تيمية] عنه في تأليفته هذه مايلي:”روى ابن قاسم في المدونة أن الإمام مالك قال: لا يُحرم بالأعجمية، ولا يدعو بها و لا يُحلف” (41)، و من الأصحاب “نهى علي بن أبي طالب عن التكلم بكلامهم”(42) يقصد كلام اليهود بلغتهم، ولعل أشهر موقف عنصري من الأكابر ذلك الذي ارتفعت به عقيرة عمر بن الخطاب، إذ يروي”أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف: حدثنا وكيع عن أبي هلال عن ابن بريدة قال، قال عمر: ما تكلم الرجل الفارسية إلا خب، ولا خب إلا ونقصت مروءته. وقال: لا تتعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم كنائسهم، فإن السخطة تنزل عليهم” (43).

يضيف ابن تيمية هذه الرواية عن النهي عن التكلم بغير العربية، قال:”عن سعيد بن العلاء البرذعي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم البلخي، عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال، قال رسول الله: من يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالأعجمية، فإنه يورث النفاق” (44)، وعلى هديه سار أحمد بطل فتنة القرآن، فهذا تلميذه يذكر: “وأما الخطاب بالأعجمية، من غير حاجة في أسماء الناس والشهور كالتواريخ و نحو ذلك، فهو منهي عنه، مع الجهل بالمعنى بلا ريب، أما مع العلم به فكلام أحمد بيِّنٌ في كراهته أيضا […] وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل عن الدعاء والصلاة بالفارسية، فكرهه وقال: لسان سوء” (45). إضافة إلى ذلك فإن في عقيدة بن الحسين العراقي لم ينزل وحي على نبي ولا مرسل بغير العربية(46)، بل حتى الجنة لن يكون كلام أهلها سوى باللغة العربية(47)، ولك أن تتخيل أن القوم استوعبوا الإسلام من داخل ثقافتهم لا من خارجها، فالجنة دُورُها خِيَمٌ ومشروبها خَمرٌ، وكلام أهلها عربيٌّ، و لباسهم العَمائمُ، ولربما مناخها صحراويٌّ، و على أبوابها جبل أبي قبيس وجبل قُعيقعان [جبلين يوجدان في مكة]، فليست الجنة في النسخة العربية من الإسلام، سوى الحجاز البدوي الذي طالما تهجَّسوا به في أحلامهم.

ويضيف ابن تيمية في النهاية موقفه بشأن النزيلة على هذا النحو، صرَّح: “وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية، التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، أو لأهل الدار، أو للرجل مع صاحبه أو لأهل السوق، أو للأمراء، أو لأهل الديون، أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه، كما أنه فيه من التشبه بالأعاجم ما نهى عنه الشرع، وهو مكروه، لهذا لما كان المسلمون المتقدمون سكنوا أرض الشام ومصر، ولغة أهلها رومية، وأرض العراق وخرسان ولغة أهلها فارسية، وأهل المغرب و لغة أهلها بربرية، عوّدوا أهل هذه البلاد على العربية، حتى غلبت على أهل هذه الأمصار، مسلمهم وكافرهم”(48).

لعلك تلاحظ هنا أن نشر الإسلام لا يضارع نشر دين، وإنما نشر ثقافة من نزل فيهم الدين أيضا، وبه يتضح لك أثر ثقافة العرب في تشكل ثقافة الإسلام، فعند ابن تيمية الأسلمة لا تنفصل عن التعريب، إذ يجب أن تتخلى عن ثقافتك كليا من عادات وتقاليد بل يجب أن تتخلى حتى عن لغتك الأم وتتبنى لغة العرب، كي تصير مسلما، حتى إذا خصَّكَ شيء من أمر الدين، قمت له مستجيبا بنفسك قارئاً ما نزَّل الله من الذكر باللغة التي تنزل بها لا بغيرها، لأجل ذلك حرَّم بعض الفقهاء ترجمة القرآن، فـ”قد منع مالك و أحمد وإسحاق، ترجمة القرآن إلى غير العربية” (49)، وذلك سداً لذريعة ترجمته إلى من لا يجيد العربية، فإذا كانت هذه الأخيرة أفضل لغة لأفضل عِرق، فما بال من انحطت أعراقهم ولغاتهم أن لا يجتهدوا في أثر تعلم لغة أفضل عِرق؟

واعلم أن موقف تفضيل عرق ولغة العرب ليس بقاصر على الفقهاء، بل هو مُمتدٌ حتى إلى بعض المفكرين والمتفلسفة العرب أو المُستعربين، فهاك اسمع ما يقوله فيلسوف المغرب الأقصى، بديع الزمن “طه عبد الرحمن”، صرَّح الرجل بأنه: “ليس في جميع الأمم، أمةٌ أوتيت من صحة العقيدة، وبلاغة اللسان، وسلامة العقل، مِثلَما أوتيت أمة العرب، تفضيلا من الله” (50)، ولاحظ إدخال الله والدين دائما في الحكم على العرب بالتفضيل العنصري دون باقي الأمم، حتى من طرف من يُظَنُّ بأن العقل قد عرج بهم وتَرفَّعَ، عن الخوض في بعض المواقف الطفولية كهذه، لكن الأمر بين عَينَيك.

لتوضيح مدى فُحش المركزية العربية، يَحْسُن لإكمال الصورة إضافة مشاهد من تعامل العرب المسلمين مع أهل الذمة، أي الكفار من غير العرب أو منهم (أحيانا) وغير المسلمين، فقد كان العرب عنصريين اتجاه بعضهم على أساس قبلي، وعندما أتى الإسلام أصبحوا عنصريين اتجاه البشرية جمعاء، إلى الحد الذي أصبح فيه العرب المسلمون لا يرون في غير العربي وغير المسلم شيئا أقل من حشرة، ولا أدل على ذلك من تشبيه القرآن نفسه للكفار بالكلاب وأحفاد القردة والخنازير، رغم أنه أجاز القسط إليهم، و تركهم يعيشون في أرض الإسلام، لكن وفق شروط، أقل ما يقال عنها أنها مُذِلَّة ومهينة للكرامة الإنسانية، تجسد العنصرية ضد المُختلف على أساس ديني في أحلك صورها.

وإليك ما جمعه شيخ الإسلام بشأن شروط وأحكام أهل الذمة، يقول: “كان أمير المؤمنين عمر، يشرط على أهل الذمة من الأحكام التالي: أن يوقروا المسلمين، و يقوموا لهم من المجلس إذا أراد المسلمون الجلوس، وأن لا يتشبهوا بالمسلمين في شيء، في لبسهم، قلنسواتهم، أو عَمائمهم أو نِعولهم، أو فَرق شعرهم، و لا يتكلموا بكلامهم، ولا يتكنَّوا بكُناهم، ولا يركبوا السروج، ولا يتقلَّدوا سيفاً، أو أيا من الأسلحة، و لا ينقشوا خواتهم بالعربية، و لا يبيعوا الخمور، وأن يَجُزُّوا مقادم رؤوسهم، ويلزموا ثوبا موحدا أينما سَعُوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، وألا يظهروا الصليب على كنائسهم، وألا يظهروا كتابا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، وألا يضربوا بنواقيسهم في كنائسهم إلا ضربا خفيفا، وألا يرفعوا أصواتهم عند أمواتهم” (51)، ويضاف عدم الزواج من المسلمين، ولا المسلمين منهم. و خُذ عن ابن تيمية زِيَّادَة أن: كل ما سنَّهُ النبي محمد من سُنةٍ، قد تفيد المودة والتآخي مع أهل الكتاب أو غيرهم من غير المسلمون، قد نُسخت (52)، ولم يبقى سوى السيف، أو الإسلام أو شروط أهل الذمة الإسلامية المجحفة.

إنه الفصل العنصري العربي، إنه الأبارتيد الإسلامي في نسخته العربية، ويقصد بالفصل العنصري عدم السماح لأهل مجتمع واحد بأن يندمجوا في بعضهم البعض ويحققوا التجانس في مجتمع موحد، وذلك بسبب ثقافة أو عادات وأديان وقوانين متغايرة، تجسدها جميعا طريقة تعامل المسلمين مع غيرهم في التاريخ، فـأيُّ عيشة في مكنة المرء تحت وطئة هذه الشروط، أَوَ ليس يجوز عَدُّ الدُّودِ والخَزِّ يعيش حرا سعيدا في الغابات، أفضل من عيشة أهل الذمة الكئيبة في أرض العرب أو في الأرض التي غزوها؟ أيُّ حياة مهضوم الحق في اختيار مجرد اللباس وقصة الشعر فيها؟ إنما أرض العرب بالنسبة لغير العرب وغير المسلمين “سجن مفتوح”، وليست حياة، ذلك وللعار لا زال سارياً إلى اليوم، فليس عليك للتأكد سوى متابعة أخبار الخادمات الإفريقيات في دور العرب، أو الإطلاع على ظروف اشتغال العمال الآسيويين المذلة الاستعبادية، في أرض القوم.

وإن كان في نفسك شك مما أسميناه بالأبارتيد العربي الإسلامي، اسمع ماذا ينقل الحَرَّانِي: “قد روى أبو الشيخ الأصبهاني، في شروط أهل الذمة بإسناده أن عمر بن الخطاب قال: ألا تكاتبوا أهل الذمة، فتجري بينكم و بينهم المودة، و لا تكنوهم، وأذلوهم ولا تظلموهم، و مُروا نساءهم أن يعقدن زناراتهم، ويرخين نواصيهن، ويرفعن عن سوقهن حتى يعرف زيهن من المسلمات، فإن رغبن عن ذلك فليدخلن في الإسلام طوعا أو كرها” (53)، أو ليس الفصل العنصريُّ يشاء ألا تجري المودة بين أفراد المجتمع الواحد وذلك على أساس العِرق أو الدين، ها هو قول عمر يثبت أن العرب عرفوه قبل غيرهم، فتمييز أفراد المجتمع الواحد عن بعضهم سُنَّة عربية إسلامية أصيلة، ولكن ماذا صنع حفيد الفاروق، فـ “عن عمر بن عبد العزيز أن نصارى من بني تغلب قدموا إليه، وقد كانوا يلبسون العمائم، فنزعها عنهم، و قصَّ من نواصيهم، و شق رداء كل واحد منهم شبرا يحتزم به، وقال: لا تركبوا السروج، واركبوا على الأكف، ودلوا رجليكم من شق واحد” (54)، طبعا فلا يلبس العمائم إلا الأشراف وأهل الحق كالعرب وليس غيرهم، ككفار بني تغلب، ومما يزيدك يقينا بعمق هذا الحقد على كل ما هو غير عربي إسلامي، العِلم بأن الفقهاء حرموا مجرد مصافحة المسلم للكافر، وانظر ماذا قال الإمام الخامس في الإسلام “سفيان الثوري”، ينقل الأصبهاني عن أن: “رجلاً سأل سفيان الثوري: أ أصافح اليهود و النصارى؟ فأجاب الثوري: إن كان برجلك فنعم، أما بيدك فـ لا” (55)، ومن لم يصافحك، فلا تأمن منه القتل. لذلك لا تستغرب إن رمقت عيناك مسلما مهاجرا يرفض مصافحة كافر آمنه من الجوع والخوف، فذلك نابع من عمق انتمائه العرقي.

على سبيل الختم:
إننا لم نسع في ما كتبناه، إلى الانتصار للأثيل على الدخيل، أو للذات على حساب الآخر، وإنما كانت غايتنا نقدهما معا، فليس للعرب على الغرب، ولا للغرب على العرب تفوق في ممارسة العنف الموجه عنصريا، إنما لكلاهما مركزيته الخاصة، المتقوقعة على ذاتيته الثقافية والعِرقية و الدينية والقَومية، والتي أكلت نارها شعوبا بأكملها، كإبادة الأرمن من طرف الأتراك، والهولوكوست النازي في حق اليهود.

إن تاريخ الإنسان بشكل عام عنوان لفشل هذا النوع، فبكل ثقافاته وأديانه وقوانينه وشرائعه وأخلاقه، لم يستطع بعد سن قاعدة قانونية واحدة لإقرار المساواة بين أفراد البشرية جمعاء، وذلك على سبيل التطبيق، لا على سبيل الإدعاء، وهو شرط العيش المشترك، فالقانون الخاص بالمجتمعات على ضعفه لم يكن ولم يعد قادرا على فرض السلم الإجتماعي، ولمقتضى انطباع العالم الحديث بظاهرة العولمة فإن سنّ قانون دولي عادل يساوي بين كل الشعوب ويمنع استفحال العنصرية بينها لاحاجة أثمن للبشرية منه.

_________________________________

إيحالات و مراجع:
(1) انظر مثلا، زيغموند باومان، "الحداثة السائلة"، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث و النشر، ط1، بيروت 2016.

(2) هربرت جورج ويلز، "معالم تاريخ الإنسانية- في المسيحية و الإسلام و العصور الوسطى و عصر النهضة"، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، الهيئة المصرية للكتاب، المجلد 3، ط4، القاهرة 1994، ص685-706.

(3) John Bagnell Bury, "A History Of Freedom Of Thought", New York, 1913, p32

(4) تشارلز وورث، "الإمبراطورية الرومانية"، ترجمة رمزي عبده جرجس، ط1، القاهرة 1999، ص175.

(5) ويل ديورنت، "قصة الحضارة"، ترجمة فؤاد أندراوس، ج38، دار الجيل، بيروت، ص185.

(6) Macdonald E. M, "A Short History Of The Inquisition", New York, Editor of The Eye, 1970, p75-76.

(7) كرين آرمرسترونع، "حقول الدم- الدين و تاريخ العنف"، ترجمة أسامة غاوجي، الشبكة العربية للأبحاث و النشر، ط1، بيروت 2016، ص 320 .

(8) Riley- Smith, "The First Crusade and the Idea of Crusading", London, Philadelphia; University Of Pennsylvania Press, 1986, p84-85.

(9) Raymond of Aguilers, in: "The First Crusade, The Acconts of Eyewitness and Participants", Edited and Translated by August C. Krey, Princeton, NJ; London, Princeton Univesity Press, 1921, p226.

(10) كرين آرمرسترونع، مرجع سابق، ص 324- 325 .

(11) John Robertson. M, "A Short History Of Freedom Of Thought", London, 1915, Vol 1, p 274.

(12) كرين آرمرسترونع، نفسه، ص 325 .

(13) نفسه، ص 326 .

(14) كرين آرمرسترونع، مرجع سابق، ص 395.

(15) نفسه، ص 396.

(16) نفسه، نفس الصفحة.

(17) هيغل، "العقل في التاريخ"، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت 2007، ط3 ، ص 59.

(18) جمع هذه المواقف العنصرية هاشم صالح في، "الإنتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ"، دار الساقي، بيروت 2013، ط1، ص 179.

(19) نفسه، نفس الصفحة.

(20) نفسه.

(21) Yves Benot, "les lumiéres- l'esclavage- la colonisation", La Découvert, Paris, .2005

(22) مواقف الفلاسفة الثلاث في، هاشه صالح، "الإنتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ"، مرجع سابق، ص176-177.

(23) جون بول سارتر، "الوجودية منزع إنساني" ، ترجمة محمد نجيب عبد المولى ، دار محمد علي للنشر ، تونس 2012 ، ط 1 ، ص 34 .

(24) محمد عابد الجابري، "العقل السياسي العربي- محدداته وتجلياته"، مركز دراسات الوحدة العربي، ط10، بيروت 2017، ص88.

(25) أحمد ابن يحيى ابن جابر البلاذري، "أنساب الأشراف"، ج1، جامعة الدول العربية: معهد المخطوطات العربية، القاهرة 1959، ص281.

(26) الجابري، مرجع سابق، ص88.

(27) أبو محمد عبد الملك ابن هشام، "السيرة النبوية"، ج2، تحقيق مصطفى السقا، سلسلة تراث الإسلام، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة 1955، ص403.

(28) لا أتحدث هنا عن الإسلام كدين، أو عن إسلام تركي، أو أندونيسي ، أو روسي شيشاني، أو أوربي، أتقصد بالضبط "الثقافة" التي تشكلت في أثر التفاعل التاريخي بين العرب والإسلام .

(29) أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري بن قتيبة، "الإمامة والسياسة"، ج1، تحقيق محمد طه الزبني، مكتبة مصطفى الحلبي، القاهرة 1963، ص 11.

(30) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، "تاريخ الأمم والملوك"، ج2، دار الكتاب العلمية، بيروت 1987، ط2، ص242.

(31) ابن قتيبة، "الإمامة والسياسة"، مرجع سابق، ج1، ص8.

(32) ابن قتيبة، نفسه، ج1، ص6.

(33) الطبري، "تاريخ الأمم والملوك"، مرجع سابق، ج2، ص243.

(34) مختلف الروايات حول أصول ابن الحنفية وأمه في: وداد القاضي، "الكيسانية في التاريخ والأدب"، دار الثقافة، بيروت 1974، ص233.

(35) انظر ترجمته عند البلاذري في، "أنساب الأشراف" ،مرجع سابق، ج6، ص 375-440.

(36) أحمد عبد الحليم ابن تيمية الحَرَّاني، "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم"، تحقيق ناصر بن عبد الكبير العقل، دار إشبيلية للنشر والتوزيع، الرياض 1998، ط2، الجزء1، ص419.

(37) الحافظ زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، "محجة القرب إلى محبة العرب"، تحقيق عبد العزيز بن عبد الله بن ابراهيم الزير آل حمد، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض (دون تاريخ)، ص 5.

(38) ابن تيمية، "اقتضاء الصراط المستقيم"، مرجع سابق، ج1، ص420.

(39) عبد الرحيم بن الحسين العراقي، "محجة القرب إلى محبة العرب"، مرجع سابق، ص 65.

(40) ابن تيمية، نفسه، ج1، ص 421.

(41) نفسه، ج1، ص 394- 395.

(42) نفسه، ص384.

(43) ابن أبي شيبة، "المصنف"، 11/9, رقم 6332.. ابن تيمية، نفسه، ص522.

(44) ابن تيمية، نفسه، ص523- 524.

(45) نفسه، ص520.

(46) عبد الرحيم بن الحسين العراقي، "محجة القرب"، مرجع سابق، ص433- 434.

(47) نفسه، ص 435- 436.

(48) ابن تيمية، "اقتضاء الصراط المستقيم" ، نفسه، ج1، ص 526.

(49) نفسه، ص520.

(50) طه عبد الرحمان، "تجديد المنهج في تقويم التراث"، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1994، ط2، ص 252.

(51) ابن تيمية، "اقتضاء الصراط المستقيم"، م.س.ذ، ج1، ص 363- 364.

(52) نفسه، ص 466.

(53) نفسه، ص 366.

(54) نفسه، ص 367.

(55) أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، "حلية الأولياء و طبقات الأصفياء"، مجلد 6، دار الريان للتراث، القاهرة- دار الكتاب العربي، بيروت 1987، ط5، ص 397.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: مهدي جعفر

تدقيق لغوي: بشرى مخازني

اترك تعليقا