تأخذك إلى أعماق الفكر

منظور “البطل المهووس” .. رسائل سينمائية ودرامية لعالم مُعتَل

في عَالَمٍ ينتحر فيه إنسانٌ كلّ 40 ثانية، وفقًا لتقريرٍ حديثٍ بثّته منظّمة الصّحة العالميّة، أصبحَ التّعاطي الجماهيريّ الواسع مع الأعمال الفنيّة التّي تُجسِّدُ شخصياتٍ سيكوباتيّة قاسيةً أمرًا منطقيًّا، ووصل للحدِّ الذّي نشهد فيه “تعاطُفًا كاملًا” مع كلّ ما يُعبِّرُ عن اختلالِ التّوازن النّفسيّ والعاطفيّ.

أنت .. الوديع القاتِل:

البطل السيكوباتي
مسلسل you
حالة الاحتفاء التي قُوبِلَ بها إعلان شاشة خدمة البث العملاقة نتفليكس (Netflix)، منذ فترةٍ عن تجديدِ الدّراما المثيرة “أنت (YOU) للموسم الثالث”، مُؤَكِّدةً أنّ شهورًا قليلةً تفصلُنا عن الموسم الجديد، تدفعُنا لتسليطِ الضّوء على هذا العمل الذّي جاء من على حافَّةِ الفشلِ إلى منصَّات التّتويج، حيث تمكَّنَ المسلسل من تسطير قصَّة نجاحٍ عالميةٍ لازالت تتردد أصداؤها حتّى الآنَ، وذلك بفضل “بطلِهِ السّيكوباتيّ” الذّي يقودُ سلسلةً من الحبكاتِ غير المُتوقَّعةِ، والشَّخصياتِ المثيرة. “حبيبٌ مثاليٌّ، وداعِمٌ حقيقيٌّ، وحاضِرٌ على الدَّوام، بإمكانه أنْ يَمنحكِ كلَّ شيءٍ ويحميكِ من الشُّرورِ، يتفانى في إخلاصه ومستعدٌ للقتلِ من أجلِكِ، ولكنْ إذا رفضِتِ حبَّه؛ لن يكون أمامَه إلَّا قتلك أنتِ”، بهذه التِّيْمَةِ الدَّراميّة تشكّل مسلسل “YOU”، والذَّي عانى قلَّة المُشاهداتِ في البدايةِ ما عرَّضَهُ للإلغاء، قبلَ أن تنفجرَ مواقعُ التَّواصلِ بالحديث عن “بطلٍ مهووس” جذبَ 40 مليون أسرةٍ لمشاهدةِ المُسلسلِ بسبب كاريزمَتِهِ وحُضورِهِ. بطلُ المسلسلِ “جو” هو شابٌ وسيمٌ وذكيٌّ، ما إن تراه للوهلةِ الأولى، حتّى يُبهرك بطلهُ بوسامتِهِ ووداعتِهِ، ومظهرِه الذَّي يُوحِي بالاتِّزانِ الشَّديدِ، ولكنْ سُرعانَ ما تُصَابُ بالذُّهولِ مع توالي الأحداثِ وانكشافِ شخصيَّتِهِ المُركّبَةِ التَّي تكونُ فتّاكةً مُستغلًا قدراتِهِ الخاصَّةَ في الكذبِ والإقناع. “جو” عاش طفولةً قاسيةً بين أبٍ مُسيءٍ وأمٍ مُستَهترَةٍ، ثم تعرّضَ لفترة مراهقةٍ مريرةٍ، تنقَّلَ خلالها بين دُورِ الرِّعايةِ المُختلفةِ، حتَّى تلقَّاهُ صاحبُ مكتبةٍ عجوزٌ في منتهى القسوةِ والغرائبيّةِ فأفسدَ ما تبقَّى من حياتِهِ، لنكونَ في الأخيرِ أمام بطلٍ بائسٍ في احتياجٍ دائمٍ للقُبولِ والحُبِّ، ولكنّه مُضطرِبٌ نفسيًا، لا يُؤَثِّرُ على ضحاياه فقط، بل ويَتلاعَبُ بعقلِ ومشاعرِ المُشاهدِ، فيلقى الاستحسانَ والتَّعاطُفَ بدلًا من رفضِ القاتِلِ واستهجانِهِ. البطل السيكوباتيتأتي أحدُ أكثرِ العواملِ المُثيرةِ حولَ المُسلسلِ والضَّجةِ التي اكتسبها في موسمِهِ الثَّاني، أنَّ البطلَ جو، لم يعدْ “المُختلَّ النَّفسيَّ أو السَّيكوباتيَّ” الوحيدَ، وإنَّما ظهرت شخصياتٌ أُخرى تضاهِيهِ شرًا وتسلُّطًا، ليواجِهَ جو نفسه للمرَّةِ الأولى، للدَّرجةِ التّي سيصبحُ بها في بعضِ الأحيان “مُطاردًا” بعد أن كانَ “مُفترِسًا أوحدًا”. لم تكنْ المرَّةَ الأولى التَّي نكونُ فيها بصددِ عملٍ فنيٍّ يقدِّمُ نموذجًا عن البطل ِالذَّي يُعاني تحتَ وطأةِ أحد أشكالِ الاعتلالِ النَّفسيّ، لكنَّها من المرَّاتِ القليلةِ التَّي جعلتْ من هذا “السَّكيوباتيّ” ركيزةَ العمل ومُحْوَره، حيثُ هو أساسُ كلّ شيءٍ، فالمشاهدُ يرى الأحداثَ وتفاعُلاتِها وتطوّراتِها من منظورِ هذا البطلِ، وهو ما يقودُنا إلى أعمالٍ أُخرى مُتقنَةٍ، ركَّزت على وجبةٍ فنيَّةِ قَوامُها الأساسيّ “البطل السّيكوباتيّ”. فقد تَوالت ِالأعمالُ التّي ثبتَّت أقدامَها على السَّاحةِ العالميَّةِ، انطلاقًا من تناول شخصيّةٍ مُركَّبةٍ ومعقَّدةٍ نفسيًّا، اعتمادًا على تَعطُّشِ المشاهدين لأعمالٍ تسبرُ أغوارَ الصّراعِ داخلَ النَّفسِ البشريَّةِ، وتَخوضُ في أبعادٍ نفسيَّةٍ قد تَصِلُ بالمُتلقيّ إلى حالةٍ من التَّطهُرِ، وتفريغِ شُحناتِ الانفعالاتِ والمشاعرِ المَكبوتةِ. وتزخرُ الذّاكرة الفنيّةُ العالميَّةُ بأيقوناتٍ اعتمدَتْ على “أبطالٍ سيكوباتيين”، وأعمالٍ فنيّة اكتسبَتْ زخمَها بسببِ غرابةِ الأبطالِ وهَوسِهم بالتَّأثيرِ على الآخرين والتَّلاعُبِ بأفكارِهم، والتَّلذُذِ بإلحاقِ الأذى بمن في مُحيطِهم.

نماذج مشابهة

البطل السيكوباتي
gone girl
“فتاةٌ مفقودةٌ” فيلمُ الافتتاحِ في مهرجان نيويورك الثّاني والخمسين للأفلامِ، الذَّي ترشَّحَ لأربعَةِ جوائز في الجولدن جلوب، صاحِبُ أحد أشهرِ الالتواءاتِ في تاريخِ السّينما، حملَ اقتباسٌ معروفٌ:”نيك دان أخذ منّي اعتزازي بذاتِي وكرامَتِي وآمالِي وأموالِي.. هذا هو القَتْلُ”، وهو للمخرجِ الشّهيرِ ديفيد فيشنر المعروفِ بأعمالِهِ التَّي تَمزُجُ الإثارةَ بالأبعادِ النّفسيَّةِ، حيثُ امرأة جميلة تختفي لتترُكَ الشُّكوكَ حول زوجِها الذَّي ينالُ سَخطَ المُجتَمعِ. الزّوج الذّي يُصبِحُ أكثرَ شخصيَّةٍ مَكروهةٍ في الولاياتِ المتّحدةِ، يصبحُ مُتهمًا رسميًا بقتلِ زوجتِهِ، قبلَ أنْ تُفصِحَ لنا الأحداثُ عن أنَّ الزوجةَ ليست بهذا الضَّعفِ، وإنَّما شخصيَّة شديدة السَّيكوباتيَّة تملكُ سلطةً جنونيَّةً وأذىً شيطانيِّ، فبرَكَت أدلَّةَ غيابها وأوهمَت الجميعَ بأنّها مُغتَصَبةٌ وُمخْتَطَفَةٌ لإظهارِ زوجها كشخصٍ بغيضٍ وخائِنٍ.
البطل السيكوباتي
جاك نيكلسون في the shining
فيلمُ البريقِ لجاك نيكلسون ، والذَّي نادرًا ما تخلو قائمةٌ تضمُّ أفضلَ أفلامِ الرُّعبِ النَّفسيّ من وجودِهِ، نشاهدُ فيهِ ذهابَ الكاتب جاك تورانس مع زوجتِهِ وابنِهِ طواعيةً للعملِ بأحدِ الفنادقِ، رغمَ علمِه بقصَّةِ حارسِ الفُندقِ السَّابقِ، الذَّي فقدَ صوابَهُ وقامَ بقتلِ ابنتيهِ التَّوأمِ وزوجتِه بفأسٍ. يتحوَّلُ جاك الذّي جاءَ لكتابةِ روايتِهِ في مكانٍ هادئٍ، إلى مريضٍ باعتلالٍ في شخصيَّتِهِ، وتبدأُ أعراضُ السَّيكوباتيَّة بالظُّهورِ عليه مُحاولًا تقطيعَ زوجتِهِ وابنِهِ بفأسٍ، لنكتشفَ في النَّهايةِ أنّ انقطاعَهُ لساعاتٍ من أجلِ الكتابةِ، لايسفرُ إلَّا عن جملةٍ واحدةٍ مكرّرةٍ إلى ما لا نهاية، دَوَّنَ فيها: “العملُ دائمًا دُونَ ترفيهٍ، يجعلُ من جاك ولدًا مُملاً”.
مادز ميكيلسين من مسلسل Hannibal
في مسلسل “هانيبال Hannibal” الذَّي استمرَّ لثلاثةِ مواسمَ كاملةٍ أتقنَ المُمثّلُ الدّانماركيّ (مادز ميكيلسين) دَوْرَ (هانيبال) بشكلٍ ساحرٍ، حيثُ تندهِشُ من رؤيتِكَ للقُدرةِ التَّي يتمتَّعُ بها بطلُ المُسلسلِ على جذبِ النَّاسِ إلى درجةٍ يُصبحونَ بلا حولٍ ولا قوَّةٍ لمنعِهِ من نهشِ أعضائِهم الحيّة. ولا تفوتُنا الإشارةُ إلى أحدِ أعظمِ وأشهرِ الشَّخصياتِ السّيكوباتيَّةِ التَّي أَسرَت العالمَ، “الجوكر” والذَّي وصَلت ذُروةُ تَفاعُلِ المُتلقيِّ مع شخصيَّتِهِ التَّي لَعبَها المُمثِّلُ الرَّاحِلُ “هيث ليدجر” والذَّي يُصنَّفُ كأفضل من قاموا بمعالجةٍ فنيَةٍ للشَّخصيَّةِ السَّيكوباتيَّةِ، للدّرجةِ التَّي انصهرَ فيها قلبًا وقالِبًا مع شخصيَّةِ القاتِل السَّيكوباتيَ، حتّى يَكادُ يُنسِيكَ حقيقةَ من يكون ولا تعرفه إلا بكونِهِ الشَّخصيَّة التّي يُؤدِّيها.  
البطل السيكوباتي
هيث ليدجر من فيلم the dark knight
تَماهِي المشاهدين مع شخصيَّةِ الجوكر، والتَّي حازَ عليها ليدجر جائزةَ الأُوسكارِ، للدَّرجةِ التَّي أكّدوا فيها أنَّ هيث ليدجر أوَّل ضحايا الجوكر، وقد وصفَ المُمثّلُ الاستراليّ الشَّخصيَّة بأنَّه: “مُهرِّجٌ سفَّاحٌ سيكوباتيّ عديمُ الشَّفقةِ”، قبل أنْ يَتمّ العثورُ على ليدجر متوفيًّا إثرَ تَعاطِي جُرعَةٍ زائدةٍ من العقَّاراتِ المَوصوفِةِ له للتَّغلُّبِ على العوارضِ الصِّحيَّةِ التَّي لازمته فترةَ تأديةِ شخصيَّةٍ شديدةِ القتامَةِ والجنونِ.

قواسمُ مشتركة

مايجمعُ بينَ هذهِ الأعمالِ أنَّها تَغوصُ في أعماقِ النَّوازعِ البشريَّةِ لتكشُفَ عن مَواطِنِ الخَللِ داخلَ بطلٍ لطيفٍ يبدو في غايةِ الرِّقّةِ من الخارجِ، بينما تَعتَمِلُ في نفسِهِ رغباتٌ مكبوتةٌ وظروفٌ مجتمعيَّةٌ قاسيةٌ جعلت منه قاتلًا سيكوباتيّا، يتركُ خلفَهُ سلسلةً من الضَّحايا أمعَنَ في تعذيبِهم وقتلِهم، لا لشيءٍ إلَّا لتغذيةِ رغباتٍ نفسيَّةٍ ساديَّةٍ مُختَلَّةٍ. كما أنَّ أحد أبرزِ القواسمِ المُشتركةِ، مُتعلِّقٌ بما جرى للشَّخصِ السَّيكوباتيّ في مرحلةِ طُفولَتِهِ، لنطوفَ على الدَّوامِ في رحلةٍ شاقَّةٍ مليئةٍ بالمآسي التَّي تعرَّضَ لها البطلُ في مراحِلِ تكوينِه الأُولى والتَّي تَنعكِسُ على مُستقبلِهِ بمزيدٍ من التَّعقيدِ والانحرافِ في الشَّخصيَّةِ. وقد تطوَّرتِ الأعمالُ التَّي تُوظِّفُ البطلَ السَّيكوباتيّ من مراحلَ، كانت فيها تعتمدُ على إظهارِ الجانبِ السَّوداويّ الشّريرِ بشكلٍ مُجرَّدٍ في البطلِ السّيكوباتيّ، فيما باتت تعتمدُ الآنَ على توليفةٍ، تَخلُطُ الحبَّ والجمالَ بالعُنفِ والقتلِ والدّمويَّةِ ممَّا خلقَ مَزيجًا مُميَّزًا مُمتِعًا وصادِمًا في الوقتِ ذاتِهِ.

126 مُختَلًا على الشَّاشةِ

تَولَّدت رغبةٌ مُلحَّةًٌ لدى أستاذِ الطّب النَّفسيّ البلجيكيّ “صموئيل ليستد”، دَفعَتْهُ في العام 2014م، إلى إجراءِ تصنيفٍ وتحليلٍ لمُختلفِ الشَّخصيَّاتِ السّينمائيَّةِ السّيكوباتيَّةِ التّي تمَّ تجسيدُها على الشَّاشةِ، بهدفٍ أساسيٍّ وهو التَّوصُلُ لمعرفةِ أيٍّ من تلكَ الشّخصياتِ السّينمائيَّةِ، الأكثر تعبيرًا عن شخصيَّةِ المُعتلِّ النَّفسيّ السّيكوباتيّ، ليدفعَ بأنَّه حتّى الآنَ، يتمُّ الخَلطُ بين التّعريفاتِ الطّبيّةِ النّفسيَّةِ، وبين المُعالجةِ الفنيَّةِ لمسألةِ الخللِ العقليّ، بعد تكرارِ ثيمةِ “السَّيكوباتيّ الذّي يعني أنَّه مزيجٌ ما بين برودِ الأعصابِ وارتكابِ العُنفِ“. مجلة “بيزنس إنسايدر” والتَّي تَصدرُ لها طبعاتٌ في 16 دولةٍ كبرى حولَ العالَمِ، ذكرت في تقريرٍ لها عام 2018م، أنَّ العالِمَ ليستد قامَ على الفورِ بدعوةِ 10 من أصدقائِهِ الباحثين المُقرَّبين، لمعاونتِهِ على تحدٍّ يتمثَّلُ في مشاهدةِ 400 فيلمًا على مدار ثلاث سنواتٍ، وحدَّد نِطاقًا زمنيًا لتلك الأعمال، وحصرها في تلك التَّي يعود إنتاجها من عام 1915م وحتى عام 2010م. وانتهى صموئيل وأصدقاؤه من هدفهم المَنشودِ، حيثُ شاهدوا تلك الأفلامَ كلّها بتمعُّنٍ شديدٍ، ليخرجوا مُعلِنين عن براعةِ الفنّ في تجسيدِ “126 شخصيَّةٍ سينمائيَّةٍ” عبَّرت بشكلٍ كبيرٍ واقتربَت من صفاتِ المُختلِّ عقليًّا، بمفهومِهِ الصَّحيحِ، وخَلصوا إلى الملاحظاتِ التَّاليةِ:
البطل السيكوباتي
خافيير برديم من فيلم No Country for Old Men
أوّلُها المُتعلّقُ بالشَّخصيَّةِ الأكثر تعبيرًا عن “المُختلّ عقليًا، حيثُ سادَ اتِّفاقٌ بين أصدقاءِ صموئيل ليستد، في تقريرِهم، بعد مشاهداتِهم المُطوَّلةِ أنَّ شخصيَّةَ القاتِلِ “أنطون شيغورغ”، التَّي جسَّدَها المُمثِّل الإسبانيّ خافيير بارديم في أحداثِ فيلم “No Country for Old Men”، هي الأكثرُ تعبيرًا عن شخصيَّةِ المريضِ النَّفسيّ في الواقعِ، وهو الدَّورُ الذّي حازَ عليهِ باردييم على جائزةِ الأُوسكارِ، وذلك لبراعةِ الدَّور الشَّديدةِ في إعمال مزيجٍ موفّقٍ بين العُنفِ والدِّماءِ الباردةِ، تحديدًا خلالَ مشاهِدِ قتلِهِ لضحاياهُ، بواسطةِ مُسدَّسِ ضغطِ الهواء، والمَعهود استخدامه في قتلِ الماشيةِ.
White Heat
ثانيًا، أنَّ الأفلامَ العتيقةَ أو المعروفةَ بـ”الكلاسيكيَّة” لم تكنْ موفَّقةً في التَّعبيرِ عن “السّيكوباتيّين”، حيثُ اعتمدت بعضُ الأفلامِ الكلاسيكيّة القديمة، على تصويرِ رجالِ العصاباتِ، أمثالِ “كودي جاريت” في فيلم “White Heat” من إنتاج 1949م، بأنَّهم مرضى نفسيّين، مُعتمدِين على “مبالغاتٍ” غير مبنيَّةٍ على معلوماتٍ واقعيَّةٍ، من حيثُ تصوير المعتلّينَ نفسيًا، بأنَّهم ساديّين لا يمكنُ التَّنبؤ بتصرُّفاتِهم، وأغرقوا في تصويرِهِم كمنحرفين جنسيًا، وغير مستقرّين عاطفيًا، وألحقوا تصرُّفاتِهِم على الدَّوامِ بمجرَّدِ ضحكاتٍ شريرةٍ بدائيَّةٍ.
جيسون فورهيز وفريدي كروغر
ثالثًا، اصطدمَ الفريقُ بمفاجأةٍ، وهي أنَّ أشهرَ من سفكوا الدِّماءَ في أعمالٍ صُنِّفَت على أنَّها تعتمدُ على الرُّعبِ النّفسيّ، لم يكونوا “سيكوباتيّين” أو مختلّين عقليًا بالمعنى الدَّقيقِ، وأنَّه في شخصيَّاتِ السّفاحَين الشّهيرَين “جيسون فورهيز” و”فريدي كروغر”، لا يُجسِّدون مفهومًا واقعيًا لـ “المُختلّ عقليًا”. وخلصَ الفريقُ إلى أنَّ تلكَ الشّخصيَّات المَشهورةَ، والتَّي تمَّ التَّرويجُ لها على أساسِ أنّها “سيكوباتيَّة” اعتمدَت على صُورٍ نمطيَّةٍ لتمثيلاتٍ شريرةٍ شعبيّةٍ للقتلةِ الخياليّين أكثرَ من تمثيلاتٍ نفسيَّةٍ مُثيرةٍ للاهتمامِ، وأحيانًا صوَّروهم خارقين يملكونَ مهاراتٍ لافتًة في الذَّكاءِ والقُدرةِ على التَّنبؤ بالخطَّةِ التّي سيلجأ إليها الضّحايا في الهروبِ.
شارون ستون من فيلم basic instinct
رابعًا، استخرجَ الفريقُ من خُلاصةِ مُشاهَدَاتِهم، أنَّ “النّساءَ” السَّايكوباتيّة، أو المُختلَّاتِ عقليًا نادراتٍ في السّينما، كما هو الحالُ في الواقعِ الفعليّ، حيثُ استخرجَ التّقريرُ 21 شخصيَّة نسائيّة من أصلِ 126 شخصيَّة، نطبقُ عليهُنَّ الخللُ العقليّ، وهنّ اللّواتي يَعتمدْنَ بشكلٍ أساسيّ على “الجنسِ” للتَّلاعُبِ بالعُقُولِ، مثل شخصيَّة المُمثّلةِ شارون ستون في فيلمِها الشَّهيرِ “Basic Instinct”، وهو نمطٌ نادرُ الوجودِ في الواقعِ الحقيقيّ، وتمّ استخدامُ الحبكاتِ السّينمائيَّةِ المُتخيَّلةِ لإضافةِ الإثارةِ والجذبِ ليسَ أكثر.
أنتوني هوبكينز من فيلم Silence of the Lambs
خامسًا، الشَّخصيَّة الأساسيَّة في الفيلمِ الأيقونيّ “صَمْتُ الحِمْلان” ليسَ مُختلًا عقليًا بالمعنى الذَّي يتمُّ تعريفُ الفيلمِ بهِ، حيثُ استقرَّ صوئيل ليستد وأصدقاؤه في تقريرِهِم، إلى أنَّ شخصيّاتٍ مثل “باتريك بيتمان” من فيلم “American Psycho”، والطَّبيبِ آكلِ لُحُومِ البشر “هانيبال ليكتر” من فيلم “Silence of the Lambs” “صَمْتِ الحِمْلان”، والتَّي جسَّدَها الممثل البريطانيّ أنطوني هوبكنز تُصنَّفُ بشكلٍ أساسيّ في خانةِ”التَّسليةِ والفزعِ والرُّعبِ”، ولكنْ لا يَتوافرُ فيها مواصفاتُ “السَّايكوباتيّ” أو الذَّي يُعانِي اختلالًا عقليًا.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.