تأخذك إلى أعماق الفكر

ملاحظات حول معنى الحياة

منذ فترة وقع في يدي دفتر كنت أدون فيه يومياتي وملاحظات فكرية، كل ما في الدفتر مكتوب منذ حوالي عشر سنوات، ضحكت وأنا أقرأ، ضحكت وبي شيء من الخجل من ضحالة أفكاري القديمة، وأدهشني كيفية اختلاف نظرتي الحالية لأمور الحياة وبين ما هو مكتوب.
أعني أن رأيي في الحياة ونظرتي لها اختلفت تمامًا، وأتوقع أنها ستختلف عما هي عليه الآن.
تذكرت قصة الدفتر عندما طلبت مني صديقتي أن أحكي عن معنى الحياة. والذي أريد قوله بداية: أن معنى الحياة هو شيء ذاتي، أي شخصي، يعتمد على الشخص الذي يعتقد فيه، فليس العالم في مجموعه يخضع لمعنى موضوعي نستطيع التحقق منه أو حتى تكذيبه، أو يمكن أن يعتقده كل الناس.

لقد أفقد العلم الحديث science البحث عن العلة الغائية مكانتها، أعني بحثنا عن غاية الأشياء، وإذا صح ذلك مع أمور كثيرة نستيطع أن لا نتسائل عن الغايات، فذلك لا يمكن مع الحياة؛ لأننا في حاجة ماسة للكشف عن معناها وما يدفعنا للعيش: “فكل الكائنات الحية، سواء كانت حيوانات أو بشرًا، ترغب بالحياة، ولا تموت هذه الرغبة إلا ضمن ظروف استثنائية غير طبيعية؛ مثل رزوح المرء تحت ألم لا يمكن احتماله، أو عندما تجتاح الإنسان مشاعر جارفة مثل الحب والكره والفخر والولاء… فالحقيقتان اللتان لا تحتاجان إلى تفسير هما: “نحن نرغب بالحياة”، و”نحن نحب الحياة”، لكن الأسئلة التي تحتاج إجابة هي “كيف نرغب أن نعيش؟” ” ما الذي نبتغيه من الحياة؟” مالذي يجعل الحياة ذات معنى بالنسبة لنا؟”(1)

يقول ذلك عالم النفس الألماني إريك فروم في كتابه “فن الوجود“، ثم يخلص إلى أن الناس تجيب عن هذا السؤال بطرق مختلفة، منهم من يقول أنه يرغب بالحب، وآخر بالسلطة…إلخ، لكنهم يتفقون على أن ما يرغبون به هو السعادة.

أعود فأقول إن الحياة ككل، ليس لها معنى موضوعي، بل إن حياة الفرد نفسه، ليس لها معنى موضوعي بل هو ذاتي. كما أنها ليست ذات معنى جاهز منذ البداية، إنني أتصور المعنى شيء يأتي بعد التجربة وليس سابقًا عليها، أعني أنني أمر في حياتي بتجارب كثيرة ومن ثم أستخلص المعنى من تجاربي تلك.

وفي اعتقادي أن السؤال الأصح هو ما الذي يدفعني في حياتي لأعيش واستيقظ مبكرًا من فراشي؟
حتى إن كانت الحياة ككل بلا معنى موضوعي، وتحتاج من ينظر إليها نظرة خارجية ليعرف معناها، ويقول بعد رؤيته لتاريخ الحياة ككل إن معناها كذا وكذا، أقصد أن معنى الحياة ككل يحتاج إلى نظرة خارجية، فكما أنني لا أستيطع معرفة شكل مجرتنا لأننا بداخلها ويتحتم علينا كي نراها أن ننظر لها من الخارج، كذلك يكون معنى الحياة ككل لا بد وأن ينظر له من الخارج، ولعل هذا ما كان يعنيه فتجنشتاين حين قال:” معنى العالم لا بد أن يكون خارج العالم”
“Sense of the world must be out side of the world”.
أقول رغم صعوبة معرفة معنى الحياة ككل، إلا أنني أحتاج معرفة معنى حياتي، أو بمعنى أصح ما الذي يدفعني لأعيش؟

إعلان

معنى الحياة بالنسبة لي هو شيء نصنعه من خلال شيء ما يدفعنا لصنعه، أعني حافزًا يدفعنا للعمل، وفي اعتقادي أن هذا الحافز هو “الإيمان”.
على أن نفهم كلمة الإيمان بمعنى واسع؛ فليس الإيمان الذي أعنيه هو الإيمان الديني فقط، وإنما هو كما عرفه بول تيليش” الانشغال بهم إلى أقصى حد”.(2)

Faith is the state of being ultimately concerned
فإذا اهتم الإنسان بشيء ما وجعله هم أقصى بالنسبة له أي “آمن” بهذا الشيء فإنه سيضحي بحياته لأجل هذا الشيء.
“فلو اتخذت جماعة قومية من حياة الأمة ونموها همًا أقصى لها، لتطلبت منها التضحية بجميع الهموم الأخرى؛ كالرفاهية الاقتصادية، والصحة والحياة”.(3)

الإيمان بمعناه الواسع إذن يكون إيمانًا بالديموقراطية أو الدولة أو العلم أو القوميات…إلخ.

مثلًا ما يدفعني أنا لأعيش هو إرادتي في فهم القوانين الطبيعية التي تحكم العالم وإيماني بأن هذا الطريق هو الأصلح للإنسانية، إيماني بشيء كهذا هو ما سيدفعني للحياة.

لكنه قد يحدث بين الحين والآخر أن نفقد إيماننا بهذا الشيء، ومن ثم نفقد ما كان يدفعنا للحياة، وعندئذ يكون علينا أن نجد شيئًا أكبر من ذلك يستقيم مع ذواتنا لنؤمن به ويدفعنا مرة أخرى للحياة.

معنى حياة الفرد إذن، أو الدافع الذي يدفعه للعمل والحياة، ليس شيئًا ثابتًا، وإنما هو متغير ومتجدد، ومن هنا تكون للإنسان كل فترة نظرة جديدة للحياة، ودوافع جديدة، ولذا قيل عن الإنسان بحق أنه كائن يتجاوز ماهيته على الدوام ولا يقف بها حدًا ما.
الذي يفقد الإيمان، يفقد كل ما يدفعه للحياة ويربطه بها، وقد ينتهي إلى فكرة عدمية أو عبثية عن الحياة.
تكذب إذن الكتب التي تحاول أن تعلمنا معنى الحياة، أو تقول لنا فكرة ثابتة عنها، لأن الحياة ليست ذات معنى ثابت، وإنما هى تجارب متعددة، نخرج من كل تجربة منها بمعنى ما وإيمان كان يدفعنا لفعل ما فعلناه.

لكن هل يستحق إيماننا بشيء ما أن يكون حافزًا؟ أيصح بناء حياتنا على براهين غير عقلانية وغير منطقية؟ لأن “الإيمان” في صميمه قوة غير عقلانية من مستوى إدراك مختلف.
أميل للإجابة على هذا السؤال بما فسره الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس عن “إرادة الاعتقاد”.

“قناعاتنا بشكل عام، لا تستند دائمًا إلى براهين عقلية (مثل إيماننا بالحقيقة نفسها) “فطبيعتنا غير الفكر تؤثر في قناعاتنا. فهناك ميول عاطفية وإرادات أخرى تعمل قبل الاعتقاد وبعده؛ لذلك إذا سألنا متشكك متشدد كيف نبرهن على معارفنا، فهل يمكن لمنطقنا العقلي العثور على رد؟ لا، لا يمكنه الرد بالتأكيد. إن المسألة هنا مجرد إرادة ضد أخرى، ولكن هذا لا يعني أن البشر يستطيعون الإيمان بأي فكرة ما خلا الإرادة وحدها؛ على سبيل المثال: (إن مجموع الدولارين اللذين في جيبي مائة دولار) ولكن يحب أن يكون هناك ميل مسبق، للاعتقاد بهذه الفكرة. فإذا استمر التيار الكلي للفكر في تأكيد فكرة ما، فهذا هو معنى كونها صحيحة”.(4)

فمسألة الدافع تحتاج إلى حل كهذا، وإن كان في جوهره غير عقلاني فإن له نتائج عملية مفيدة، تعين الإنسان على المضي قدمًا في الحياة، ولذا “فالإراداة حرة في اعتقادها، طالما أن العقل لا يستطيع الوصول إلى حل بنفسه”.(4)
يختار البشر اعتقادات مختلفة بحسب التكوين الشخصي والنفسي لكل فرد وعلى حسب استعداداتهم الوراثية.

كما يمكن التفرقة بين نوعين من الإيمان. يرى إريك فروم أنه على “الإنسان أن يفرق بين الإيمان العقلاني والإيمان اللاعقلاني”.(5)
والإيمان اللاعقلاني يكون “قائمًا على خضوع الإنسان لسلطة غير عقلانية”.(5)
وذلك بعكس “الإيمان العقلاني الذي ليس إيمانًا بشيء بل هو صفة اليقين والصلابة التي في قناعتنا. الإيمان هو طابع الشخصية المحيط بالشخصية كلها أكثر منه معتقدًا خاصًا”.(5)

وإذا نظرنا للتاريخ، وتحديدًا تاريخ العلوم، كان للإيمان بأشياء معينة إنجازات كبيرة جدًا، وفي سعي العلماء لإثبات معتقداتهم اكتشفوا أمورًا جديرة بالإعجاب”فتاريخ العلوم يحفل بأمثلة كثيرة للإيمان بالعقل ورؤى الحقيقة. لقد كان كوبر نيقوس وكيبلر وجاليلو ونيوتن مشبعين جميعًا بإيمان لا يتزعزع بالعقل. ولهذا أحرق برنو في المحرقة، وعانى اسبينوزا النبذ من الطائفة اليهودية”.(5)
ومع ذلك فإن التحلي بالإيمان بشيء ما ليس أمرًا سهلًا، ويحتاج من قوى الإنسان الكثير فهو “يقتضي الشجاعة، القدرة على المخاطرة، الاستعداد حتى لتقبل الألم وخيبة الأمل. ومن يتمسك بالأمان والسلام كشرطين أولين للحياة ليس لديه إيمان”.(5)

والآن إذا كنت سأقول رأيًا ما عن حياتي، فسأقول أنني أرى أحداث العالم لا هي خير ولا شر وإنما نحن الذين نفسر هذه الأحداث بطرق مختلفة حسب مزاجنا وتكويننا الفكري والثقافي. لقد علمتني الفترة الأخيرة من حياتي أن أنظر إلى الأمور كلها بعين الرضا وعدم مقاومة تيار الأحداث، بل الانسجام معه، وليس ذلك يأسًا من العالم، بل محاولة للانسجام معه ومحاولة لفهم هذا العالم وتطويره لصالح الإنسان، ولأننا لا نأخذه على محمل الجد كما يقول كونديرا.

إنني وإن كنت لا أرى جانب مشرق من الحياة فإنني أعمل دائمًا. حتى إن توقفت كل الرياح التي تساعدنا وتدفعنا، فهناك محاولة مني لدفع قاربي، أو كما يقول الشاعر الأمريكي تشارلز سيميك:
ماتت الريح
يا قاربي الصغير
انتبه
لا أرض على مرمى البصر.

إهداء: إلى ضحى حمد، شيء بسيط تعبيرًا عن امتناني وشكري، والتي لولاها ما كنت لأكتب هذا المقال.

المراجع
(1)إريك فروم، فن الوجود، ترجمة إيناس نبيل سليمان، دار الحور، ص 17
(2) بول تليش، "بواعث الإيمان"، ترجمة سعيد الغانمي، دار منشورات الجمل ص 7
(3)نفس المرجع السابق ونفس الصفحة
(4) وليم جيمس، تنويعات التجربة الدينية، ترجمة إسلام سعد وعلي رضا، دار نهوض، ص 259،هامش من وضع المترجمين.
(5)إريك فروم، فن الحب، ترجمة مجاهد عبدالمنعم مجاهد، ص 109 وما بعدها

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: طاهر أحمد

تدقيق لغوي: حسن أحمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.