مسلسل «The Handmaid’s tale»: ديستوبيا مبالغ فيها أم واقع نعيشه

“المعرفة ما هي إلا إغواء، ما لا تعرفه لن يُغويك أبدًا”. -​العمة ليديا.

الجهل وغياب الوعي لطالما كانا السلاح الرئيسي لأي نظام فاشي يحترم نفسه ويرغب في استمرار دولته لأبد الدهر، فببساطة لا أحد يمكنه أن يُطالب بما لم يعرفه يومًا في حياته، ويا حبذا لو كان الدين هو المرجع الأساس الذي تقوم عليه الدولة، الشيء الوحيد الذي لن يقف أمامه الإنسان المُغيَب مهما بلغت درجة الذل التي يتعرض لها، فهي أوامر الرب في النهاية ولا يوجد باليد حيلة سوى الطاعة في سبيل الهدف الأسمى.

دولة جلعاد:

تأخذنا الكاتبة الكندية «مارجريت آتوود» في روايتها الصادرة عام 1985 تحت اسم «حكاية خادمة» نحو مستقبل ديستوبي شديد الحلكة، حيث سيطرت جماعة دينية مُتشددة على زمام الأمور في الولايات المتحدة الأمريكية، واستطاعوا إحكام قبضتهم على البيت الأبيض والكونجرس وغيرهما من المؤسسات ليُقيموا دولتهم تحت ظل الكتاب المُقدس.

دولة جلعاد لم تقم ما بين الليلة وضُحاها، بل كانت هناك أسباب وسوابق تُنذر بالوصول لهذه المرحلة، لعل أهمها هو ما وصل إليه العالم مع التقدم التكنولوجي من تلوث لكل الموارد الطبيعية من هواء وماء وغيرهما، الأمر الذي كان له دور كبير في نقص عدد المواليد بنسبة تجاوزت الـ 60% وفقدان معظم النساء قدرتهن على الإنجاب، لذلك كان التدخل واجبًا من تلك الجماعة الدينية التي ترى أن العالم يجب أن يعود لأصله وإعادة البشرية من طريق الضلال التي سلكته لسنوات عديدة.

ما بين الرواية ومسلسل «The Handmaid’s tale»:

رواية «حكاية خادمة» تحولت لمسلسل في عام 2017 تحت اسم «The Handmaid’s tale»، وأُنتج منه بالفعل أربع مواسم حتى الآن، وحقق نجاحًا كبيرًا على المستوى النقدي والجماهيري وحصد العديد من الجوائز المختلفة سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج وكذلك التمثيل، خاصةً وأن المسلسل تفوق على الرواية التي عانى قرائها من التشتت في كثير من الأحيان بسبب تنقل الكاتبة بين الخطوط الزمنية دون سابق إنذار، بينما هذه لا تعد مشكلة كبيرة على المستوى البصري، فالمشاهد بإمكانه التمييز باختلاف الشكل العام من ملابس وغيرها.

فاستطاع صانعو مسلسل «The Handmaid’s tale» تحويل رواية «مارجريت آتوود» إلى صورة على الشاشة تحمل كل ما تصورته الكاتبة الكندية أثناء كتابتها، وخرج لنا هذا العالم الديستوبي الذي يقوم بشكل أساسي على اضطهاد المرأة على وجه الخصوص باختلاف طبقاتها الاجتماعية، فلا تهم مكانة أو وظيفة أي واحدة منهن، فكل ذلك كان من الماضي، وهن الآن تحت وطأة «جلعاد» التي لا ترى وظيفة للمرأة في الحياة سوى الإنجاب وتقديس الزوج والقيام بالأعمال المنزلية.

إعلان

ديستوبيا مبالغ فيها أم واقع مرير؟

يكمن مسعى المؤسسون لدولة جلعاد في إعادة الأرض إلى طبيعتها والتخلي عن كل مظاهر التقدم التكنولوجي والحضاري إلا في أضيق الحدود، يؤمنون بأن البشرية يجب أن تعود لما كانت عليه في العصور الوسطى حتى تتعافى الطبيعة مما فعلناه بها، وقد يبدو منطق في ظاهره احتمال من الصحة ولكن في باطنه عكس ذلك تمامًا.

“الأفضل لا يعني بالضرورة أن يكون الأفضل للجميع، الأفضل دائمًا يكون الأسوأ بالنسبة للبعض”. -​القائد فريد واترفورد.

دولة جلعاد قبل قيامها حرصت على تجريد النساء من كل حقوقهن، سواء في العمل أو حتى امتلاك أموال خاصة بهن، وتم تحويل كل حساباتهن البنكية وكل ما يملكن لأزواجهن أو لأقرب رجل لهن، وهكذا استمر الاضطهاد إلى أن وصل لذروته بقيام الدولة رسميًا، فتم تقسيم النساء لثلاث فئات.

الأولى وهي زوجات القادة وهؤلاء يرتدين اللون الأزرق ووظيفتهن طاعة الزوج وتقديسه، الفئة الثانية هي الخادمات ويرتدين اللون الأحمر، ووظيفتهن تكمن في كونهن أرحام مُتحركة لا تفعل شئ سوى الإنجاب، والفئة الثالثة يُطلق عليها المارثا وهي التي تقوم بأعمال المنزل من إعداد الطعام والتنظيف وغيرها.

“العادي هو الشئ الذي اعتدتن عليه سابقًا، ما يحدث الآن قد لا يكون عاديًا بالنسبة لكن، لكنه سيصبح كذلك مع الوقت”. -​العمة ليديا.

إنجاب أكبر عدد من الأطفال هو الشغل الشاغل لجلعاد، ولذلك تم اختيار الخادمات بحرص شديد على أن تكون الخصوبة لديهن عالية، وتصبح وظيفتهن التنقل ما بين منزل قائد للذي يليه، لتتعرض كل واحدة منهن للاغتصاب مرة على الأقل في الشهر تحت أعين الزوجة المشاركة في الجريمة تحت اسم الدين، ويستمر هذا الاغتصاب الدوري حتى تحمل الخادمة طفل في رحمها مهما كانت الوسيلة المستخدمة، هنا يحتفي القائد وزوجته بالخادمة التي سخرها الرب لتحمل معجزته لهما والتي لطالما قاما بالصلوات لأجلها، وهكذا يستمر الأمر دواليك في حلقة مغلقة لا نهاية لها تُحرم فيها الأم من كل طفل أنجبته ولا تراه مرة أخرى، فأن تكون أم لطفلها لا يعد من وظائفها، بل مُحرم عليها التواصل معه بعد انتهاء فترة الرضاعة.

المرأة في دولة جلعاد لا يحق لها القيام بأي شئيفوق وظائفها، فجريمة مثل القراءة أو الكتابة مثلًا قد تُكلفها فُقدان إحدى يديها أو إحدى عينيها، القرار يعود للحالة المزاجية للقُضاة، فقد يكونون عطوفين في بعض الأحيان ويكتفون بقطع إصبع واحد فقط على ألا تتكرر تلك الفِعلة الشنيعة.

وهنا نعود لنقطتنا الرئيسية والسؤال الذي يطرح نفسه، هل جلعاد واقع ملموس نعيشه أم أن الكاتبة تعمقت أكثر من اللازم في رسم تفاصيل ذلك العالم السوداوي، ولذلك لم تنفك مارجريت عن التأكيد في مقابلاتها على أنها لم تذكر أي شئ في الرواية لا يقوم به البشر في عالمنا الحقيقي باختلاف الأزمنة والأمكنة، كل هذه الاضطهادات تحدث للمرأة بشكل يومي في كل بقاع الأرض بصور مختلفة ولا يدري أحد عنهن شئ.

ولِمَ علينا أن نذهب بعيدًا؟ فأنت يا عزيزي القارئ العربي تُدرك تمامًا أن ما شاهدته أو قرأته بالرواية يحدث في عالمنا العربي بشكل روتيني، الفتاة هنا غالبًا تنشأ منذ الصغر على حلم الزواج، هذا هو الطموح الذي إذا لم يتحقق سيتم نبذها من المجتمع وربما تُتَهم في شرفها إذا تأخرت في تحقيق حلمها أكثر من اللازم.

كم من فتاة تُجبر كل يوم على الزواج في سن من المُفترض أن تعيش فيه أيام طفولتها، كم من فتاة تعرضت لصدمة نفسية بمجرد أن أزهرت بعمليات الختان الغير آدمية خلف ستار الدين، كم من امرأة يتم التقليل منها في عملها وابتزازها عاطفيًا ونفسيًا، ومما لا شك فيه أنك قابلت شخصية العمة ليديا في الحياة الواقعية مرة على الأقل، تلك المرأة العجوز المُتسلطة التي لا تنفك عن فرض آرائها العقيمة على كل من حولها وتحرص على أن تُورثها لمن يأتي بعدها.

ولنا في دولة إيران أقرب مثال للشكل العام لرواية «حكاية خادمة»، حيث طرأت تغييرات كبيرة عقب الثورة الإيرانية وقيام الجمهورية الإسلامية بقيادة «آية الله الخُميني»، حيث تم توحيد ملابس النساء باللون الأسود الذي يغطى الجسد بالكامل وحُرِمن من معظم حقوقهن كحضور المناسبات والاجتماعات أو حتى الذهاب للشاطئ.

نساء جلعاد:

تشهد رواية «The Handmaid’s tale» تنوع كبير جدًا في الشخصيات النسائية وتعقيدات كبيرة في كل واحدة منهن، فرأينا الشجاعة التي لا تأبه بأي شئ يحدث لها في سبيل إنقاذ ابنتها من مُختطفيها، كما رأينا الضعيفة وسهلة التشتيت، إلى جانب المؤيدات بشدة وبتعصب لمنظومة جلعاد وإيمانهن التام بأن ما يفعلنه هو الصواب.

يكفي أن بذرة جلعاد كانت امرأة هي من غرستها، وتحصد ثمار بذرتها الفاسدة على حساب نفسها وكرامتها مع تقدم الأحداث، وحتمًا لا يوجد ما هو أشد قسوة من أن تُعادي جنسك فقط لتحقيق مصلحة شخصية.

“لا تدعِ الأوغاد يُحطمونك”. -​أوفريد.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: علاء عباس

تدقيق لغوي: رنا داود

اترك تعليقا