تأخذك إلى أعماق الفكر

مسلسل Better Than Us.. نحو أمومة وإنسانيّة جديدة في زمن الآلة الأنثى

الناس على استعداد على الاعتراف أنّهم حيوانات ولكنّهم بالإضافة إلى ذلك، شيء آخر.
-جون واطسون (1)

مع العصر التكنولوجيّ الذي يقفز لمسافات بعيدة خلال فترات قصيرة ومع جميع التطورات التي مست هذا الجانب من الحياة البشريّة والمجتمعات. هل يمكن أن نصل إلى عصر تنتشر فيه الآلات الروبوتيّة مثلما تفعل الهواتف والأجهزة الذكيّة الآن؟ هل يمكن أن تساعدنا هذه الآلات في أعمالنا اليوميّة والمهنيّة ومن دون مشاكل؟ وما نتائج هذا الأمر على البشر؟ وكيف تكون الحياة وقتها وأنت تمشي في الشارع مشاهدًا آلات ذات أشكال وثياب بشرية تمشي وتمارس مهمتها مثلك تقريبا؟

إضاءات حول المسلسل:

تم عرض مسلسل (Better Than Us) ذو الإنتاج الروسيّ من فئة الخيال العلميّ في 16 أغسطس سنة 2019م وقد حظي بتقييم على IMDb ب 7,4 بموسم واحد مؤلف من ستة عشر حلقة. (2) كما أنّ هناك معلومات حول وجود موسم ثاني سيعتمد على الصين بشكل أساسي كمكان للتصوير متجادَل عليه ومِن دون أخبار رسميّة حوله. (3)
أما عن طاقم تمثيل العمل الرئيسيّين فأوّلهم الممثلة Paulina Andreeva التي تؤدي دور البطولة بدور أريسا، يشاركها في ذلك Kirill Käro بدور غورغي، و Eldar Kalimulin بدور إيغور الإبن ثم Alexandre Oustiougov بدور فيكتور، و Olga Lomonosova بدور آلا زوجة غورغي السابقة. (4)

يدور مسلسل Better Than Us في مستقبل ليس بعيدًا عن عصرنا هذا أين يسود فيه منظر الروبوتات وهي في المدينة تشارك البشر حياتهم بكل أحوالها وتحوّلاتها، لكن ليست هذه النقطة المهمة فقط في المسلسل لأنّ الأمر يتعدى ذلك حين نلحظ أنّه قد تناول أبعادًا عديدة منها موضوع الجنس مع الآلة، والزواج والأسرة، ومستقبل الطب وأطماع الشركات والمؤسسات على الإنسان، وكذلك القلق البشري إزاء ظهور الروبوت واكتساحها مجالات العمل والبيت والشارع.

ومما لا يغيب عنا هو تركيز المسلسل الذي تدور كل أحداثه فيه، على الروبوتات عامة وبالشكل النسائيّ خاصة، مع تسليط الضوء على الروبوت أريسا.
كما على أيّ مشاهد في رأينا تذكر الفيلم القديم الذي ربما مرّ على البعض منذ سنوات طويلة (Bicentennial Man) الذي أدى بطولته الراحل روبن وليامز (5)

حيث يتحدث العمل عن رجل آليّ يحاول تخطيّ مرحلة الروبوتات ليصبح رجل بشريّا، ويسرد لنا الفيلم كل التطوّرات والعقبات التي يتجاوزها ليصل إلى هدفه في الأخير ويفوز بصفة إنسان بشكل قانونيّ مع قلب أحد الفتيات التي تبادله علاقة عاطفيّة غير أنّه يتخلى عن الخلود لصالح تحوّله البشريّ.
إنّ هذا الفيلم في اعتقادنا سيلمس جانبا مرعبًا فينا ونحن نتأمله ونتساءل عن من نحن حقًا؟ أو عن إمكانيّة حدوث ما يدور حوله. ومسلسل Better Than Us يدور في نقاط ليست بعيدة عن هذا الفيلم كثيرًا، لكن في اتجاهات مختلفة ستظهر آثارها أكثر مع متابعة قراءة المراجعة.

إعلان

الآلة والمجتمع:

نحن هنا في مجتمع لا يستخدم الروبوت لمساعدته في العمل فقط، أو تأدية شؤونه اليوميّة مريضًا صاحبه كان أو سليمًا، بل كذلك لتفريغ طاقاته الجنسيّة معه أو فيه، أين نعثر على بعض الأفراد الذين لا يجدون حرجًا أو مشكلةً في ممارسة الجنس ليس مع الدمى الجنسيًة بل الروبوتات ذوات الذكاء الاصطناعيّ المحدود التي تباع بالآلاف؟ وما نلاحظه هنا أنّ جميع النسخ تجسَّد على شاكلة أنثى، ما يحيلنا إلى نفس إشكالية اختزال المرأة في جسد جنسيّ حتى لو كانت آلة.

كما لا يصل الأمر عند هذا الحد بل يتخطى حاجز الجنس إلى المواعدة الحميميّة لدى أشخاص معينيين يشكون ربما من أمراض وحرمان نفسيّ.
إنّ بناء علاقة عاطفيّة مع آلة بهيئة أنثى أمر يسّر البعض إذن، الأمر الذي يفشي بعدًا نفسيّا خطيرًا تتخبط فيه هذه المجتمعات أو كانت تتخبط منذ ما قبل هذا التحوّل التكنولوجيّ أصلًا.

ومن الإنسان التوّاق للجنس مع الآلة أو المضطرب الذي يجد الآلة كسند له، نرى المسيطِر على الآلة وهي الجهة التي تقوم بتصنيعها وبيعها ففيكتور مسيّر شركة كرونوس يقوم بالدفاع عن هذه الآلات وخدمتها الجنسيّة، مبررًا بذلك أنّها تحارب الكبت وتقلّل من العنف عند الإنسان في رؤية معاكسة لمنظور أشخاص آخرين متخوفين من هذا الشأن وناكرين لتبعات هذا التقدّم.

وما يثير انتباهنا هو دلالة اسم الشركة فكرونوس هو إله إغريقيّ يعنى بالزمان ويعني اسمه حرفيًا حسب البعض “الزمن” مع قول البعض الآخر بأن معناه الأدّق والأصح هو “المكمِّل، المنضِج” (6)
وسواء أخذنا بالرأي الأول أو الثاني فإن طبيعة اختيار الاسم يوحي رمزيًّا من دوك التباس بمهمة الشركة المرتبطة بالزمن المستقبليّ وكذلك محاولتها الوصول إلى الكمال عن طريق هذه الروبوتات.

والإله كرونوس قد قتل والده أورانوس وتزوج والدته وهو نفسه الذي قاتله ابنه زيوس بسبب تجبرّه وظلمه (7) أما الشركة في هذا العمل مع مديرها فهي التي تمثل الطرف السلبيّ والظلاميّ في الصراع ضد أريسا وغورغي وجعل الجنس مع الآلة أمرا لا بأس فيه.
وما بين هذا وذاك مجددًا نجد جماعةً من الشعب نراها تمثل القلق البشريّ من سطوة الآلة على عملهم وحياتهم حيث نجدهم في هذا العمل أفرادا مخرِّبيين ومتمردين.
والأمر يتعدى مجرد استخدام الآلة في مساعدتنا حين تصبح الآلات التي تشكو أعطالا وخللا أو استخدمت لفترة طويلة مجرد روبوتات متشردة تتواجد في أنفاق المترو والأحياء الفقيرة مثلها مثل البشر وكأنّها تطورٌ بطيء جدًا ونسخ رديئة عن الإنسان وظروفه.

الأم الآلة:

يبدأ كل شيء عند قدوم نموذج روبوتيّ من الصين نحو روسيا مختلف عن البقية متميز بذكاء اصطناعيّ وتعقيدات كبيرة وهذا النموذج هو أريسا، لكن كل هذا يتغير في مقر الشركة حين يتم محاولة اعتداء جنسيّ عليها، ولأنّها مختلفة ومصمَّمة بشكل تقريبيّ غير معقول من المرأة فهي تقاوم المعتدي ثم تقتله وتفر بعيدًا.

تختار أريسا طفلة صغيرة لتكون أول مستخدمة لها وكأنّها تلد مولودًا جديدًا بقرارها هي لا قرار الطفلة مثلما يفعل البشر، لتسمح بعد ذلك باستخدامها واِعطائها الأوامر بما في ذلك أخوها المراهق مع والدها غورغي ونتيجة هذا فإنّ الآلية تعتبر نفسها فردًا أساسيّا من هذه الأسرة.
تجد أريسا الأسرة مشتتة، فالطفلة الصغيرة تعيش هي وشقيقها مع والدتها المنفصلة عن والدها والمتزوجة برجل يخططان السفر بعيدًا عن روسيا دون معرفة الوالد، أما الأخ المراهق فعلاقته متوترة بهذا الأخير.

وأثناء كل هذا تتقرب أريسا من الطفلة فتعاملها مثل والدتها أو ربما أفضل منها على الأقل كما ترى الفتاة الصغيرة، فأريسا تحاول معرفة مشاعرها جيدًا حتى تتعامل معها وهي تنجح في ذلك بسهولة، أما الأمر المميز فهو أنّه في وسعها الاعتناء صحيّا بالطفل جيدًا وإدراك وحلّ مشاكله، إنّها مثل أم خارقة ربما.

و يبدو الأمر قد صار جديًّا حين تفضل الصبية الصغيرة أريسا على والدتها التي تنفجر ردات فعلها الأمومية معلنةً استياء وغضبًا بالغًا.
إنّ الأمومة لا تتقيّد بشيء فهي بذلك غير عقلانيّة كما نحسب، فما المشكلة إذن حين نرى الأم البشريّة تغار من مجرد آليّة؟
والمسلسل لا يسلّط فقط الضوء على الروبوت الأم بل تناول فيه شخصيات أموميّة مثل شخصية سفيتلانا وهي زوجة مضطربة ومكتئبة نتيجة فقدانها لابنها ما جعلتها الخسارة تعانيّ بشكل مرضيّ فتواسي نفسها بآلةً على شكل وصوت طفلها السابق.
كما لدينا كذلك أحد الشخصيات النسائيّة والأموميّة التي تحتضر بسبب مشكلة صحيّة محاولةً الحديث مع ابنتها التي لا تعرفها بسبب عيشها في كنف جدتها. كما نرى علاقة متوترة بين هذه الأم ووالدتها التي تربي ابنتها الصغيرة، ناهيك عن الأم المستاءة من أريسا التي ذكرناها مسبقا.
وبهذا فإنّ المسلسل يعج بالأمهات مقارنة بعدد شخصياته وبالمواضيع التي تتناول هذا الجانب مع المرأة.

الزوجة الآلة:

لا يمكن الحديث عن أم من دون أن تكون أو كانت زوجة أو صديقة على الأقل، فلقد بنيت أريسا على أن تكون أمّا وزوجة كذلك، بل زوجة مطيعةً أيضا تنفذ كل ما يطلبه منها زوجها بما في ذلك تأدية المهمات المتواضعة له مثل نزعها حذائه والاهتمام به كطفل صغير آخر، مع العناية بأمور البيت والأطفال.

كما يمكن أن تضحي حتى بنفسها لأجل الزوج، وإذا عرفنا أنّ هذا النموذج من إنتاج صينيّ سنلاحظ بوضوح كيف أن أريسا تجسّد المرأة المطيعة في مخيال الرجل الآسيويّ الذي كان لطالما عاش في مجتمع أبويّ محافظ، ودعونا نتذكر كلام الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل فقط وهو يدرس هذا الموضوع حول الصين الذي يصفها بالمجتمعات البطريركيّة ويضفي عليها سمة أساسيّة من تقديس الأب وإلى جانبه زوجته حيث يقول:“فليس على الابن أن يبدأ بالكلام حين يدخل أبوه عليه الغرفة.. وليس عليه أن يترك الغرفة دون إذن من الأب”. كما يقول:“وكل صيني يشتري زوجته والزوجة الأولى هي المرأة الحرة أما المحظيات فهن إماء”. (8)
ولأنّ ذكاء أريسا أكثر تفردًا عن بقية الآلات فقد صمِمت بشكل مختلف كليّا، فهي تتطور وتتعلّم من البشر وتراكم خبراتها فتنتقل من مستوى إلى مستوى من دون أن نعرف المستوى الأخير الذي يريد لها المصمم أن تصبح عليه وهو من دون شك مستوى الإنسان الأم الكامل.
بل الأمر يتعدى ذلك عندها إلى التفكير بالجنس وكيفية نيل رضى الزوج جنسيّا فنرى فيها أريسا تشاهد المقاطع الجنسيّة التثقيفية أو تسأل عن مشاعرٍ وانفعالات معيّنة مثل الحب أو الضحك و ما شابه ذلك، وفي كل مرة تتقدم إلى درجة تجربة الغيرة أو لنقل خاصية تشابهها وأيضا الخذلان من الزوج بسبب تفضيله لفتاة بشرية عليها.

وإذا كان الإنسان الذي تتعلم منه أريسا هو نفسه الذي يقول عنه ايريك فروم متسائلا في استياء بعد الجدل الذي يثار من ما إذا كان الإنسان ذئبا أم خروفًا: “لماذا تاريخه مكتوب بالدم؟ وهو تاريخ عنف متواصل..؟ هل طلعت باشا وحده من أباد الأرمن؟ هل هتلر وحده من أباد ملايين اليهود؟… لم يكن أولئك الرجال وحدهم بل كان لديهم الآلاف ممن قاموا بالقتل والتعذيب لصالحهم”. (9)
فمن دون شك إذن بإمكان أريسا أن تتعلم أمورًا سيئة كالكذب مثلًا كما نرى في أحد الحلقات الشيء الذي يجعلها مختلفة. فهي ليست مجرد شكل جامد مصمَم على شكل إنسان بل كيان ماديّ يمر بمراحل روبوتيّة تحاكي البشر منذ طفولتهم لتتطور أكثر وتماثلهم وتلك كانت المشكلة الأساسية.
فهل يمكن أن يسري الإجرام عليها من دون أن تقتل دفاعا فقط بل كنوع من ساديّة البشر أو التحكم بهم كما هو موجود في الإنسان؟

الآلة القاتلة:

حين نقول إنسان قاتل لا شك أنّ للأمر تبعات سلبيّة خطيرة، لكن مما لا خلاف عليه فإننا لا نرى في الأمر شذوذًا أو غرابة، فالإنسان لم يستطع الانفصال كليّا عن مملكة الحيوان، فهو الذي لا يزال يقاتل ويقتل مادام العنف سمة فيه بكل أنواعه، “فالإنسان للإنسان ذئب والكل في حرب ضد الكل والواحد في حرب ضد الجماعة”. (10) أما حين نتحدث عن الروبوت فإنّ الأمر قد يبدو مثيرا للغرابة والريبة بل يصل إلى الذعر.

فما الفرق إذن بين أن يكون الإنسان قاتلًا وهو أمر مقبول أو اعتياديّ على نطاقه الطبيعيّ بصفتنا هكذا شئنا أم أبينا، وبين أن نجد روبوتا يمارس القتل فنرى ذلك جريمة ومنارةً عالية تخبرنا بقدوم نهاية جنسنا البشري.ّ

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تدقيق لغوي: رنا داود